كيف يخدم التنديد العربي بضم غور الأردن لإسرائيل مصالح نتانياهو

إسرائيل مقبلة على حكومة تحالف قومي ديني يميني متطرف قد ينسف عملية السلام وحل الدولتين في حال فوز بنيامين نتانياهو.


تنديد الجامعة العربية يبدو بعيدا كل البعد عن النتائج المنتظرة من الانتخابات


ليبرمان يتهم نتانياهو واليهود الأرثوذكس المتطرفين بالسعي لإنشاء دولة بقوانين تلمودية


اليمين المتطرف يستغل اضمحلال اليسار وتشتت الأحزاب العربية في الكنيست للبروز


تحالف فاشي يجهض آمال حل الدولتين وعملية السلام

القدس - في معادلة غريبة تحولت التنديدات وردود الفعل العربية ضد وعود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بضم غور الأردن في الضفة الغربية المحتلة في حال فوزه بالانتخابات، إلى نقطة تحسب لصالحه وتنبئ عن نهاية خيار حل الدولتين وفرص السلام مع الفلسطينيين.

وخوفا من خسارة انتخابات قد تغير شكل الحياة السياسية في إسرائيل بشكل راديكالي، ذهب نتانياهو إلى أقصى حدود التصعيد بوعود تقوض "إمكانية حل الدولتين وفرص السلام الدائم"، لكنها تمثل خدمة لمصالح اليمين المتطرف وتضمن أصواته التي ينتظر رئيس الوزراء أن تساعده للفوز بولاية خامسة.

والثلاثاء، أعلن نتانياهو الذي يخوض حملة انتخابية شرسة، أنه يعتزم "إقرار السيادة الإسرائيلية على غور الأردن والمنطقة الشمالية من البحر الميت"، موضحاً أنّ هذا الإجراء سيطبق "على الفور" في حال فوزه بالانتخابات المقررة 17 سبتمبر/أيلول الجاري.

وتوالت ردود الفعل المنددة من عواصم عربية، حيث دان وزراء الخارجية العرب بشدة إعلان نتانياهو في بيان صدر مساء الثلاثاء بعد اجتماع طارىء عقد عقب ختام الدورة العادية الـ152 لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري في القاهرة.

واعتبر مجلس الوزراء العرب أن "هذه التصريحات إنما تقوض فرص إحراز أي تقدم في عملية السلام وتنسف أسسها كافة".

وأكد المجلس "تمسكه بثوابت الموقف العربي الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وغير القابلة للتصرف بما فيها حق تقرير المصير وإقامة دولة فلسطين المستقلة على خطوط الرابع من يونيو عام 1968 وعاصمتها القدس الشرقية وحق اللاجئين بالعودة والتعويض وفقا لقرارات الأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية".

لكن تنديد الجامعة العربية يبدو بعيدا كل البعد عن واقع يخطط له رئيس الوزراء الإسرائيلي قبل أسبوع من الانتخابات التي ستحدد مصيره السياسي.

وتعتبر هذه الانتخابات نقطة تحول كبيرة بالنسبة لإسرائيل فهي تعاد للمرة الثانية بسبب عدم قدرة ناتنياهو على تشكيل حكومة يمينية مختلفة عن تلك التي كانت قبل عشرين عاما حين كانت إسرائيل تتجه نحو اليسار.

هذا التوجه الإسرائيلي نحو تحالف قومي ديني يميني يرتبط ارتباطا وثيقا بما يحصل حول الحالم حتما، حيث تلقى الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا خاصة صعودا وتأييدا كبيرين.

ولا يبدو برنامج نتنياهو الانتخابي بعيدا عن اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك حين وصفه بأنه "أخطر رئيس حكومة في تاريخ إسرائيل".

التصعيد ضد الفلسطينيين يساعد زعيم حزب الليكود في ضمان أصوات الناخبين من اليمين المتطرف، حيث يبدو كل تنديد عربي لضم المستوطنات للسيادة الإسرائيلية خطوة نحو وصوله إلى الحكم 

وبتقديمه وعودا تصعيدية ضد الفلسطينيين يسعى زعيم حزب الليكود إلى ضمان أصوات الناخبين من اليمين المتطرف، حيث يبدو كل تنديد عربي لضم المستوطنات للسيادة الإسرائيلية خطوة نحو وصوله إلى الحكم عن طريق أصوات الناخبين المنتمين لليمين المتطرف أو للأحزاب الدينية.

وفي ظل غياب الأدوات الدبلوماسية المجدية لدى الدول العربية لمنع هذه الانتهاكات الإسرائيلية الصارخة للأراضي الفلسطينية، يبدو التنديد العربي وحتى الدولي ميدانيا يخدم مصالح ناتنياهو أكثر من مصالح الفلسطينيين وعملية السلام في حد ذاتها.

وتعليقا على التقارب بين نتانياهو واليمينيين المتطرفين، قال أفيغدور ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي السابق "تم الكشف عن صفقة القرن الحقيقية بين نتانياهو واليهود الأرثوذكس المتطرفين إذ توصلوا إلى اتفاق مغلق، هم سيعطونه السلطة ونتنياهو سيعطيهم دولة بحسب الأحكام التلمودية".

وأضاف ليبرمان، الذي كشفت استطلاعات الرأي عن تقدمه في نوايا التصويت بسبب نزعته الشعبوية العدائية نحو العرب، أن "هذه ليست مسألة غانتس أو نتنياهو".. بل تساؤل عن "دولة يهودية" أم "دولة قوانين وأحكام تلمودية"؟.

يذكر أن استقالة ليبرمان كانت السبب الرئيسي في تفكك الائتلاف الحكومي وإجراء انتخابات مبكرة جرت في نيسان/أبريل، والتي حصل فيها حزبه اليميني على خمسة مقاعد.

وكان إصرار ليبرمان على إقرار تجنيد طلاب المدارس الدينية المعفيين من الخدمة العسكرية سببا أيضا في فشل نتانياهو تشكيل حكومة ائتلاف كانت نتائجها إعادة الانتخابات الحالية.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتجه فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى مغازلة الفاشيين، حيث تعود رئيس الحكومة على التحريض العنصري ضد الفلسطينيين والعرب.

ويشمل أيضا هذا التحريض أحزاب اليسار الإسرائيلي نفسه الذي يمثله رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق بيني غانتس منافس نتانياهو الأبرز والذي يعمل على التوصل إلى اتفاقيات سلام، تحافظ إسرائيل بموجبها على القدس والكتل الاستيطانية وغور الأردن مع تعزيز الاستيطان في الضفة الغربية والجولان السوري المحتل.

تحريض ناتنياهو يشمل أحزاب اليسار أيضا
تحريض ناتنياهو يشمل أحزاب اليسار أيضا

ويرى مراقبون للشأن الفلسطيني أن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الاستفزازية موجهة بالأساس إلى الأحزاب اليمينية المتطرفة التي يسعى لضمان أصواتها في الانتخابات مثلما ضمن أصوات الأحزاب اليمينية الصغيرة التي ساعدته في الفوز الأول.

لكن التحديات تبدو كثيرة أمام زعيم حزب الليكود فهو من جهة محاصر من رئيس هيئة الأركان السابق بيني غانتس وتحالفه الوسطي الممثل بحزب "أزرق أبيض"، ومن جهة أخرى ترعبه تهم الفساد التي تنتظره في المحكمة.

لذلك لا يبدو أنه يسعى فقط للسيطرة على الانتخابات من خلال التصعيد بل يلعب كل أوراقه لتجنب تهم جنائية قد تقود إلى سجنه في حال إدانته.

وتجد الوعود المحرضة ضد الفلسطينيين والعرب عموما صدى لدى الفاشيين في إسرائيل. فمع اضمحلال اليسار الإسرائيلي وتشتت الأحزاب العربية في الكنيست الإسرائيلي يجد المعسكر اليميني، والذي يطلق عليه اسم "المعسكر القومي" الفرصة التي طالما انتظرها للسيطرة على الانتخابات بفارق يسمح له بتشكيل حكومة بأغلبية مريحة.

من الناحية السياسية تبدو مناورة رئيس الوزراء الإسرائيلي أو "بيبي" كما يحلو لمناصريه مناداته، فعلا واضحة: البحث عن تأييد لولاية خامسة على رأس حكومة يمينية تشرف على تنفيذ "صفقة القرن" وتبدد أحلام الفلسطينيين في حل الدولتين.

ومثلما ضمن اعترافا أميركيا سابقا بضم القدس الشرقية والجولان السوري المحتلين إلى السيادة الإسرائيلية منذ أشهر، يرى نتانياهو في غور الأردن المنطقة الاستراتيجية المهمة نقطة انطلاق نحو تطبيق "صفقة القرن" التي وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن كشفها مباشرة بعد الانتخابات الإسرائيلية.

وفي يونيو الماضي زار نتنياهو غور الأردن صحبة مستشار الأمن القومي الأميركي المقال جون بولتون وتحدث آنذاك عن "الأهمية العليا التي يحظى بها الوجود الإسرائيلي في غور الأردن، بغية ضمان عمقنا الاستراتيجي".

ويشكل غور الأردن حوالي ثلث الضفة الغربية. وينظر السياسيون اليمينيون في إسرائيل ومنذ فترة طويلة إلى هذه المنطقة على أنها استراتيجيا مهمة ولا يمكن التخلي عنها أبدا.

وتقع المستوطنات في المنطقة (ج) في الضفة الغربية والتي تمثل نحو 60 في المئة من الأراضي بما في ذلك معظم وادي الأردن.

وتعبر الإدانة العربية والدولية حتما عن مواقف الدول من خطورة هذه الخطوة إلا أنها لن تمنع حصول معسكر نتنياهو المكون من أحزاب اليمين واليمين المتطرف الفاشي على أغلبية في الكنيست وهو ما يمكن يقضي فعليا على آمال حل الدولتين الذي طالما كان محور الدبلوماسية الدولية.