لقاء غير معلن بين صدام حفتر ومستشار الدبيبة يمهد لإعادة رسم التحالفات

التسريبات من قبل وسائل اعلام إيطالية تحدثت أيضًا عن احتمال حضور مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، للاجتماع المزعوم في روما.
اللقاء يأتي في خضم التوتر العسكري في الغرب الليبي وتصاعد الانتقادات الموجهة للدبيبة
دور ايطالي في تقريب وجهات النظر بين شرق وغرب ليبيا

روما – في خضم التوترات المتصاعدة غرب ليبيا، والتحشيدات العسكرية التي تعيد إلى الواجهة شبح المواجهة المسلحة، أثار تقرير صحفي إيطالي جدلاً واسعاً حول لقاء غير معلن يُزعم أنه جمع بين الفريق أول صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الليبي، وإبراهيم الدبيبة، مستشار رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها، عبدالحميد الدبيبة، في العاصمة الإيطالية روما.
رغم غياب أي تأكيد رسمي من الجانبين في طرابلس وبنغازي، إلا أن الأنباء المتداولة حول هذا اللقاء المحتمل فتحت الباب أمام تكهنات واسعة بشأن تحولات مرتقبة في خريطة التحالفات الليبية، خصوصاً في ضوء التعقيدات السياسية والميدانية التي تشهدها البلاد، والانقسامات العميقة التي عطلت مسار التوافق لسنوات.
ورغم أن التسريبات لم تجد طريقها بعد إلى التأكيد الرسمي، فإن وسائل الإعلام الإيطالية تحدثت بتفاصيل نسبية عن اللقاء، مرجحة أنه تم بترتيب ضمني من أطراف دولية تسعى لكسر الجمود بين شرق وغرب ليبيا. في المقابل، نشر المكتب الإعلامي للقيادة العامة للقوات المسلحة الليبية صورًا لصدام حفتر في بنغازي أثناء مشاركته في نشاطات اجتماعية، دون أي إشارة إلى وجوده خارج البلاد، وهو ما فسره البعض كمحاولة لصرف الأنظار أو نفي ضمني للتقارير المتداولة.
الملفت أن التسريبات تحدثت أيضًا عن احتمال حضور مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، للاجتماع المزعوم، في إطار جولة له بالعاصمة الإيطالية، إلا أن بولس اكتفى بالإعلان عن لقاء رسمي مع وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، حيث ناقش "السلام والاستقرار في المتوسط"، دون الإشارة إلى أي نشاط متعلق بالملف الليبي.
ليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها الحديث عن اجتماعات سرية أو غير معلنة بين ممثلين عن أطراف النزاع الليبي. فقد سبق أن تم تداول أنباء عن لقاء جمع نجل المشير خليفة حفتر مع أحد أقارب عبدالحميد الدبيبة في أبوظبي قبل نحو ثلاث سنوات، في محاولة قادتها آنذاك أطراف عربية للتقريب بين الطرفين. غير أن تلك المبادرات لم تُترجم إلى مسارات دائمة للحوار، وظلت رهينة التحولات الميدانية والحسابات الدولية.
لكن خصوصية الظرف الحالي، الذي يشهد احتقانًا ميدانيًا حادًا غرب ليبيا، وسط مؤشرات على تصعيد محتمل بين قوات تابعة لحكومة الدبيبة وأخرى موالية لخصومه السياسيين، تضفي على اللقاء المزعوم بعدًا مختلفًا، وقد تُفسر كمقدمة لتحول سياسي تدريجي أو على الأقل إعادة رسم خطوط التماس بين المحاور الداخلية.
في خلفية هذا المشهد، تبرز روما وواشنطن كأبرز الفاعلين الدوليين الساعين إلى إعادة تنشيط المسار السياسي الليبي، بعيدًا عن المبادرات الشكلية التي فشلت في إنهاء الانقسام بين مؤسسات الدولة.
إيطاليا، التي لطالما لعبت دور الوسيط الهادئ في الملف الليبي، تبدو أكثر اهتماماً اليوم بكسر حالة الانقسام، خصوصاً مع تصاعد خطر الهجرة غير الشرعية وتدهور الأوضاع الأمنية، وهي تحديات تمس الأمن الإيطالي بشكل مباشر. أما الولايات المتحدة، فترى في استمرار الانقسام الليبي تهديدًا لاستقرار منطقة البحر المتوسط ككل، في وقت تشهد فيه المنطقة صراعات متشابكة من غزة إلى السودان.
القراءة السياسية لما يتداول بشأن اللقاء تشير إلى احتمال تغير في الاصطفافات، سواء على مستوى النخب السياسية أو التشكيلات العسكرية. فالوضع الداخلي المتأزم في غرب ليبيا، ومحدودية الدعم الإقليمي لحكومة الدبيبة، يقابلها مرونة نسبية في خطاب القيادة الشرقية، التي لم تغلق الباب تمامًا أمام محاولات الحوار، بل سبق أن شاركت في اجتماعات دولية لتوحيد المؤسسات السيادية، رغم الجمود الذي أعقب تلك المبادرات.
لكن هناك من يرى أن اللقاء المزعوم، إن صح، لا يتجاوز كونه مناورة سياسية تكتيكية، يراد منها توجيه رسائل متبادلة إلى الفاعلين المحليين والدوليين، دون نية حقيقية للدخول في عملية تفاوض جادة.
سواء كان اللقاء المزعوم بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة حقيقة أم مجرد تسريبات إعلامية مضخّمة، فإنه يعكس واقعًا ليبيًا بات أكثر انفتاحًا على التحولات، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة. كما يسلط الضوء على أدوار دولية صاعدة، وخاصة لإيطاليا والولايات المتحدة، في محاولات تجسير الفجوة بين شرق البلاد وغربها.
وفي الوقت الذي يتأرجح فيه المشهد الليبي بين الحلحلة والانفجار، يبدو أن النوافذ الخلفية للاتصال قد تكون أكثر فاعلية من الطاولات العلنية، إذا ما وُجدت إرادة حقيقية لكسر الحلقة المفرغة من الانقسام والصراع.