لا «سلطة».. ولا «انتقالية»

على السلطة أن تدرك بأنها محكومة بقرارات الاجماع الوطني الصادرة عن المؤسسات الوطنية الائتلافية

كثيرا ما جرى الحديث عن حل السلطة الفلسطينية من جهات عدة ومن مواقع متباينة.

فقيادة السلطة ذاتها لوحت بذلك مرات عدة.. وهناك من دعا لهذا كإحدى الخيارات الفلسطينية. ولم تكن تل أبيب أيضا بعيدة عن مناقشة الاستحقاقات التي تتولد عن حل السلطة في حال حصل ذلك.

حتى الآن ، الإسرائيليون هم الطرف الأكثر تلمسا بالوقائع والأرقام ماذا يعني بالنسبة لهم بقاء السلطة واستمرارها، وماذا يعني أيضا انهيارها أو اتخاذ قرار بحلها.

ويعرفون أيضا أن قدرتهم على الضغط باتجاه حصر وظيفة السلطة ودورها ضمن الحد الأدنى الذي رسمه اتفاق أوسلو قد ازدادت منذ أن وقع الانقسام، بعد أن رسمت تل أبيب سياسة خاصة للتعامل مع قطاع غزة. وبذلك نشأ مسربان للسياسة الإسرائيلية تجاه كل من رام الله وغزة.

يمكن القول إن الحديث الإسرائيلي عن احتمال انهيار السلطة هو بمثابة تحذير وليس أمنية أو هدفا. وأنجز باحثون إسرائيليون دراسات مفصلة تبين أن السلطة الفلسطينية بواقعها القائم ودورها الحالي مريحة لتل أبيب. ويؤكدون أن قيامها أزاح بالدرجة الأولى الأعباء المالية التي كانت إسرائيل تتحملها تجاه الفلسطينيين في الضفة والقطاع، مشيرة إلى مليارات الدولارات التي تتدفق إلى موازنة السلطة.

وتتيح الاتفاقات التي أبرمت مع السلطة وأبرزها بروتوكول باريس بقاء النشاط الاقتصادي الفلسطيني تحت الملاحظة الاسرائيلية، ويوفر لتل أبيب التحكم بإيرادات التبادل التجاري الفلسطيني مع الخارج من زاويتين، الأولى حصة إسرائيل من أموال المقاصة الجمركية، والثانية استخدام هذه الإيرادات كورقة ضغط متواصل على السلطة تجاه ملفات سياسية مختلفة.

المجال الآخر الذي يريح إسرائيل في بقاء السلطة واستمرارها هو التنسيق الأمني، الذي لا يزال مستمرا حتى اللحظة؛ على الرغم من جميع محطات التصعيد العدواني الذي قامت به تل أبيب منذ قيام السلطة.

الضلعان الاقتصادي والأمني يشكلان زاوية منفرجة تتحرك في مساحتها السياسة الإسرائيلية براحة تامة، بعدها وضعت حدا لإمكانية أن تشكل السلطة حالة انتقالية توصل إلى الدولة الفلسطينية المستقلة.

وبحسب اتفاق أوسلو، كان تاريخ 4/5/1999 نهاية المرحلة الانتقالية التي نص عليها الاتفاق. وكان واضحا أن إسرائيل ليست بمعرض الالتزام بإنهاء هذه المرحلة، مما وضع الفلسطينيين أمام خيار متاح ومفترض هو الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية ربطا بتنصل إسرائيل ووضع الراعي الأميركي أمام مسؤولياته المفترضة. والأهم من ذلك، إخراج القضية الفلسطينية من حيز التداول الضيق بين تل أبيب وواشنطن إلى ميدان الأمم المتحدة.

عندما لم يتم ذلك، واستمر الرهان على الدور الأميركي، بات معروفا وأكيدا بالنسبة لتل أبيب أن الوقت مفتوح أمامها كي تستمر في سياساتها المعهودة تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة وأهلها، طالما أن المعادلة التي أنشأها اتفاق أوسلو لا تزال قائمة؛ مع شطب بند الحل الدائم من التداول «الملح».

ضمن هذه المسارات لا تشكل السلطة الفلسطينية أي إزعاج. لكن الأمر يختلف عندما تدفع هذه السلطة باتجاه خيارات أخرى، كما حصل عند الإجماع الفلسطيني على الانفتاح على الأمم المتحدة ومؤسساتها. لأن ذلك يقلب المعادلة ويغير في المسار السابق.

هنا، تختلف النظرة الإسرائيلية إلى السلطة وباقي المؤسسات الفلسطينية وتصبح كيانات وهيئات معادية بل ومشجعة على التحريض.. والإرهاب.

هذه النظرة بدأت جديا منذ انتفاضة الاستقلال خريف العام 2000، وأسست لعدوان السور الواقي في العام 2002، ولا تزال تطبق حتى الآن مع كل بادرة فلسطينية تتجاوز القيود التي فرضها اتفاق أوسلو.

هذا دفع كثير من المحللين لأن يتساءلوا عن جدية التلويح بحل السلطة على لسان رئيسها وعدد من مسؤوليها . فحل السلطة يعني أن «قفة» المسؤوليات تجاه الفلسطينيين ستعود إلى الكتف الإسرائيلي، ويفتح ذلك على احتمالات كثيرة ومتشعبة، ويعيد العلاقة بين الاحتلال والشعب الفلسطيني إلى حيز الاحتكاك المباشر بكل ما يعني ذلك من استحقاقات؛ اقتصادية وسياسية وميدانية.

تقديرات كثير من المحللين تقول إن حل السلطة احتمال ضعيف لأسباب متعددة ومتكاملة، ويبدؤون بالقول إن قيادة السلطة بالذات لا ترغب بذلك. وإسرائيل أيضا للأسباب التي ذكرت سابقا. والمجتمع الدولي يعمل على بقائها وتسجيل تمويله لها في رصيد كل طرف منه عند الإدارة الأميركية.

لكن الواضح أن جميع الأطراف لا تتعامل مع السلطة كحالة مؤقتة وانتقالية باتجاه قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. لأن مثل هذا التعامل يفترض دعم السلطة وتقويتها وإعادة النظر في شروط الدول المانحة لاتجاهات انفاق المساعدات المالية التي تقدمها، لناحية فتح الطريق أمام مشاريع التنمية ودعم الاقتصاد وتحريره من القيود التي تمنع تطوره.

الأهم من ذلك، أن الدول المانحة تبقي السلطة الفلسطينية في حال من القلق المتواصل تجاه الموارد التي تتلقاها. وهي تقديمات يتأثر تسديدها بشروط سياسية معروفة أساسها الالتصاق بقواعد التسوية التي أنشأها اتفاق أوسلو.

تبدو السلطة الفلسطينية في حال شديد التعقيد، وستبقى كذلك طالما تتعامل هي مع الشأن العام الفلسطيني وكأنها سلطة حقيقية وتملك الصلاحية الحصرية لإدارة هذا الشأن. مع أن الأمر غير ذلك تماما.

سبل الخروج من هذا المأزق كانت ولا تزال قائمة. تبدأ بإدراك السلطة العملي بأنها جزء من الحالة الفلسطينية، وأنها وباقي المكونات محكومة بقرارات الاجتماع الوطني الصادرة عن المؤسسات الوطنية الائتلافية. وهذا الخيار يوفر لها أهم الدروع التي تحتاجها في مواجهة السياسات التي تسمرها في دائرة اللا فعل. وقد أثبتت التجربة صحة هذا الخيار ونجاعته. وإذا أراد المجتمع الدولي الاستقرار في الأراضي الفلسطينية المحتلة وعدم اتجاه التطورات باتجاهات لا يريدها، فإن الطريق إلى ذلك واضح، وقد صوتت الأمم المتحدة على قرار في العام 2012 يعترف بفلسطين دولة تحت الاحتلال بحدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس. هذا يعني وضع هذا القرار قيد التنفيذ بإشراف الأمم المتحدة وحضور قراراتها.

مراوحة السلطة في مكانها، لا تزيد من سلبيتها وضعفها في المعادلة القائمة وحسب، بل تؤثر سلبا على عموم الحالة الفلسطينية، وتزيد من تهميش القضية الفلسطينية في سلم الاهتمامات الإقليمية والدولية، خاصة في ظل التطورات العاصفة التي تشهدها المنطقة. بما يعني أن إعادة الاهتمام بهذه القضية تفترض أن يشعر العالم والإقليم أن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة على يد شبان الانتفاضة من شأنه أن يقلب الطاولة في وجه الجميع. وإن كان هذا الأمر لا يزال رهنا بالدعم الذي ننتظره من جميع مكونات الحالة الفلسطينية من غير استثناء للانتفاضة وشبابها ضمن برنامج موحد يفتح على تحقيق الأهداف الوطنية.

ما يجري هو صراع الإرادات السياسية.. وحتى اليوم لا تزال الإرادة السياسية الفلسطينية الموحدة في مقارعة الاحتلال بكل الوسائل.. غير جاهزة بعد.