كيف تُهدد نهاية حرب أوكرانيا المحتملة اقتصاد العراق
بغداد – مع تصاعد المؤشرات على اقتراب إغلاق ملف الحرب الروسية–الأوكرانية، يبرز في العراق هاجس اقتصادي جديد يتمثل في احتمال دخول البلاد منعطفاً مالياً صعباً، وسط نقاشات سياسية محتدمة لتشكيل الحكومة المقبلة. ويبدو أن قطاع النفط، الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد العراقي، يقف عند مفترق طرق حساس قد يحدد ملامح المرحلة المقبلة.
وقد حذر الخبير في الشؤون المالية والاقتصادية ناصر التميمي في تصريح لموقع "بغداد اليوم" العراقي من أن الانخفاض الأخير في أسعار النفط ليس مجرد موجة عابرة، بل نتيجة مباشرة لعودة روسيا تدريجياً إلى الأسواق العالمية واستعادة جزء كبير من قدرتها التصديرية، إلى جانب مؤشرات الاستقرار الدولي التي تبعت بوادر انتهاء الحرب. هذا التطور ـ وفق التميمي ـ أدى إلى زيادة المعروض وتراجع الطلب، ما انعكس على الأسعار خلال الأسابيع الماضية.
ويرجّح أن يمتد هذا التراجع لفترة أطول مما تتوقعه الدول المنتجة، الأمر الذي يضع العراق في موقع بالغ الحساسية، باعتباره يعتمد على العائدات النفطية بما يفوق 90 في المائة من إجمالي موارده العامة. ويشير إلى أن استمرار هبوط الأسعار سيؤدي إلى تعميق العجز المالي في الموازنة الاتحادية، الأمر الذي سيؤثر بشكل مباشر على قدرة الحكومة على الإيفاء بالالتزامات الأساسية، وفي مقدمتها الرواتب والنفقات الخدمية والاستثمارية.
ويؤكد الخبير أن تبعات الأزمة المحتملة ليست مالية فحسب، بل تشمل ارتفاع معدلات البطالة، وتباطؤ تنفيذ المشاريع الحكومية، وارتباك خطط التنمية، في ظل موازنة مبنية على تقديرات سعرية أعلى بكثير من المستويات الحالية في السوق العالمية. ويرى أن هذا الخلل سيُحدث فجوة تمويلية قد يصعب سدها دون إجراءات إصلاحية جذرية.
ورغم أن نهاية الحرب الروسية–الأوكرانية كان يمكن أن تمثل فرصة للعراق لإعادة هيكلة قطاع الطاقة وتعزيز حضوره في السوق الدولية، إلا أن التميمي يشدد على ضرورة الإسراع في تنويع مصادر الدخل، وتطوير القطاعات غير النفطية، وإجراء إصلاحات هيكلية واسعة. كما يدعو إلى وضع خطط مالية طارئة قادرة على التعامل مع اضطرابات سوق النفط، التي باتت أكثر تذبذباً بفعل عوامل جيوسياسية واقتصادية متشابكة.
وتأتي هذه المخاوف في وقت لم يتعافَ فيه القطاع النفطي بالكامل من تداعيات الحرب التي اندلعت في وقت سابق بين إيران وإسرائيل. فقد اضطرت شركات نفط عالمية تدير حقولاً عراقية إلى سحب عدد من موظفيها الأجانب خوفاً من تأثيرات الصراع، خصوصاً بعد الانخراط العسكري الأميركي. ومع أن هذه الهواجس تراجعت مع انتهاء المواجهات وعودة الاستقرار النسبي، إلا أنها كشفت هشاشة البيئة العراقية أمام أي توتر إقليمي.
ولا تتوقف التحديات عند حدود الأسعار أو الاضطرابات الإقليمية؛ فالدولة تواجه التزامات مالية ضخمة تشمل الرواتب والدعم الحكومي ومشاريع البنى التحتية، في وقت اتسع فيه الإنفاق العام خلال السنوات الماضية بوتيرة لا تتناسب مع قدرة الاقتصاد على توليد إيرادات مستقرة. كما أن الاعتماد على فرضية استمرار أسعار النفط المرتفعة في إعداد الموازنات الاتحادية جعل البلاد عرضة لأي هبوط مفاجئ في السوق العالمية.
ويعيد اقتصاديون التأكيد على أن هذه التطورات تشكل جرس إنذار جديد يعيد الملف الاقتصادي إلى الواجهة، ويدفع باتجاه تخفيف الاعتماد الأحادي على النفط، وتوسيع القاعدة الإنتاجية عبر دعم الزراعة والصناعة والخدمات والتكنولوجيا. ويشيرون إلى أن تقلبات سوق الطاقة في السنوات الأخيرة برهنت على هشاشة الاقتصادات الريعية، وعلى ضرورة بناء منظومة اقتصادية أكثر مرونة.
وتفاقم البيئة الاستثمارية المعقدة التحديات التي تواجه القطاع النفطي. فالعراق ما زال يعاني تاريخياً من عدم استقرار أمني يؤثر على جاذبية الاستثمار الأجنبي، إضافة إلى التغييرات المستمرة في المناصب القيادية، وغياب قانون اتحادي ينظم إدارة ملف الطاقة بشكل موحد. وتضاف إلى ذلك التعقيدات البيروقراطية وانتشار الفساد، وهما عاملان انعكسا سلباً على تصنيف العراق في مؤشر ممارسة الأعمال.
وتبرز أيضاً خلافات حول طبيعة العقود النفطية، إذ تطالب بعض الشركات الأجنبية بعقود مشاركة بالإنتاج بدلاً من عقود الخدمة المعمول بها حالياً، الأمر الذي يفتح الباب أمام توترات مع الحكومة ويهدد بخروج شركات مهمة عن الساحة العراقية إذا لم تُعالج هذه الإشكالات بمرونة وحكمة.
وفي المحصلة، تبدو الحكومة العراقية المقبلة مقبلة على ملفات شائكة في قطاع الطاقة، حيث يفرض تراجع أسعار النفط، وتقلّب السياق الجيوسياسي، وضعف البيئة الاستثمارية، تحديات مركبة على اقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على المورد النفطي. وبينما يشكّل اقتراب نهاية الحرب الروسية–الأوكرانية تحولاً كبيراً في خريطة الطاقة العالمية، فإن العراق يجد نفسه اليوم أمام خيارين: إما الانخراط في إصلاحات عميقة تعزّز قدرته على التكيف، أو مواجهة أزمة مالية قد تكون الأشد منذ سنوات.