لبنان وصندوق النقد الدولي

ثمة اتفاق ضمني بين شرائح من الشعب اللبناني وصندوق النقد على أن حال لبنان لا يمكن ان يستمر على ما هو عليه.


لبنان لا يتفاوض مع صندوق النقد بل هو مجبر على تنفيذ اجندة محددة


بدء رحلة طويلة من نوع جديد مع سلوكيات ونهج حكم جديدين


لبنان متروك لقدره بمواجهة صندوق يعتبر البعض عمله حقا يراد به باطل

عندما يتجاوز حجم الديون في بلد كلبنان 90 مليار دولار أي اكثر من 150% من الناتج المحلي الإجمالي، يعني ان اقتصاد الدولة وماليتها في خطر شديدين، وبالتالي هي قاب قوسين او ادنى للانهيار، وهذا ما بدأت مؤشراته تظهر بشكل مريب ومتسارع وسط خلاف عامودي حول سبل المواجهة وم بين ذلك اللجوء للاقتراض من المؤسسات المالية الدولية ومن بينها صندوق النقد الدولي.

لبنان اليوم الذي لا يملك خيارات قابلة للتنفيذ، يلجأ الى الصندوق بمفاوضات شاقة تردد كثيرا في اللجوء اليها، نتيجة عدم الاجماع عليها بالنظر لطبيعة وخصوصية الشروط التي ينبغي على لبنان الالتزام بها، ومن بينها إجراءات قاسية تطال شرائح اجتماعية متواضعة الدخل، علاوة على شروط قاسية تطال بنية النظام لجهة إجراءات إصلاحية تضبط الوضعين الاقتصادي والمالي بهدف ترشيد الانفاق وهو امر مطلوب في ظل موازنات فضفاضة فيها الكثير من الهدران لم نسمها سرقات وسمسرات وصرف نفوذ وغيرها من السلوكيات السياسية والمالية التي تثير الريبة للكثيرين من متتبعي الشأن العام.

لجوء لبنان الى صندوق النقد الدولي للاستدانة هو من الخيارات المرة بالنظر للشروط التي يفرضها مسبقا. وبطبيعة الحال ان مصطلح المفاوضة لا أساس له، فلبنان في هذه الحال مجبر على تنفيذ اجندة محددة سيدخل فيها وليس له قدرات عملية على التأثير في كثير من خصوصياتها الدقيقة. ثمة إجراءات محددة على لبنان القيام بها. أولا، التوصل الى نظام حكم شفاف يتجاوز الفساد الذي أدى الى هذا المستوى من التردي والانهيار القائم وهو الشرط الأول الذي يضعه الصندوق، وهو من الناحية العملية امر ضروري العمل به ومطلب محق لشرائح واسعة من الشعب اللبناني. وثانيا، التعاطي بجدية من قبل السلطة مع ما يمكن التوصل اليه من مدونات عمل تنفيذية، أي بمعنى اظهار سلوكيات ذات صدقية عبر آليات تنفيذية محددة. كما ينبغي اللجوء الى التخلي عن تسعيرة محددة لليرة اللبنانية مقابل الدولار وترك سعر الصرف للعرض والطلب وفقا لقوانين السوق، وسط انهيار غير مسبوق لسعر صرف الليرة اللبنانية امام الدولار والذي لامس 4500 ليرة لبنانية، إضافة الى فرض ضرائب جديدة ورفع الدعم عن السلع والخدمات ذات الطابع الشعبي كالكهرباء ودعم الطحين والوقود وغيرها وهي إجراءات غير شعبية تعتبر قاسية لم تتمكن الحكومات اللبنانية المتعاقبة القيام بها. اضافة الى ذلك وجوب اصلاح النظم التعليمية وبعض الجوانب الاجتماعية؛ وصولا الى سياسات محددة تتعلق بترشيد القطاع العام لجهة إصلاحات تطال نظم التوظيف وإعادة النظر بنظامي التقاعد والصحي وبكل ما له علاقة بنفقات يمكن ان تترتب على خزينة الدولة، إضافة الى اطلاق نظام الخصخصة في القطاعات العامة وبخاصة في الاتصالات والكهرباء وفي المرافق التي تشكل نزفا لموارد الدولة ومؤسساتها.

في المحصلة، ثمة شروط قاسية على لبنان اتباعها، وفي معظمها مطالب إصلاحية تلقى موافقة شرائح اجتماعية واسعة في الداخل. لكن المشكلة ليست هنا، بقدر ما هي سياسات السلطة التي فاقمت الأزمة وأدت الى ما أدت اليه من انهيارات متتالية في مجمل القطاعات الأساسية للدولة. فلبنان اليوم يبدأ رحلة طويلة من نوع جديد مع سلوكيات ونهج حكم جديدين اقله كونه مراقبا في كثير من الجوانب المرتبطة بالإقراض وكيفية الصرف وطرق التعاطي مع المؤسسات المالية الدولية التي تراقب بحزم وتضع جداول محددة من الصعب خرقها وتجاوزها.

ثمة ما يخيف بعض اللبنانيين من اللجوء الى صندوق النقد الدولي لجهة الاشراف المباشر الذي يعمد اليه في معرض المراقبة والمتابعة، وهو امر صحيح، والتخوف هنا متعلق بالسياسات غير الشعبية التي ستطال فئات واسعة من اللبنانيين، وستجعلها تحت ضغط اقتصادي اجتماعي ربما غير مسبوق، وسط ارتفاع جنوني لأسعار المواد الاستهلاكية الأساسية وانتشار البطالة التي وصلت الى الستين بالمئة، ووصول غالبية اللبنانيين الى خط الفقر؛ كل ذلك وسط وباء قاتل، وانشغال العالم بمشاكله الامر الذي يبقي لبنان بعيدا عن أي مساعدة، وبالتالي تركه لقدره بمواجهة صندوق يعتبر البعض عمله، فيه الكثير من الحق الذي يراد به باطلا.