لعبة العنوان الطيبة لعبة العنوان الشريرة

اللعبة هي خلق روح سارية تجمع بين هذه الوحدات المستقلة، ولكن بحذر لا يجرح حقها في الانطلاق بحرية.


متى يُكتب العنوان؟ قبل البداية أم بعد أن ينتهي الكتاب أم يبزغ فجأة أثناء الكتابة؟


الفرق بين التناص والتلاص حالة من الهَيَمَان الإبداعي يعميك ويأسرك

(1)
عندما كنت تلميذاً سألت أستاذي الملتحي عن كلمة حصان. كنت أريد أن أسأل عن علاقة حروف كلمة حصان بهذا الكائن بالذات، ولكني لم أستطع التعبير، فرد علي بأن لكل مخلوق نصيبا من اسمه حيث إن الأسماء هبة من الله تهبط من فوق سبع سماوات. 
ومرت السنين وأنا أعتبر الاسم شيئا خطيرا، هو عنوان الكائنات وهويتها ونافذتي للنفاذ إليها. وبما أني كنت منطوياً لفترات طويلة من حياتي، كنت أقضي أوقاتاً أكثر من أترابي في مشاهدة التليفزيون والقراءة فكانت مناسبة اسم، أو بالأحرى عنوان العمل الفني أو الكتاب، لموضوعه وقصته ورسالته، أمر أساسي وثابت بالنسبة لي، فكنت أكتب هوامش على أغلفة الكتب الداخلية تبدأ دائماً بسؤال توفيق الكاتب أو عدم توفيقه في اختيار العنوان. 
ونتيجة طبيعية للوحدة والعزلة، بدأت في محاولة التواصل الافتراضي مع الناس البعيدة هناك أو حتى ظلالهم وأشباحهم، بدأت بالرسم وهجرته سريعاً، ثم دخلت عالم الكتابة وهو الذي استمر معي وتسبب، ربما، في غالبية علاقاتي الواقعية بالبشر، عن طريق الندوات والمؤتمرات، وما سوى ذلك من أنشطة وعلاقات من لحم ودم تخلقت عن طريقه مع السنين. 
إلى أن قررت إصدار ديواني الأول، وكنت في هذه المرحلة مصراً على إشراك القارئ معي في إجهادي العصبي ليجهد ويقترح كي يصل لإنتاج دلالة للعمل الفني تخصه هو، بطريقة ربما كانت عنيفة قليلاً فقسمت كل قصيدة لعدة وحدات بنائية: عنوان القصيدة، ويحتفظ باستقلالية وتوازٍ وحوار مع القصيدة المكونة من هامش تمهيدي وهو قصيدة مستقلة ثم متن القصيدة نفسها ثم هامش أخير وهو قصيدة أيضاً منفصلة متصلة! 

 دائماً ما أفتن بعناوين قديمة أو جديدة وأقرأها ببطءٍ كأنني أستطعمها مثلما أهيم بجملة شعرية أو مقطعٍ في عمل سردي أو فيلم أو بنظرةٍ غائمةٍ في لوحة

وكانت اللعبة هي خلق روح سارية تجمع بين هذه الوحدات المستقلة، ولكن بحذر لا يجرح حقها في الانطلاق بحرية. لهذا كان العنوان العام للكتاب متسقاً مع "الروح" المجهدة بين القصائد وأجزائها، كان: "بورتريه أخير لكونشرتو العتمة"، وكأن صفة "أخير" بعد "بورتريه"، تشير لمحاولات عديدة مضنية سابقة للإمساك بملامح بصوت وموسيقى الظلام المكتنز بالأشباح والأفكار والأحلام والصور. 
كان العنوان والديوان معاً، ورغم الألعاب الفنية، بمثابة سيرة متسعة للظلام وآلاؤه، وكان كذلك عنوان ذهني لفكرة صارت طموحاً دائماً أو تحديا مستمرا، وهي فكرة أن يكون الديوان موضوعاً واحداً وحياة واحدة وروحاً حية ونفثة واحدة متعددة التجليات لنار مترامية أو بحرٍ متسع أو بالأحرى سؤال كبير في الروح. ثم كان ديواني الثاني وعنوانه "هواء جاف يجرح الملامح" وهو عنوان يعبر عن روح الديوان كما يتناسب بالضبط مع حياتي، تلك التي عبر ديواني الأول عن العزلة التامة فيها ثم هذا الديوان الثاني عن محاولات الخروج للعالم والخطوات الحذرة. لكن ديواني الثالث "غاية النشوة" خالف الأمر، حيث عبر عن حالته العامة وعن إحساسي الشخصي أن غاية كل طريق هي الوهم وعدم اليقين: عنوان قصيدة من قصائده، وهو ما اعتبرته صدفة طيبة استجبت لها ببساطة.
بعدها غلبت تجربة الموت بكل طبقاته على تفكيري لفترة مرعبة فكان ديواني الرابع "بهجة الاحتضار" وهو عنوان يعبر عن حالات الموت المتعددة والمختلفة والمتباينة في الديوان. وهكذا سار الأمر مع دواويني التالية، واختار كل ديوان منها عنواناً يتحاور معه وقت الرضا أو يلعب معه وقت الجنون أو يحتويه وقت الموت المتكرر.
(2)  
متى يُكتب العنوان؟ قبل البداية أم بعد أن ينتهي الكتاب أم يبزغ فجأة أثناء الكتابة؟ العنوان، هذا اليقظ الشاب الطموح دائماً والمغامر كذلك، وبما إنه وحدة بنائية وعتبة مهمة وفعل خطير في حد ذاته فقد احتفظ لنفسه بحرية الحركة والتحليق ومفاجأة المؤلف ذاته أحيانا، فقد يشرق وأنت تنظر لجملة أو كلمة أو حرف، وقد يكون مكتملاً قبل تحول الكلمات إلى وثيقة أو جمل وسطور أي قبل تأطيرها في حيزها الجديد وقد لا تستطيع الفكاك من سطوة عنوان نص ما فتستجيب. 
وبالطبع ما دمت أحاول وأطمح وأتمنى أن يتخلف عني كتابٌ ما ليكون بمثابة هتك وكشف وأحياناً تمزيق لمرحلة نفسية أو فنية في حياتي، هو ماء واحد وعجين واحد.. كتلة واحدة حتى وان تفرعت إشعاعاتها أو خيوط عتمتها المضيئة، فالعنوان، رغم حريته واستقلال شخصيته وقوتها، يكون ملتزماً، التزام الواثقين، بالتساوق مع روح سارية عبر العمل ككل، شفيفة كانت أو غليظة، ولو كان هذا التساوق في أحيانٍ ليست مستحيلة بل وحدثت وقد تحدث، بالتضاد الظاهري.

(3)
الناشر يريد بيع الكتاب، وبالطبع يتقاطع مع رغبة المؤلف في نشر الكتاب ووصوله للقارئ وبالتالي تدشينه بسبب هذا الكتاب وسواه، في ذائقة ذلك القارئ، كمبدع جيد. ورغم هذه العلاقة المتشابكة إلا أنه قد تحدث وقفة تُجذِّر الاختلاف بين الغاية المعنوية للمؤلف والمادية للناشر وهي لحظات تباين الآراء أثناء مراحل تنفيذ هذا المنتَج، ومن أهم لحظات الاختلاف تلك، الاختلاف حول العنوان، والحقيقة أن هناك كتباً جيدة بالفعل قُبرت بسبب عناوينها، وأن فجاجة العنوان قد تسهل الأمر على قارئ محاصر بملايين العناوين من حوله، فيغادر الكتاب ببساطة وبلا ندم. لكنَّ الأزمة الدائمة أن رؤية المؤلف للعنوان تنبع من نزيف حروفه هو ومعاناته التي قد تكون ممتدة لفترات زمنية طويلة لهذا يرفض بمبدأية والناشر بالتالي قد يصر ألا يدخل في لعبة خاسرة، فيصل الأمر لتلك النقطة المسدودة. 
عن نفسي، عاينت تجارب متعددة لفعل فساد العلاقة بسبب الاختلاف على العنوان وكذلك رأيت كثيراً جداً مؤلفين، بعضهم متحقق جداً، يخضعون لرؤية الناشر وذلك رغبة في إنفاذ الأمر ونجاحه أو برغبة خفية في التخلص من عبء أن يكون الكتاب قابعاً على رفوفك. بالنسبة لي لم يحدث بالنسبة لعناوين الكتب التي نشرتها في المؤسسة الرسمية أو الدور الخاصة لكني قُمعت في عناوين بعض القصائد وذلك خوفاً من الالتباس العقيدي وهو أمر لا مناص من التسليم بأنه معتبر وحال وملموس  في مجتمعات مغلقة حتى وإن تزيت بزي الحداثة. 
(4)
فكرة أن يوجد كتاب بلا عنوان هي فكرة مثيرة، وأظنها طليعية في إحدى وجوهها، حيث ينكسر أفق التوقع الميتافيزيقي الذي قرّ لآلاف السنين وهو إن لكل شيء علامة أساسية أو لافتة أو مسمى أو عنوان، وحيث تفت في عضد هيمنة نمط واحد من التفكير وسيطرته فيما يخص طريقة إنتاج وتخليق منتج بعينه هو الكتاب، ولكن الأمر بالنسبة لنا نحن الشعوب الذين مازلنا نسبح في أتون العشوائية بالنسبة لتلقي كل الظواهر بلا استثناء، فيكون هذا الأمر غريباً لمجرد الغرابة ودون أثرٍ يفتح أفقاً جديداً أو كوة جديدة للنظر والتخيل.
(5)
دائماً ما أفتن بعناوين قديمة أو جديدة وأقرأها ببطءٍ كأنني أستطعمها مثلما أهيم بجملة شعرية أو مقطعٍ في عمل سردي أو فيلم أو بنظرةٍ غائمةٍ في لوحة أو حتى جملة كونية نحتتها الطبيعة الفنانة، لكنني أبداً لا أتخيل أني أنا المبدع أو أتمنى أن أكون كذلك لأن هذا العنوان هو النص الذي أفرزه وليس نصي أنا. ملامح ليست ملامحي وأعصاب ليست أعصابي، أحبها لكني أضعها فقط إلى جواري بكل احترامٍ. 
وبالنسبة للتناص مع عنوانٍ آخر فجائز ومقبول إذا كانت المبررات الفنية أقوى من التجاهل، لكن احذر يا أخي فالفرق بين التناص و(التلاص) حالة من الهَيَمَان الإبداعي يعميك ويأسرك، فتحسس وعيك ومخزونك السري لتنجو.