كيف يتم ارهاب وزارة الاتصالات في العراق

قال لي المسؤولون في شركة نوروزتيل "إننا لا نستطيع أن نعمل عقداً مع الوزارة من دون دفع رشاوي". فقلت لهم: "من يطالبكم بذلك؟" فأعتذروا عن ذكر الأسماء قائلين: "أن الوزير مدته أربع سنوات والموظفين باقون لعشرات السنين وإذا ذكرنا ألأسماء فستتم محاربتنا بعد تركك للوزارة". فقلت لهم: "إنه من غير المسموح لكم أن تدفعوا أي رشوة لأي شخص في الوزارة من الوزير إلى أصغر موظف، وإن فعلتم ذلك فسألغي العقد معكم وأغرمكم 30% من قيمة العقد كما هو في التعهد من قبلكم للوزارة والمصدق من كاتب العدل، وسأضعكم على اللائحة السوداء". فقالوا: "إذاً لن نستطيع أن نتعاقد مع الوزارة إذا ما قام العشرات من الموظفين بمحاربتنا بعد تركك للوزارة"، قلت: "أقترح عليكم حلاً، أن يكون التعاقد مع الوزارة من خلال شركة الإنترنت لأنه يمكن السيطرة عليها حيث عدد كادرها حوالي 400 منتسب، أما شركة ألإتصالات فعدد منتسبيها حوالي 22 ألف منتسب". فوافقوا على ذلك.

ولكن ما إن حصل هذا الأمر حتى جن جنون المفسدين الكبار في الوزارة، فحاولوا بكل الطرق إرجاع التعاقد مع شركة الإتصالات فلم أعر أهمية للآراء غير المنطقية وللمقترحات غير الصحيحة وللدراسات الخاطئة وأتممت العقد، فوصلتني عدة رسائل من مكتب رئيس الوزراء والأمانة العامة وهيئة المستشارين ومجلس النواب لإيقاف العقد بحجج واهية وضعيفة وغير صحيحة، حيث أن إخطبوط الفساد أكبر مما يتصوره المواطن. ولكني رددت كل حججهم بالمنطق ولم أرجع العقد لشركة الإتصالات، فتحركوا باتجاهين حين عجزوا عن الإفساد. ألأول إيقاف العقد والثاني فبركة التهم بحقي حتى إن المفتش العام قال لي إن هناك أكثر من سبعين تهمة مفبركة ضدك، وشكلت عدة لجان للتحقيق بهذه التهم المفبركة، وجاءني الدكتور ثامر الغضبان رئيس هيئة المستشارين في مجلس الوزراء معتذراً لأنه قد فرض عليه التحقيق بتهم مفبركة بحقي، ولكنه تحدث لاحقاً مع رئيس الوزراء وقال له إن كل هذه التهم كيدية ومفبركة وغير صحيحة، وتم إيصال تهديد لي بالاعتقال إستناداً إلى تهم مفبركة، فلم أخضع للتهديد بل واجهت تهديدهم بالتحرك الجدي لسحب الثقة عن رئيس الوزراء، وكنت الوزير العربي الوحيد الذي إجتمع في إجتماع أربيل وإجتماع النجف لسحب الثقة عن المالكي.

فأتبعوا أسلوب التهديد للكادر الوزاري، ووجهوا إليهم الاتهامات المفبركة، كما أعتقل بعضهم في فترة لاحقة، وجاءني الموظفون وقالوا "لو إننا نمضي وقتنا بالتقاعس والكسل واللهو والتسلية خير لنا من أن نعمل بضميرنا وأن نخلص ونتفانى في العمل حيث أصبحنا نعاني من توجيه التهم المفبركة لنا". وهكذا حينما لم يستطيعوا ردعي عن مواجهة الفساد استخدموا أساليب قذرة في التعامل مع الموظفين البسطاء، لقد أدت هذه الأساليب إلى بث الرعب بين الموظفين حيث تم تهديد أحد المدراء العامين وهو المهندس مجيد جاسم وأجبروه بالتهديد أن يترك الوزارة، ولم يكتفوا بذلك بل إعتقلوه بتهم مفبركة حتى أثبت القضاء براءته لاحقاً، كما اعتقلوا معاون المدير العام في شركة الإنترنت المهندس أحمد رؤوف، واعتقلوا مدير الدائرة القانونية السيد أحمد رياض، كل هذه الإعتقالات التي طال بعضها لأكثر من أربعة أشهر في الحبس جاءت على أساس تهم مفبركة تم تبرئتهم منها بشكل قاطع من قبل القضاء. كما تم إعتقال المفتش العام للوزارة السيد عبدالحسين عايش لأنه رفض السكوت عن المفسدين في الوزارة بل واجههم، وتمت إقالته من الوزارة، كما إقتحمت الوزارة سيارات مضللة بالسواد وتم إعتقال مجموعة من الموظفين الصغار بتهم أخرى بما سمي بـ"قضية جامعة البكر" وهم بريئون منها براءة الذئب من دم يوسف، وتم السكوت على المفسدين الكبار، وهناك ما لا يقل عن عشرين حالة ظلم واضح في عهدي وبعدي سأتطرق إلى بعضها في الحلقات القادمة. وهكذا يعامل الموظف المخلص في عمله من قبل الموظف المفسد الكبير، كانت هذه المخططات والمؤامرات تتم على أعلى المستويات، للأسف كان البلد يدار بهذه العقلية. والدليل على تماديهم في الفساد من دون خوف أو وجل هو إعادة التعاقد مع شركة نوروزتيل مع تعوييضهم بمبلغ 170 مليون دولار بعد تركي للوزارة، بعد أن كان تعاقدي معهم من دون دفع دولار واحد، (يمكن مراجعة هذا الأمر على الرابط.)

للأسف لا يوجد هناك حسيب أو رقيب، وتتم عمليات الفساد تلك جهاراً نهاراً، ومن يعترض فالتهم المفبركة موجودة، والسجون موجودة، والمفسدون الكبار لا زالوا متسلطين ومتمادين في فسادهم من دون أي رادع (هذه المعلومات أضعها بين يدي الدكتور حيدر العبادي ألذي أحسن الظن به لإتخاذ الإجراءات الصحيحة بحق هؤلاء المفسدين إن كان حقاً يريد مقارعة الفساد وكان قادراً على ذلك.)

أما بالنسبة لي فإنني توليت أمر الوزارة لبناء البلد والنهوض به وليس للصراع، كما إنني في نفس الوقت لا يمكنني العمل في هذه البيئة التي انقلبت فيها الموازين فيكافأ ويعلوا فيها ألمفسد ويتهم ويحارب ويعتقل فيها المخلص والنزيه والكفء ويشل فيها العمل في الوزارة. فخيرت رئيس الوزراء بين إزاحة المفسدين، فإن أزاحهم فإني أستمر بإدارة الوزارة وبخلافه فإني أقدم استقالتي فلست من المتمسكين بالمنصب أو من المتشبثين بالمركز ولم أكن يوماً من الساعين إلى السلطة.

لقد قالها المالكي لي يوماً عام 2007 عندما كانت علاقتي جيدة به في ذلك الوقت "أنت الوزير الوحيد من الوزراء الذي لا يهمك المركز"؟ ولكن في هذه المرة قدم رئيس الوزراء أمر إستقالتي على أمر مطالبتي بإزاحة المفسدين، لقد كانت فرحة المفسدين لا توصف، فغايتهم وهدفهم أن أترك الوزارة، وهنا تحقق هذا الهدف، وكأنهم يقولون هل تستطيع القيم والمبادئ التي يؤمن بها هؤلاء الموظفون الشرفاء ومن ضمنهم محمد علاوي أن تنفعهم، بيدنا السلطة وبيدنا القوة ونستطيع أن نجعل الحق باطلاً والباطل حقاً، ونستطيع أن نفبرك التهم وأن نعتقل من نعتقل، نعم إنهم صادقون لقد كانوا قادرين على فعل كل تلك الأمور، فكأنهم يقولون مؤسسات الدولة بيدنا، وهيئة النزاهة بيدنا، والكثير من أبواق الباطل في مجلس النواب بيدنا، لقد فبركوا العشرات من التهم الباطلة، وتم اعتقال من أعتقل، وأستطاعوا بمؤامراتهم إزاحتي عن الوزارة وأوقفوا كافة المشاريع التي لا يقدرون على الإفساد من خلالها، ولم يعانِ أحد من سياستهم تلك غير الموظفين الشرفاء، وغير المواطن المستضعف الذي كانت ستخدمه تلك المشاريع التي تطرقت لبعضها فضلاً عن الكثير من المشاريع التي سأذكرها لاحقاً إن شاء الله. ولكن لا يغتروا بتلك السلطة والقوة الواهية، وليعلموا أن ذلك الأمر لن يدوم إلا إلى حين، لقد كان صدام أقوى منهم بآلاف المرات، ورأينا مصيره، وفي النهاية فإن الحق سيعلو ولا يعلى عليه، (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ- صدق الله العظيم).