لبنان يقفز من التعطيل السياسي إلى الضبابية الاقتصادية

المساران السياسي والاقتصادي يصطدمان بواقع هيمنة حزب الله وحلفائه على الحكومة الجديدة، ما يعقد مهمة الحريري ويدفع الحصول على قروض ومنح دولية وُعد بها لبنان إلى مربع الريبة.


هيمنة حزب الله على حكومة الحريري تعمق جراح الاقتصاد المتعثر


حكومة لبنان الجديدة تواجه تحديا كبيرا في التصحيح المالي


اقتصاد لبنان يئن تحت أعباء الدين وضعف النمو وفساد ينخر المؤسسات


الحريري أمام اختبار إنقاذ الاقتصاد من الانهيار

لندن/بيروت - اجتاز رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري عقدة تشكيل الحكومة بعد أشهر صعبة من المشاورات، ليجد نفسه أمام مأزق أكبر وهو إنقاذ الاقتصاد من الانهيار وتصحيح الخلل المالي.

ويعتبر تشكيل الحكومة خطوة أولى في مشوار طويل لوضع لبنان على سكة التوافق من جهة ولدفع الاقتصاد للخروج من عنق الزجاجة.

لكن المسارين السياسي والاقتصادي يصطدمان بواقع هيمنة حزب الله وحلفائه على الحكومة الجديدة، ما يعقد مهمة الحرير ويدفع الحصول على قروض ومنح دولية وُعد بها لبنان إلى مربع الريبة.

وفرضت الولايات المتحدة على حزب الله الذي فاز وحلفاؤه بالأغلبية البرلمانية في مايو/ايار 2018، عقوبات من شأنها أن تؤثر على قروض ومنح دولية للبنان صاحب أعلى معدل دين في العالم.

وليس واضحا إلى حدّ الآن ما إذا كانت الوزارات التي حصل عليها حزب الله وحلفاؤه ستتلقى تمويلات خارجية ومخصصات من موازنة الدولة أم أنها ستكون عرضة للعقوبات الأميركية.

وتجمع كل المؤشرات على أن الحكومة الجديدة ستواجه وضعا صعبا رغم تلقي لبنان وعودا بمليارات الدولار لتنشيط الاقتصاد المتعثر.

وثمة معضلات أخرى يترقب اللبنانيون حلّها في أسرع وقت ممكن تتصدرها انقطاعات الكهرباء الوضع البيئي والتنمية وخفض معدل البطالة.

وقالت وكالة موديز للتصنيف الائتماني اليوم الجمعة، إن الحكومة اللبنانية الجديدة ستواجه "تحديا كبيرا" في ما يتعلق بخفض مستويات الدين.

وشكل لبنان حكومة وحدة جديدة يوم الخميس منهيا تسعة أشهر من الخلافات، إلا أن التشكيلة الوزارية أظهرت هيمنة واضحة للرئيس اللبناني ميشال عون وتياره وحليفه حزب الله المدعوم من إيران.

وقال رئيس الوزراء سعد الحريري إن هناك حاجة إلى إصلاحات جريئة بدون تأخير لمعالجة المشكلات المزمنة التي تواجه الدولة المثقلة بشدة بالديون، لكن الحريري ذاته لا يملك سلطة قرار واسعة لحل الأزمة الاقتصادية مع هيمنة حزب الله وتيار عون على الحكومة.

كما لا يملك الحريري حلولا سحرية لإخراج الاقتصاد اللبناني الذي يعتمد أساسا على تدفق الأموال من الخارج ويعتبر اقتصادا استهلاكيا لا منتجا.

وقالت إليسا باريزي كابون المحللة لدى موديز في مذكرة "نتوقع أن تطبق الحكومة اللبنانية الجديدة بعض إجراءات التصحيح المالي بهدف إطلاق حزمة استثمارية قيمتها 11 مليار دولار أجلها خمس سنوات تعهد بها مانحون دوليون خلال المؤتمر الاقتصادي للتنمية من خلال الإصلاحات ومع الشركات (سيدر) الذي عُقد في باريس خلال نيسان أبريل 2018".

وأضافت "لكن، في ظل الضعف الشديد للنمو، فإن التصحيح المالي سيظل تحديا كبيرا للحكومة".

وقالت "طالما ظل نمو الودائع ضعيفا، ربما بسبب استمرار الضبابية بشأن قدرة الحكومة على تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي، فإن الوضع المالي والمركز الخارجي للبنان سيظل من بين الأضعف في الدول التي نصنفها".

اللبنانيون احتكوما للشارع مرارا احتجاجات على أزمات متفاقمة
معضلات الكهرباء والقمامة وانسداد الأفق الاقتصادي دفعت اللبنانيين مرارا للاحتكام للشارع

وبحسب تصنيف وكالة موديز فإن لبنان يواجه مخاطر كبيرة في ما يخص الديون.

وشددت الصحف المحلية الصادرة الجمعة على حجم التحديات التي تنتظر الحكومة الجديدة التي أعلنت مساء الخميس بعد أكثر من ثمانية أشهر من استشارات صعبة، معتبرة أنه لا يزال يتوجب القيام بالمزيد من العمل.

وصدر مرسوم تشكيل الحكومة برئاسة رئيس الوزراء سعد الحريري والمؤلفة من 30 وزيرا يمثلون مختلف القوى السياسية الكبرى، بينهم أربع نساء في سابقة هي الأولى من نوعها، بعد خلافات على تقاسم الحصص وخشية من تدهور الأوضاع الاقتصادية.

وكتبت صحيفة "لوريان لوجور" الناطقة باللغة الفرنسية تحت عنوان "لا يزال يجب القيام بالعمل الأصعب"، مضيفة أن "المهمة التي تشكل أولوية" للحكومة الجديدة هي "تجنيب البلاد الانهيار الاقتصادي".

لكن الصحيفة حذرت من أنه "رغم أنه تم اجتياز الخطوة الأولى مع تشكيل الحكومة، فمن غير المؤكد أن يكون عمل الحكومة الجديدة- وهي نسخة معدلة ومصححة عن الحكومة المنتهية ولايتها التي شابتها الانقسامات- أفضل من السابقة".

وتصدر صحيفة الأخبار عنوان "لا ثقة!"، مشددة على حجم "الأزمات الاقتصادية والمعيشية والفساد الناخر في جسد ما بقي من الدولة والمجاري التي تنفجر مع كلّ عاصفة والطرقات التي تختنق من زحمة العابرين إلى المستقبل المجهول والمدن والبلدات والطرقات المعتمة والغلاء المعيشي والفقر والبطالة وفوقها أزمات النازحين وحروب العشائر".

ويفتح تشكيل الحكومة الطريق أمام لبنان للحصول على منح وقروض بمليارات الدولارات تعهد بها المجتمع الدولي دعما لاقتصاده المتهالك في مؤتمرات أبرزها مؤتمر سيدر في باريس في أبريل/نيسان 2018.

وأكد الحريري الخميس أن "التمويل لا يمكن أن يتم من دون إصلاحات جدية" مشيرا إلى "تلازم بين التزامات المجتمع الدولي والإخوة العرب بالتمويل والتزام الدولة بالإصلاحات والتنفيذ الشفاف للأعمال".

مانحون دوليون تعهدوا في مؤتمر سيدر باستثمار مشروطة في البنية التحتية الضعيفة للبنان
مانحون دوليون تعهدوا في مؤتمر سيدر باستثمار مشروطة في البنية التحتية الضعيفة للبنان

وربطت معظم الجهات الدولية والمانحة مساعداتها بتحقيق لبنان سلسلة إصلاحات بنيوية واقتصادية وتحسين معدل النمو الذي سجل واحدا بالمئة خلال السنوات الثلاث الماضية مقابل 1.9 بالمئة في السنوات الثلاث التي سبقت اندلاع النزاع في سوريا العام 2011.

وكتبت صحيفة النهار عن "أجواء ارتياح" مع إعلان تشكيل الحكومية "مع أن شكوكا كبيرا لا تزال ماثلة في إمكان إقلاع الحكومة بسرعة نحو الاتجاهات الإصلاحية الجدية التي من شأنها طمأنة المجتمع الدولي والرأي العام الداخلي".

وقال البنك الدولي ومسؤولون بالأمم المتحدة اليوم الجمعة إنه يجب على الحكومة اللبنانية الجديدة أن تعطي أولوية لإصلاح قطاع الكهرباء بعد أن قضت أشهرا في خلافات بشأن تشكيل مجلس الوزراء وأن تسعى إلى معالجة الانقطاعات اليومية للتيار الكهربائي وما تتحمله الدولة من تكاليف ضخمة.

وتعهد مانحون دوليون باستثمار مليارات الدولارات في البنية التحتية الضعيفة للبنان للمساعدة في تحريك الاقتصاد، لكنهم لن يفرجوا عن معظم الأموال بدون اتخاذ خطوات لكبح العجز.

وقال فيليب لازاريني المنسق المقيم للأمم المتحدة في لبنان إنه يجب على حكومة الحريري أن تعطي أولوية للإصلاحات التي وعد بها لبنان في مؤتمر باريس العام الماضي حين قدم المانحون تعهدات بالدعم.

وأضاف قائلا "إحراز تقدم في مكافحة الفساد وإصلاح قطاع الكهرباء سيكونان ضروريان لاستعادة الثقة وإعادة تنشيط الاقتصاد وتعزيز النمو والاستقرار والتوظيف في اِلأجل الطويل".

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الخميس إن فرنسا "سترافق لبنان على مسار الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية" وخصوصا من خلال تنفيذ برنامج الاستثمار الذي جرى الاتفاق عليه في مؤتمر باريس.

وقال ساروج كومار جا المدير الإقليمي المعني بلبنان والعراق وسوريا والأردن وإيران في البنك الدولي إن الكهرباء "هي المجال الذي نريد التحرك فيه سريعا جدا" مع جلب البنك لتمويل بشروط ميسرة للمساعدة في الإصلاحات.

وتستخدم محطات الكهرباء اللبنانية وقودا ثقيلا مرتفع التكلفة وليس بمقدور مرفق كهرباء لبنان المملوك للدولة أن يوفر الكهرباء على مدار الأربع والعشرين ساعة وهو ما يدفع المستهلكين للاعتماد على مولدات خاصة مكلفة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2018، اضطر البرلمان إلى الموافقة على إنفاق إضافي في الميزانية يزيد عن 400 مليون دولار على الوقود لتفادي انقطاعات الكهرباء وهو ما يزيد الدين اللبناني المتنامي.

وقال كومار جا، إن مشكلات القطاع أبعدت المستثمرين وتسببت في "ضغط مالي هائل على الحكومة" التي تضخ مبالغ كبيرة في دعم الكهرباء التي توفرها الدولة.

وأضاف "سأوصي بقوة بأن يمنحوا أولوية للاهتمام بقطاع الطاقة"، قائلا إنه يعتقد أن هناك تفاهما في هذا الشأن داخل الائتلاف الحكومي الجديد.

لكن جيسون توفي كبير محللي الأسواق الناشئة لدى كابيتال ماركتس ومقرها لندن قال إنه متشكك في أن الحكومة الجديدة قد توافق على إصلاحات كبيرة لإطلاق الدعم المتعهد به.

وأضاف "من غير الواضح ما إذا كان بمقدورهم فعليا الاتفاق على هذه الإجراءات، لذا سيظل هناك بعض الدعم المقيد".

ويريد كومار جا أن يمضي لبنان قدما في خطة تحويل مرفق كهرباء لبنان إلى شركة وأن يخفض الدعم الحكومي للكهرباء، وهو ما يوفر شبكة أمان للمستهلكين الأكثر فقرا.

وتحتاج الحكومة أيضا إلى ضمان قدرتها على اجتذاب المستثمرين لعملية التحول من الوقود الثقيل إلى الغاز الأرخص سعرا والعمل على نقله وتوزيعه وهي مهمة مرهقة.

ويأمل لبنان في تطوير احتياطياته الخاصة من الغاز ويقوم بعمليات استكشاف بحرية، لكنه يرغب في غضون ذلك في استخدام الغاز الطبيعي المسال المستورد لتغذية محطات جديدة للكهرباء وطرح عطاء بشأن منشآت استيراد مؤقتة.

وفي مؤتمر باريس الاستثماري، طرحت حكومة الحريري السابقة مشروعين مستقلين للكهرباء، تبلغ الطاقة الإنتاجية لكل منهما ما يتراوح بين 500 إلى 600 ميغاوات ويحتاجا إلى استثمار بنحو 600 مليون دولار.