لبنان تكبد خسائر بشرية ومادية تفوق خسائر إيران
بيروت – أظهرت بيانات وزارة الصحة اللبنانية أن عدد القتلى الذين سقطوا خلال الحرب بين حزب الله وإسرائيل بلغ ما لا يقل عن 3783 شخصاً، فيما أصيب 11699 آخرون خلال الفترة الممتدة من بداية الحرب وحتى 14 يونيو/حزيران، عشية الإعلان عن الاتفاق الأميركي الإيراني. ومن بين الضحايا 247 طفلاً و363 امرأة و133 من العاملين في القطاع الصحي، بينما لا تتضمن الإحصاءات الرسمية تمييزاً بين المدنيين والمقاتلين، في حين لم يعلن حزب الله حصيلة خسائره البشرية.
وبذلك يكون لبنان قد سجل أكبر حصيلة خسائر بشرية بين ساحات المواجهة المرتبطة بالحرب التي اندلعت عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران قبل أكثر من ثلاثة أشهر، في وقت تترقب فيه المنطقة تداعيات الاتفاق الذي أُعلن بين واشنطن وطهران باعتباره محطة قد تفتح الباب أمام تهدئة أوسع للصراعات المتفرعة عن النزاع.
وامتدت المواجهة إلى الساحة اللبنانية في الثاني من مارس/آذار الماضي، عندما دخل حزب الله على خط الصراع عبر إطلاق هجمات باتجاه إسرائيل دعماً لإيران، ما استدعى رداً إسرائيلياً واسع النطاق شمل غارات جوية وعمليات برية استهدفت مناطق متعددة من البلاد، خصوصاً في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت.
وتشير هذه الأرقام إلى أن لبنان تكبد خسائر بشرية تفوق تلك المسجلة داخل إيران نفسها خلال الحرب، إذ بلغ عدد القتلى الإيرانيين حتى أواخر أبريل/نيسان نحو 3468 شخصاً. كما تجاوزت حصيلة القتلى في الحرب الأخيرة الأرقام المسجلة خلال المواجهة السابقة بين إسرائيل وحزب الله بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ونوفمبر/تشرين الثاني 2024، والتي أسفرت عن مقتل 3768 شخصاً.
وفي المقابل، أظهرت بيانات مستندة إلى إحصاءات الجيش الإسرائيلي مقتل ما لا يقل عن 28 جندياً إسرائيلياً داخل الأراضي اللبنانية خلال العمليات الأخيرة، إضافة إلى أربعة مدنيين جراء هجمات حزب الله، وهي أرقام تقل عن خسائر إسرائيل البشرية في الحرب السابقة التي شهدت مقتل 73 جندياً و45 مدنياً.
ولم تقتصر تداعيات الحرب على الخسائر البشرية، بل خلفت دماراً واسعاً في البنية التحتية والممتلكات السكنية. وتعرضت مناطق واسعة في جنوب لبنان لغارات مكثفة أدت إلى تدمير أحياء وقرى كاملة، فيما طالت الأضرار أيضاً العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية. كما تضررت منشآت حيوية شملت مستشفيات ومحطات لتوليد الكهرباء ومرافق لضخ المياه.
ووفق أحدث بيانات المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان، فقد تعرض أكثر من 68 ألف وحدة سكنية للضرر أو الدمار خلال الفترة الممتدة حتى منتصف مايو/أيار. وتركزت نحو 30 ألف وحدة متضررة في المحافظات الجنوبية الثلاث، بينما سُجل تضرر أكثر من ثمانية آلاف وحدة في بيروت وضاحيتها الجنوبية. وقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي قيمة الأضرار في بيروت وضاحيتها الجنوبية وحدها بنحو 365 مليون دولار.
كما أثارت العمليات العسكرية الإسرائيلية انتقادات دولية متزايدة، لا سيما مع اتساع نطاق الدمار في المناطق السكنية. وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب حجم التدمير الذي طال المباني المدنية، معتبراً أن استهداف أشخاص بعينهم لا يبرر هدم مبانٍ مأهولة بالكامل وما يترتب على ذلك من سقوط ضحايا بين المدنيين.
وأدت الحرب كذلك إلى موجة نزوح واسعة وصفت بأنها من الأكبر في تاريخ لبنان الحديث. وتشير تقديرات السلطات اللبنانية إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص نتيجة الغارات الجوية وأوامر الإخلاء التي شملت مناطق مختلفة من البلاد. وكان من بين النازحين مئات الآلاف من سكان الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن طلب الجيش الإسرائيلي إخلاء المنطقة بشكل كامل للمرة الأولى منذ اندلاع المواجهة.
ورغم إعلان الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، لا يزال عدد كبير من النازحين بعيدين عن منازلهم، إما بسبب تدمير مساكنهم أو نتيجة المخاوف من احتمال انهيار التهدئة وعودة العمليات العسكرية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تواجه البلاد تحديات إضافية تزيد من تعقيد أزمتها الممتدة منذ سنوات، فالحرب الجديدة جاءت في وقت كان لبنان يحاول فيه التعافي من تداعيات الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، ومن آثار انفجار مرفأ بيروت عام 2020، إضافة إلى الخسائر الناجمة عن حرب 2023-2024.
وتحذر التقديرات الرسمية من أن الحرب قد تدفع الاقتصاد اللبناني إلى الانكماش بنسبة لا تقل عن 7 بالمئة خلال العام الجاري، بينما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن حرب 2024 وحدها كبدت لبنان خسائر وأضراراً لا تقل عن 8.5 مليارات دولار، وأسهمت في تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 7.1 بالمئة، ليصل الانخفاض التراكمي في الاقتصاد اللبناني إلى نحو 40 بالمئة منذ عام 2019.
وتعكس هذه المؤشرات حجم الأعباء التي خلفتها الحرب الأخيرة على لبنان، ليس فقط من حيث الخسائر البشرية والدمار المادي، وإنما أيضاً على مستوى الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. وبينما يفتح الاتفاق الأميركي الإيراني نافذة محتملة للتهدئة، فإن قدرة لبنان على الاستفادة من أي استقرار إقليمي ستظل مرتبطة بسرعة تثبيت وقف العمليات العسكرية، وإطلاق برامج إعادة الإعمار، وتأمين الدعم الدولي اللازم لمعالجة آثار النزوح وإعادة تحريك الاقتصاد.
وفي حال صمدت التفاهمات السياسية والأمنية الحالية، فقد يشكل ذلك فرصة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات متواصلة من الأزمات، أما إذا تعثرت الترتيبات الجديدة، فإن البلاد قد تواجه جولة أخرى من التوتر ستكون كلفتها أعلى على المستويات كافة.