كيف يتم تدمير العراق

نال العراق ضمن مؤشر جودة التعليم عالمياً عام 1980 مركز 84 من أصل 189 دولة حسب تصنيف الأمم المتحدة، ونال مركز 9 بالنسبة للدول العربية، حيث جاءت مصر والسعودية وتونس والمغرب والجزائر بعد العراق، ولكن أنحدر مستوى التعليم في العراق بعد ذلك بشكل كبير حيث وصل مركز العراق لنفس المؤشر عام 2013 إلى مركز 144 عالمياً وإلى مركز 16 عربياً حيث كل الدول العربية متفوقة على العراق ما عدا ثلاث دول، السودان واليمن وموريتانيا.

يوجد حوالي سبعة ملايين ونصف طالب لمختلف المراحل الدراسية من الابتدائية حتى الثانوية في العراق، لقد أصبحت البرامج التعليمية الالكترونية التفاعلية جزءًا من النظام التعليمي في العالم المتقدم، حيث بدأت المحاولات الأولى للتعليم الالكتروني في بعض الدول قبل ما يقارب العشرين عاماً، وبمرور الوقت أصبح التعليم الالكتروني جزءًا من النظام التعليمي في الكثير من الدول، كأميركا وكندا واوربا واستراليا واليابان والصين وكوريا وماليزيا ودولاً أخرى، بل حتى في دول الشرق الأوسط كتركيا والأردن والسعودية ولبنان. إن أكثر دولة متطورة في مجال التعليم الالكتروني من دول المنطقة هي تركيا حيث بلغ عدد الطلاب المشتركين اكثر من خمسة عشر مليون طالب.

أول وأهم عنصر لتقدم الأمم هو التعليم الذي يجب أن يبدأ من المراحل الأولية للدراسة، لذلك قمت عام 2011 حينما كنت وزيراً للإتصالات بتبني مشروع التعليم الالكتروني، حيث شكلت لجنة تقنية في وزارة الإتصالات برئاسة المهندس مجيد حميد جاسم مدير عام شركة الانترنت والمهندس إبرم أيشو أحد الكوادر الفنية المتميزة في وزارة الإتصالات، وطلبت من الدكتور محمد تميم وزير التربية أن يرشح لجنة من وزارة التربية للعمل مع لجنة وزارة الإتصالات فرشح لي مشكوراً لجنة برئاسة المهندس نايف ثامر حسن مدير عام مركز المعلومات والإتصالات في وزارة التربية والسيد غازي مطلك صخي مدير عام المناهج في وزارة التربية أيضاً وهما شخصان كانا على درجة عالية من المهنية والإندفاع، وتم تخصيص موازنة للمشروع لإحالته عام 2012 وإنجازه خلال فترة لا تتجاوز السنة على أبعد الحدود.

تلعب وزارة الإتصالات دوراً محورياً في مثل هذا المشروع، فهي توفر الوحدات المركزية لهذا المشروع متمثلاً بمراكز البيانات وحلقة الوصل بين هذه المراكز والجهة المستفيدة وهم شريحة الطلاب والمدرسين بواسطة البنى التحتية للإتصالات من كابلات محورية وأبراج وأجهزة للبث وبدالات فضلاً عن كادر فني متخصص في مجال الإتصالات لإدارة وتشغيل هذا المشروع وصيانته، كما إنه نظراً لحاجة المشروع إلى عدة مراكز للبيانات في مناطق مختلفة من العراق فقد قمت بتخصيص قاعة كبيرة في مبنى الإتصالات في منطقة السنك في بغداد لمركز البيانات، وتم تخصيص موازنة خاصة لمراكز البيانات تلك، وتحدثت مع الدكتور خلف عبدالصمد (رئيس كتلة دولة القانون في مجلس النواب الآن) حين كان محافظ البصرة في ذلك الوقت أن يخصص قطعة أرض في البصرة حيث أن مركز البيانات لا يخدم هذا المشروع فحسب بل أهم خدمة يحققها هو الجانب الأمني في حفظ المعلومات الأمنية لكاميرات المراقبة فضلاً عن أمور أخرى كثيرة، فعرض علينا مشكوراً ثلاثة قطع في البصرة إخترنا أكثرها ملائمة للمشروع، فوجهت الكادر الهندسي لوزارة الإتصالات برئاسة المهندس المعماري المتميز عبد الهادي حمود لمعاينة الأرض المخصصة، فصمم مبنى المركز كما هو أدناه، وطلبت من المهندس السيد قاسم الفهداوي (وزير الكهرباء حالياً) حيث كان محافظاً للأنبار في ذلك الوقت لتخصيص أرض في الرمادي كمبنى للإتصالات يتضمن مركز المعلومات، فخصص مشكوراً قطعة أرض في تصميم المدينة الجديد على ضفاف بحيرة الحبانية.

وتحدثت مع السفير الهندي في العراق لإمكانية شراء الكمبيوترات اللوحية (التابليت) المصنعة في الهند بأسعار رخيصة (حوالي 30 دولاراً) لطلاب المدارس، فأبدى إستعداده الكامل لترتيب لقاء للجنة المشكلة مع الجهات المصنعة في الهند.

لقد قامت لجنة وزارة التربية بتخصيص عشرين مدرسة في بغداد وفي عدة محافظات أخرى من الإبتدائية إلى الثانوية لتكون مدارس نموذجية لتطبيق هذا المشروع المميز في المرحلة الأولى من تجهيز السبورات الذكية وأجهزة الصوت وشاشات العرض بل حتى رحلات الطلاب فضلاً عن إستخدام الكمبيوترات اللوحية.

ما هو مشروع التعليم الالكتروني بشكل مختصر

إن التعليم الالكتروني يتضمن نفس المنهج الدراسي، ولكنه يطرح المعلومة بالصوت والصورة، فعلى سبيل المثال في درس التأريخ تظهر الشخصيات التاريخية بأشكال أناس حقيقيين او شخصيات كارتونية، والحروب تظهر كأفلام، والإنجازات تظهر كافلام ايضاً، اما في الجغرافيا فيتم الإنتقال إلى جغرافيا الدول كافلام حية، ومناخها وإنتاجها ووضعها الإقتصادي وألإجتماعي كأفلام حية، وكذلك الحال مع مواضيع الفيزياء حيث الأمثلة في الطبيعة متوفرة بشكل أوسع كحركة السيارة، او مدى القذيفة، او حركة العتلة، او لون الطيف الشمسي، او سرعة الصوت، أو تأثير التيار الكهربائي، أو المغناطيس الأرضي، كل تلك المواضيع تظهر بشكل برنامج جذاب بالصوت والصورة، اما في مواضيع اللغات فتكون بشكل تفاعلي مع الآلة، فيتم تعليم الكلمات والجمل باللغة الإنكليزية على سبيل المثال، ثم يتم سؤال الطالب ليجيب الكمبيوتر، فإن كان جوابه صحيح يشكر، وإن كان خطأ يصححه الكمبيوتر، وكذلك الحال بالنسبة للرياضيات والهندسة والجبر والمسائل الحسابية لمواضيع الفيزياء والكيمياء فإنها تكون بشكل تفاعلي مع الآلة، فتوجه الأسئلة وتستلم الأجوبة كحل مسألة بالرياضيات أو غيرها، ويعطى التقييم للطالب من خلال نفس البرنامج، وأحياناً يكون البرنامج تفاعلي مع الأستاذ المدرس سواء كان الطالب في البيت، او حتى في الصف.

إن البرنامج التعليمي الالكتروني يتميز بميزتين عن البرنامج التعليمي التقليدي، حيث اثبتت التجارب العالمية أن قدرة الطالب من خلال التعليم الالكتروني تزداد بنسبة خمسة أضعاف مقارنة بالتعلم من خلال قراءة الكتاب كما هو في التعليم التقليدي فيتعلم الطالب على سبيل المثال خلال فترة ساعة واحدة في التعليم الالكتروني ما يتعلمه خلال فترة خمس ساعات عند قراءة الكتاب، لأن المعلومات تترسخ بذهنه اكثر بكثير من المعلومات التي يتلقاها من الكتاب، والميزة الثانية نجد أن التعليم الالكتروني يتوفر فيه عنصر الجذب والتسلية وبالذات للطلاب في المراحل الإبتدائية من الدراسة.

إن تركيا تقدم هذه الخدمة للطلاب بكلفة 25 دولار للسنة الواحدة ضمن مشروع تعليمي ضخم اسمته بـ"الفاتح" وكان في الإمكان أن نحقق نفس الشيء في العراق ولكن تم إيقاف المشروع بمجرد تركي للوزارة في الشهر الثامن عام 2012 مع وجود الموازنة وتوفر الكادر اللازم، بل حتى تم إيقاف مراكز المعلومات التي تحقق فائدة امنية كبيرة فضلاً عن هذا المشروع.

للأسف وصلنا إلى هذا الواقع حيث قد يتساءل المواطن الكريم ما هي الأسباب الحقيقية لتخلف البلد؟، بل أستطيع أن أستخدم كلمة دماره إن عجزنا عن تطويره مع توفر كافة الإمكانيات المالية والبشرية لتطويره، في هذا المشروع أستطيع أن أقول حسب تصوري أن الأسباب لا تتعدى ثلاثة أسباب، ألأول التهاون وفقدان الإندفاع لخدمة المواطن ويدخل في هذه الخانة أيضاً فقدان الكفاءة وهذه جريمة كبرى بحق الوطن والمواطن، والثاني صعوبة السرقة وقد وصل المشروع في مراحله النهائية من دون إتفاقات مسبقة كما هو حال أكثر مشاريع الدولة القائمة على الفساد وهذه جريمة أكبر من السابقة، والثالث قد يظهر أسم محمد علاوي مرتبطاً بهذا الإنجاز الحيوي والمهم، في حين أن المخطط هو وجوب فبركة التهم الباطلة والإتهام بتسريب أسرار العراق إلى إسرائيل وإنجاز هذا المشروع يتعارض مع ذلك المخطط!

للأسف هكذا كان يدار البلد، ولذلك وصلنا إلى هذا الواقع المزري، وإني أطرح هذه المواضيع ليس بهدف إيجاد حالة من اليأس ولكن لعله ينجح المتصدون في رسم السياسات القادرة على قيادة البلد الى التقدم والتطور والإزدهار والسلام كما حققوا بعض الإنتصارات الأخيرة على داعش، أأمل أن يتحقق ذلك ما دمنا على قيد الحياة ولعل العراق سيصل ألى مايطمح إليه المخلصون في عهد أبنائنا، وإني مطمئن إننا سنصل إلى ما نصبو إليه قبل عهد أحفادنا بمشيئة الله.