لبنان... هل بدأ قرن الأوهام يقترب من نهايته
في مسرحيته الشهيرة "مريض الوهم"، رسم الكاتب الفرنسي موليير شخصية "أرغان"، الرجل الذي أقنع نفسه بأنه مريض بصورة دائمة، فصار أسيرًا لخوفه من المرض أكثر مما كان أسيرًا لأي علّة حقيقية. كان يبتلع وصفات الأطباء بلا تفكير، ويصدق كل من يزعم امتلاك العلاج، حتى تحولت حياته إلى سلسلة متصلة من الأوهام التي صنعت واقعها الخاص.
ولعل في تاريخ لبنان الحديث ما يدعو إلى استعادة هذه الشخصية بعد أكثر من ثلاثة قرون على ظهورها فوق خشبة المسرح. فإذا كان "أرغان" قد عاش أسير وهم المرض، فإنّ لبنان بدا في كثير من محطاته أسير وهم آخر: الاعتقاد الدائم بأنّ خلاصه يأتي من الخارج، وأنّ مشكلاته لا يمكن أن تجد حلولها إلا على أيدي الآخرين.
وربما لا تكمن مأساة هذا الوهم في كونه تكرر مرة أو مرتين، بل في أنه رافق البلاد منذ ولادتها الحديثة تقريبًا، متنقلًا من جيل إلى جيل، ومن مشروع إلى مشروع، ومن وصاية إلى أخرى.
أوهام التأسيس
حين أعلن الجنرال الفرنسي هنري غورو قيام "دولة لبنان الكبير" عام 1920، لم يكن اللبنانيون متفقين أصلًا على فكرة الدولة الجديدة. ففي أوساطٍ مسيحية واسعة آنذاك، وُجد من رأى في فرنسا الضامن الأبدي لوجود الكيان الوليد. وفي أوساطٍ إسلامية عديدة، وُجد من تعامل مع لبنان بوصفه كيانًا مؤقتًا فرضته ظروف الانتداب أكثر مما عبّر عن إرادة وطنية جامعة. ولم يكن الجدل حول حدود الدولة أو طبيعة هويتها أو علاقتها بمحيطها مجرد خلاف سياسي عابر، بل كان تعبيرًا مبكرًا عن أزمةٍ أعمق: أزمة الثقة بالدولة نفسها، وخصوصًا في أوساط "المُدرجين الجدد" في عِداد أبنائها من المسيحيين والمسلمين على السواء.
من هنا، يمكن فهم بعض الوقائع التاريخية التي ما زالت تثير الجدل حتى اليوم، سواء تلك المرتبطة بمواقف شخصياتٍ لبنانية بارزة من المشروع الصهيوني في بدايات القرن العشرين، أو تلك المتعلقة بتحفظ شخصياتٍ إسلامية وازنة على صيغة لبنان الكبير نفسها، لا سيما أنّ الطوائف المختلفة كانت تبحث عن ضماناتها خارج الدولة قبل أن تبحث عنها داخلها، بما يوحي بأنّ الخارج كان يبدو أكثر موثوقية من الداخل.
جمهورية تبحث عن نفسها
نجح لبنان بعد الاستقلال عام 1943 في تحقيق ما يشبه المعجزة السياسية والاقتصادية. فخلال العقدين اللذين أعقبا الحرب العالمية الثانية، تحولت بيروت إلى مركزٍ مالي وثقافي وإعلامي بارز في الشرق الأوسط، حتى استحقت ألقابًا من قبيل "سويسرا الشرق" و"باريس الشرق".
لكن تحت هذا الازدهار كانت المشكلة الأساسية لا تزال قائمة. فالدولة التي بدت ناجحة اقتصاديًا لم تتمكن من بناء هوية وطنية متماسكة تتجاوز الانتماءات الأولية، لا سيما أنّ المرحلة الممتدة بين زمن "الميثاقية الوطنية" وزمن "الديمقراطية التوافقية" كانت تحقق الاستقرار أحيانًا، لكنها كانت تؤجل الأسئلة الكبرى أكثر مما تجيب عنها. وكان نظام "المحاصصة الطائفية" يخفف التوترات حينًا، لكنه يحول دون نشوء دولة مواطنة حقيقية في أحيان كثيرة... وهكذا استمرت الجمهورية في التعايش مع تناقضاتها بدل حلها.
أوهام جديدة بأسماء مختلفة
لم يلبث لبنان أن انتقل من وهمٍ إلى آخر. ففي الستينيات والسبعينيات، اعتقد كثيرون أنّ الثورة الفلسطينية قادرة على إعادة رسم مستقبل المنطقة انطلاقًا من بيروت. وفي مراحل لاحقة، ظن آخرون أنّ الوصاية السورية توفر الضمانة الضرورية للاستقرار. ثم جاء المشروع الإيراني عبر حزب الله ليقدم نفسه باعتباره الصيغة النهائية لحماية لبنان وردع إسرائيل.
لكن النتيجة كانت واحدة تقريبًا في كل مرة. فكل قوةٍ خارجية دخلت لبنان بوصفها علاجًا لمشكلاته انتهت، بصورة أو بأخرى، إلى التحول إلى جزء من تلك المشكلات. وكل مشروعٍ قيل إنه سيؤسس للدولة انتهى إلى إضعافها أو تأجيل قيامها... وكأنّ لبنان كان يعيد إنتاج مشهد "أرغان" مع كل جيل جديد: يغيّر الطبيب، لكنه لا يشكّك في التشخيص.
وهم المقاومة
يصعب فهم المرحلة اللبنانية الراهنة من دون التوقف عند التجربة التي مثّلها حزب الله خلال العقود الماضية. فالحزب نجح في بناء شرعية واسعة استندت إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وإلى سردية قومية ودينية اكتسبت حضورًا قويًا داخل بيئته الحاضنة وخارجها.
غير أنّ المشكلة بدأت حين تحولت المقاومة من وظيفةٍ محددة إلى منظومة سياسية وأمنية وعسكرية موازية للدولة. وعندها لم يعد السؤال متعلقًا بجدوى المقاومة نفسها، بل بحدودها: هل يمكن لدولةٍ أن تقوم بوجود مركزين للقرار؟ هل يمكن أن تُدار قضايا الحرب والسلم من داخل المؤسسات الرسمية ومن خارجها في آن واحد؟ وهل تستطيع أي جمهوريةٍ أن تبقى مستقرة إذا كانت سيادتها موزعة بين سلطات متعددة؟
لقد جاءت "حروب الإسناد" الأخيرة بين غزة وطهران وما رافقها من أثمانٍ بشرية واقتصادية وسياسية لتعيد طرح هذه الأسئلة بقوةٍ غير مسبوقةٍ علّها تقدّم الإجابات الشافية التي لم تتضح معالمها النهائية، بصورةٍ شفافة، لغاية يومنا الراهن.
لحظة المرآة
ربما تكون أهمية المرحلة الحالية في السياق الشرق أوسطي العام أنها تضع اللبنانيين أمام المرآة للمرة الأولى منذ سنوات طويلة. فالنقاش الدائر اليوم لا يتعلق فقط بالسلاح أو بالمفاوضات أو بالحدود الجنوبية. إنه نقاش حول معنى الدولة نفسها. وحول ما إذا كان اللبنانيون مستعدين أخيرًا للانتقال من منطق الاستقواء بالخارج إلى منطق الثقة بالمؤسسات الوطنية.
صحيحٌ أنه من المبكر الجزم بأنّ العهد الجديد سينجح في هذه المهمة. فالطريق ما زال طويلًا، والعقبات الداخلية والخارجية كثيرة، والتوازنات اللبنانية أكثر تعقيدًا من أن تتغير بقرار أو خطاب أو انتخابات. لكن مجرد عودة فكرة الدولة إلى صدارة النقاش الوطني بعد سنوات طويلة من التهميش يشكّل تحولًا لافتًا بحد ذاته.
نهاية الوهم أم بدايته الأخيرة؟
في نهاية مسرحية موليير، لم يُشفَ "أرغان" لأنه وجد طبيبًا أفضل. بل لأنه بدأ يشكّ في الأوهام التي حكمت حياته. ولعل السؤال نفسه يواجه لبنان اليوم. فبعد أكثر من قرنٍ على ولادته الحديثة، وبعد عقودٍ من الرهانات المتتالية على الخارج، وعلى الطوائف، وعلى المحاور، وعلى الأيديولوجيات، يقف البلد أمام فرصة نادرة لإعادة اكتشاف نفسه: ليس بوصفه ساحة لصراعات الآخرين، ولا بوصفه مشروعًا مؤقتًا ينتظر وصيًا جديدًا، بل بوصفه دولة طبيعية تسعى إلى حماية مواطنيها وإدارة شؤونهم ضمن مؤسساتها الشرعية.
قد يكون من المبكر إعلان شفاء "مريض الوهم" اللبناني. لكن ما يبدو أكيدًا أنّ اللبنانيين بدأوا أخيرًا يتساءلون عمّا إذا كان المرض الحقيقي يكمن في الأوهام التي عاشوا داخلها طوال قرن كامل... وربما يكون هذا السؤال، بحد ذاته، بداية العلاج.