كيف لصنَّاع أزمات اليمن أن يرسموا ملامح مستقبله؟

المشهد اليمني البائس والمبهم فيما يتعلق بالحوار الذي مضى عليه نحو ستة أشهر والرأي العام يراقب بحيرة وقلق لنهاية مفترضة للحوار السياسي الذي يعتبر أهم مفردات "المبادرة الخليجية" لحل الأزمة اليمنية وهي الحوار الوطني الشامل تبرز جملة تساؤلات وعلامات الاستفهام تلوح في الأفق جراء تداعيات ما يُشاع من احتمالية ولوج البلاد لفترة انتقالية أخرى والجدل بين هذا الفريق وذاك حول إمكانية ذلك ومشروعيته من عدمه.

والعبرة ليست في مدة الفترة الانتقالية إذا كانت ستفضي لحل ولكن الواضح أن ذلك مجرد ملهاة وتعبير عن عجز المتحاورين وكل الأطراف السياسية وغياب الثقة المتبادلة.

فالتمسك الحرفي بالمبادرة من جهة مراحلها الزمنية وحدودها القانونية وغايتها لن يكون مفيداً بالضرورة في حل كل هموم اليمن وهي في كل الأحوال ليست بقرآن مُنزل، وبداهة انه بالإمكان تطويعها بالتوافق بين أطراف الحوار وحتى بين الجهات الراعية لها والموقعة عليها من الشركاء الإقليميين والدوليين، فتمديد الحوار لأيام أو لأسابيع أهون من تمديد الفترة ذاتها؛ فمن غير المعقول الانتهاء من فترة انتقالية لنبدأ في أخرى دون أن يلمس المواطن البسيط مخرجات حقيقية تصب في أمنه واستقرار بلاده ومصدر رزقه.

الإشكال الجوهري في تداعيات الحالة اليمنية المتزامن لمسيرة الحوار هو أن أطراف الحوار أنفسهم في الغالب ينطلقون من رؤية أحزابهم التي هي نفسها طرف في المشكلة فكيف يُراد منهم أن يكونوا طرفاً في الحل؟ هذه من مفارقات تلك المبادرة.

الأمر الآخر إن رؤيتهم لتلك الحلول قد تكون منطلقة من حسابات خاصة وأنانية وتنطلق من مصالحهم المستقبلية الضيقة في كل مفاصل الحوار ابتداء من شكل الدولة إلى بقية التشريعات والدستور المرتقب ونحو ذلك، فكما أن الوحدة فصلت على عجل وبأساليب عشوائية مرتجلة فإن غايتها الملموسة كانت تفصل على مقاس صانعيها سواء من هرب منهم للأمام بعد انتهاء الحرب الباردة ويخشى صراعاً داخلياً مريراً يعيد للذاكرة احداث يناير المؤسفة او مقاس الطرف النرجسي الذي حاول إقصاء الآخر من أول عام لوحدة المصالح، فما حرب 1994 إلا دليل على هذه الفرضية!

يبدو في رؤية فاحصة لنتيجة هذا الحوار وكأنه فقط شخَّص جملة من الإشكاليات وخلق حالات وعي لدى الرأي العام اليمني بل لدى المتحاورين أنفسهم وهذا بحد ذاته انجاز مهم ولكنه في نهاية المطاف بعد أن شخَّص المرض لم يضع البلسم الشافي على الجرح اليمني النازف، فالقضايا المهمة في اليمن غداة الثورة لم يتم تناولها بحل توافقي ولعل أهمها القضية الجنوبية وشكل الدولة ونحو ذلك وعليه بما أن السياسة هي فن المستحيل وترويض الواقع فلماذا لا تطوع المبادرة ذاتها بناء على المستجدات والحالة الراهنة بعد نصف عام من الحوار بمعنى الجمع بين الحالة الزمنية وتفاصيل أهم المعوقات بإضافة أيام او أسابيع للحوار نفسه وربما تمديد للفترة الانتقالية بفترة قصيرة لا تتعدى الأشهر على سبيل المثال.

وفي حال عدم التوافق في اخطر واهم القضايا فما الضير من تخصيص حوار خاص لاسبوعين مثلاً أو حتى اكثر بحيث يتناول القضية الجنوبية ولا سيما فيما يتعلق باللغط حول شكل الدولة المستقبلية ومفهوم الفدرالية واللامركزية، وكذا شكل الدولة إجمالاً فليس من المنطق والعقلانية مقارنة أي قالب سياسي وقانوني طبق خارج اليمن على الحالة اليمنية فتلك لها معطياتها وظروفها الذاتية والموضوعية فتلك النماذج أو الوصفات لا تطبق بالضرورة على بلدان أخرى ومنها اليمن، فالقول ان الفدرالية منهج بلدان متقدمة فتلك لها ظروفها الزمانية والمكانية واعتبارات ثقافية واقتصادية ونحو ذلك.

فإدارة الدولة بذلك الأسلوب قد يكون مجدياً في بلدان مترامية الأطراف مثل كندا والولايات المتحدة والهند وكذلك في المجتمعات ذات التعددية الدينية والعرقية الإثينية واللغوية كحل لمشاكل تاريخية بين مكوناتها، أو لتجنيب الأقليات فيها الشعور بالاضطهاد من قبل الأغلبية، بينما في اليمن يختلف الأمر كلياً.

ومعضلة اليمن هي غياب الإدارة والقانون بمعنى ضرورة وجود الدولة المدنية، وإجمالاً فإن الأفكار التي نوقشت لامست قضايا وهموم المشهد اليمني ولكنها عند الوصول لنهاية الحوار ربما أريد منها الخروج برؤية أنصاف الحلول وعدم الاقتناع والرضى الكامل وفي ذلك خطورة قد لا ندرك تبعاتها إلا في المستقبل ويعيدنا إلى محادثات ما قبل الوحدة التي شابها سوء النية والرغبات المتبادلة لإقصاء الآخر ويجب ألا نخدع بتصريحات وبيانات شكلية آنية ولا سيما في أهم واخطر قضايا ومراحل الحوار، ومن هنا لا بد من إحسان العمل أفضل من تنميق الكلام.