كيف يظهر الارهاب في السينما الجزائرية؟

الجزائر - من السعيد تريعة
سبل جديدة لمواجهة ظاهرة الارهاب

برزت بعد أحداث 11 سبتمبر تغيرات كبيرة على المستوى الدولي شملت مختلف الجوانب خاصة فيما يتعلق بالارهاب واخطاره رغم انه وجد قبل ذلك بكثير وبرز سباق محموم لانتاج اعمال سينمائية وتليفزيونية تطرق للظاهرة وكل يصورها وفق منظوره.
ولم تكن الجزائر بعيدة عما يجري ليس مجاراة لما يجري في الخارج وانما مواكبة لتحولات الداخل خاصة وانها عانت لسنوات من همجية التطرف والارهاب لتسترد بعد ذلك عافيتها لتظهر اعمال سينمائية وتلفزيونية تعري الاجرام وتنقل نعيم السلم والمصالحة والوئام.
وتمكنت السينما الجزائرية منذ نشأتها من مواكبة الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي تعرفه البلاد ونقلت فضائع الاستعمار وجرائمه وكانت خير موثق للثورة واحداثها. وانحصرت طويلا في الأفلام الوثائقية عن الثورة التحريرية لتصل قمة مجدها خلال السبعينات من القرن الماضي وظهرت محاولات محتشمة لمواكبة التحولات التي شهدتها الجزائر خلال الثمانينات واستطاعت أن تصنع لنفسها نقلة مهمة نحو الواقعية الراهنة، بأسلوب مباشر بعيد عن المقدمات الجاهزة، فالاعمال التي انتجت بعد سنة2001 تعد من أهم الأفلام التي تعاملت مع الإرهاب الداخلي بالصورة والصوت، وعرته تارة وفضحته تارة أخرى لتبرز افلام اخرى بعد ذلك تطلع الجزائريين للعيش في سلام ووئام.

'باب الوادي سيتي' بداية الصورة الافغانية في السينما الجزائرية

يعد فيلمي "باب الوادي سيتي" وفيلم "العالم الآخر" للمخرج "مرزاق علواش" من الأفلام المميزة في السينما الجزائرية الحديثة من حيث ارتباطها بالوضع الاجتماعي المتغير بعد استحداث ما يصفه في أفلامه "بالصورة الأفغانية" التي تسربت إلى المجتمع الجزائري وغيرت الكثير من ملامحه، وعزلت فيه المرأة وجعلت منها "مجرد أداة" للمتعة الجنسية.
فالمخرج مرزاق علواش في فيلمه "باب الوادي سيتي" ركز على الوضع الاجتماعي الخانق في هذا الحي العريق من خلال نظرة بعض الرجال السلبية إلى النساء وتناول الفيلم ما يجري في الجزائر من داخل بيوت يعتقد المخرج أنه يتسلل إليها، عبر تقديم طريقتهم في الحياة وفي التعاطي مع المستقبل، بين إصلاحي ومتفتح للحوار، وآخر منغلق ومتفتح على "نبذ الآخرين" واتهامهم بالكفر لمجرد الاختلاف في الرأي.
وحاول مخرج فيلم "باب الوادي سيتي" جعله قريبا إلى حد ما من واقعية المنطقة كما سعى الى الاقتراب منها، في مشهد زوجين، تزوجا حديثا ولم يجدا غرفة نوم، واضطرا إلى النوم على سطح البيت، أمام احتمال التلصص عليهما من قبل أولئك الذين يغلقون نوافذهم في وجه الشمس عادة. ''العالم الآخر' الصورة الجنونية لمرحلة القتل

وفي فيلم "العالم الآخر" (Lautre monde) تبرز الصورة الجنونية عن مرحلة القتل المبرمج، والشبكات الإرهابية المنظمة التي كنت تصنع لنفسها خلايا، واحدة للمراقبة (خلية التجسس والتلصص) والثانية للملاحقة (خلية المتابعة) والثالثة للتنفيذ (خلية الإعدام) .
وقد حاول فيلم "العالم الآخر" تصوير هذه المرحلة الدموية، في صورة إرهابيين يراقبون ضحاياهم وآخرين ينفذون الاغتيال، إلى ان تصل فرنسية للبحث عن خطيبها المختفي.. فتعيش "أجوار" الرعب في الجزائر، بعد ان تتعرض للاختطاف من قبل جماعة مسلحة التي يقرر أميريها اغتصابها ثم قتلها، لأنها كافرة، ولكن شاب من العناصر المسلحة يتعاطف مع الفتاة الفرنسية لأنها أعجبته، فقرر إنقاذها قبل تنفيذ الاغتصاب والقتل، ويهرب بها قاطعا الغابات الكثيفة إلى ان استطاعا مغادرة المكان نحو بلدة أخرى.
وفي الطريق أجبرها على تغطية رأسها، وخوفا على نفسها تخبره المرأة أنها جاءت تبحث عن شقيقها الذي اختفى في منطقة صحراوية جزائرية.. الإرهابي الذي يعاني من كبت كبير يتعامل مع المرأة طوال المشوار بشكل غريب ـحسب الفيلمـ فهو إن أنقذها فلأنه يريدها لنفسه، وهنا تتداخل فكرة ـالكبت ـ في الفيلم، بحيث أن المرأة حين تجد صديقها تنسى كل شيء، فيضبطهما الشاب المنقذ في الفراش ويقرر اغتيالهما معا بتهمة الفجور.
يتناول رشاشه ويطلق النار دون توقف... هذا الفيلم الذي نال شهادة تقديرية في مهرجان كان يطرح السؤال إن كان قارب حقا الواقع الجزائري الذي ـ في نظر الكثير من الملاحظين ـ كان أفظع بكثير مما صوره المخرج مرزاق علواش.

'رشيدة' صرخة نسائية ضد الهمجية

فيلم رشيدة للمخرجة: يمينة بشير شويخ، والذي نال اكثر من 14 جائزة إقليمية ودولية.يعد من الأفلام التي تتعاطى مع الإرهاب بنظرة مغايرة، فرشيدة هي صرخة نسائية أكثر منها شيء آخر، هي معاناة المرأة الجزائرية في واقع مصنوع من دم وقتل وتهديد ووعيد وعقاب ومجازر وتفجيرات.
رشيدة مدرسة يوقفها ذات صباح شابين ويطلبان منها حمل حقيبة صغيرة إلى مدرستها، فتفهم أنها قنبلة يراد منها نقلها إلى مدرستها لتقتل تلامذتها الأبرياء. فترفض. يوجه إليها أحد الإرهابيين مسدسه ويطلق النار عليها ويهربان.
حادثة هزت الفتاة التي إن لم تمت فقد فقدت كل شيء، منها أعصابها التي كادت تفلت أمام شعورها المستمر بالقتل والجرائم المرتكبة ضد البسطاء والمدنيين.

رشيدة صورة سينمائية تعكس مخاوف النساء، ورعبهن من الواقع المؤلم وعدم قدرتهن على التعايش معه أو الهرب منه. صورة لنساء أخريات تعرضن لما تعرضت إليه رشيدة وأخريات تعرضن لأبشع من مجرد إطلاق النار عليهن، بل إلى الاختطاف والاغتصاب الجماعي ومن ثم القتل ذبحا..
صورة صرخة ما تزال مكبوتة ولكنها خرجت في أكثر من مشهد من فم "رشيدة" التي بدورها صنعت للسينما الجزائرية توجها جديدا، بعد ان غرقت في أفلام الثورة التحريرية، إلى الأفلام التهريجية "التقليدية" إلى الأفلام التي لأول مرة تتعاطى مع العنف المسلح في البلاد محاولة قراءته ومواجهته بالصورة، وعبر مشاهد جعلت الإرهاب يأخذ صورته الحقيقية البشعة واليومية..
ببساطة لأن "الإرهاب عبارة عن ثقافة الموت" كما قالت "يمينة بشير شويخ" التي اعترفت أنها تحدت بفيلمها "كل التخويفات" والتابوهات الاجتماعية وأنها أنجزت شيئا يغضب الإرهابيين ولكنه يرضيها لأنها قالت الحقيقة وفق ما تراه على الأقل..

'بركات' جدلية الفكرة والمضمون

فيلم 'بركات' للمخرجة الجزائرية جميلة صحراوي يروي قصة إمرأة جزائرية تدعى آمال، مثلت دورها الممثلة رشيدة براكي، خطف زوجها خلال سنوات التسعينيات على يد الجماعات المسلحة في ظروف غامضة، فقررت البحث عنه ورافقتها في رحلة البحث المتعبة والخطيرة خديجة المجاهدة التي شاركت في الثورة التحريرية الكبرى واستيقظت فيها الشجاعة وحب التغلغل في أعماق الطبيعة من جديد.
وقد لقي الفيلم نقدا لاذعا من قبل عدد من النقاد سواء من حيث القصة التي لم يظهر عليها إجتهاد في الخلق والإبداع، أو من حيث المضمون الذي اعتبروه محابي لفرنسا خاصة عندما تساءل بطلة الفيلم والتي تمثل جيل اليوم صديقتها المجاهدة عن الغاية من تحرير البلاد وهو ما يمرر رسائل تسيء لصورة الجزائريين واجهوا في حرب التحرير غطرسة المستعمر الفرنسي آنذاك .
فيلم "بركات" الذي أنتج بدعم من مؤسسة "أني فرانس" والتلفزيون الجزائري ، لم ينل رضى الكثيرين لأنه عبارة عن تجميع لمشاهد تظهر تشتت المخرجة في محاولة تصوير أحداث قصة لم تتمكن من التحكم في أطوارها وطفى الى السطح جدل كبير حول الغاية وراء إنتاج فيلم جزائري يسئ للذاكرة الثورية الجزائرية من حيث الربط بين الارهاب في ابشع صوره وبين الثورة ويضع المجاهدين الذين حرروا البلاد من قبضة المستعمر الفرنسي في نفس مقام الإرهابيين الذين أرجعوا الجزائر سنوات للوراء لقيامهم بالتقتيل والتخريب".
فالشخص الذي ظهر أمير الجماعة المسلحة بالجبال في الفيلم هو أيضا مجاهد في صفوف ثورة التحريرية ضد فرنسا.

'دارنا القديمة' نقطة تحول في مسار المسلسلات

يعد مسلسل "دارنا القديمة"للمخرج لمين مرباح من بين الاعمال التلفزيونية القليلة التي حاولت تشريح الاوضاع السياسية والاجتماعية ضمن عمل مؤلف من 15 حلقة بعدما تعود المشاهد على افلام تتطرق للارهاب والمصالحة في دقائق مما جعل البعض يتساءل ان كان هذا العمل مقدمة لسلسلة من الاعمال والمسلسلات التلفزيونية المواكبة للواقع المعاش وعدم الاكتفاء بالاعمال السينمائية
يتطرق مسلسل "دارنا القديمة" من بطولة عدد من الممثلين، أمثال سيد علي كويرات، بهية راشدي، عبد النور شلوش، مصطفى لعريبي، شمس، ياسين زايدي، الى شكالية المصالحة الوطنية في الواقع الاجتماعي ويعالج الوضعية السياسية الحالية المعيشة في الجزائر من خلال قصة عائلة جزائرية تسكن بالقصبة اضطرتها الظروف بعدما تهدم منزلها إلى السكن ببيت قصديري يختار احد أبنائها الثلاث أن يكون "إرهابيا" ويصعد إلى الجبل، لكنه تفاجأ بعدها بأشياء لم تكن في الحسبان، ليجد نفسه قاتلا بين جماعة من السفاحين متعطشين للدماء، ويجد احد اصدقائه محتجز لدى هؤلاء ليقرر بعدها انقاذ صديقه وتسلم نفسه للسلطات في إطار مسعى المصالحة الوطنية.
وكان الأمر الوحيد الذي يشغل ذهن الشاب التائب هو كيف يواجه الجميع بعد كل ما قام به في حق إخوته ووطنه، ليجد نفسه منبوذا مقهورا مرفوضا من طرف عائلته وخطيبته التي راح أخوها ضحية في تفجير إرهابي.
وطرح المخرج عبر مشاهد المسلسل العديد من القضايا المهمة في الواقع الجزائري وعن معاناة شباب اليوم وعجزهم من توفير ابسط إمكانيات العيش من عمل ومسكن وغيرها، كما حاول ابراز الظروف التي دفعت شبابا غرر بهم لانتهاج التطرف و الإجرام والالتحاق بجماعات همها الوحيد هو زعزعة الاستقرار نشر الإرهاب
وقد استغرق انجاز هذا المسلسل الذي عرضت بعض مشاهده الاسبوع الماضي ثمانية اشهر.