لماذا الأغنية؟

تستخدم الأغنية في تعلم الأبجدية

• الأغنية (فن السهل الممتنع)

رغم تعدد الفنون إلا أن الأغنية هي الفن الأول الذي يتلقاه الانسان في صغره قبل اكتمال مداركه وانتماءاته وهى الفن الأكثر تأثيرا بين الفنون.

عندما تتلقى أغنية ما فلست بحاجة لقراءة وافية عن فن الأغنية أو لدراسة أكاديمية عن الموسيقى، ولست مطالبا أيضا أن تصنف القالب الغنائي أو معرفة إلى قالب موسيقي تنتمي الأغنية.

رغم اختلاف البشر في العمر أو الثقافة إلا أن الأغنية وحدها قادرة على التأثير في الجميع، تزرع فيهم مشاعر الفرح/الحزن، فبدون أن تعي تجد نفسك تردد أجزاء منها.

حاولت أن أحصر أغلب المفاهيم التي تعبر عنها الأغنية في النقاط التالية:

*المنظور النفسي للأغنية:

للأغاني والموسيقى ارتباط وطيد بالحالة النفسية، فهنالك العديد من الدراسات النفسية التي تؤكد رابطا مهما بين نوع ما يسمعه الانسان وحالته النفسية، كذلك يتم علاج الحالات النفسية المختلفة باستخدام الموسيقى والغناء.

العلاج النفسي باستخدام الأغاني ليس بالأمر المستحدث، فقد استخدمه المصريون القدماء.

نجد أن معبد منف كان ملحقا به معبد مخصص لعلاج الأمراض النفسية والعصبية عن طريق عزف الموسيقى الهادئة والاستعانة بالأعشاب.

وكذلك معبد ابيدوس، حيث يتم علاج المرضى بالصلاة المرتلة على أنغام الموسيقى، بالإضافة إلى بعض الراقصات اللاتي يتمايلن على أنغام الموسيقى ويحاكيهن المرضى.

كما أن لكل مرض عزفا مختلفا، وقد سبق القدماء المصريون العلاج بالأغنية باقي الحضارات كالحضارة اليونانية والرومانية.

كتب ابوقراط في أحد مؤلفاته أن كل مريض يحتاج لنوع معين من الموسيقى لعلاج حالته الخاصة ويتم اختيار نوع الموسيقى بدقة حتى لا يتفاقم المرض.

ففي كتاب أفلاطون "الجمهورية" أن الاستماع للموسيقى والغناء والتمرينات الرياضية مثل ألعاب القوى لها قدرة على شفاء الأمراض بدرجة كبيرة، حيث تستطيع أن ترفع معنويات المريض فينال الشفاء.

عند استخدام الأغاني في العلاج لا بد من مراعاة النغمات التي تساعد على شفاء المرض، فلكل شعب لغته وكيفية نطقها، ولكل مريض نغمة معينة تساعده على الشفاء.

توارث فكرة العلاج بالأغاني، حتى وصلت إلى:

- العلاج بالزار في المفهوم الشعبي: وهو عبارة عن استخدام أنواع موسيقى مختلفة للاسترخاء واعتدال المزاج وإزالة التوتر وكذلك للمساعدة على النوم. إلا أن بعضها ارتبط بالدجل فأصبح طريقة للنصب لدى السحرة والدجالين.

• المنظور الاجتماعي للأغنية:

إن كانت الأغنية هي الفن الذي لا يحتاج لوسيط كي يفهمه المتلقي إلا أنها تعد ركنا أساسيا عن مدلول مدى ثقافة ووعي المجتمع وترتبط الأغنية ارتباطا وثيقا بالبيئة المحيطة حيث توثر فيها وتتأثر بها، فنجدها تتنوع على مر العصور من أغاني فلكلورية وأغاني لكل مناسبة وأغاني حسب الطبقة الاجتماعية والفئة العمرية.

الأغاني الفلكلورية:

من الموروث التاريخي لكل مجتمع أغاني تعبر عن عاداته، فمثلا في الحضارة المصرية القديمة نجد أن أغنية (وحوي يا وحوي أياحة) هي أغنية تم غناؤها عقب الانتصار على الهكسوس في عهد أحمس، وتم إعادة غناؤها في عهد الفاطميين في شهر رمضان. وكذلك غيرها من أغاني الحصاد والتعبد.

الأغاني الشعبية:

أخذت الأغنية الشعبية نصيبا وافرا من الازدهار مع بدايات القرن العشرين على يد كبار الملحنيين والشعراء، ففي مطلع القرن العشرين تم تطوير الأغاني الشعبية على يد سيد درويش حيث أعاد توزيع ألحان الأغاني الفلكلورية القديمة في قالب عصري سمح للأغنية أن تتلاءم في زي شعبي مناسب لرواجها وانتشارها.

تلونت وامتزجت بفنون أخرى كالرقص (فرقة رضا) وكان لمحمد العزبي لونا مميزا ودورا أساسيا في فرقة رضا، واستطاعت الأغنية الشعبية أن تمتزج مع الفلكور في مزيج رائع ملائم لسبعينيات القرن الماضي، وعرفت ألوانا جديدة مع مطلع شهرة الفرق الغنائية في الثمانينيات (فرقة المصرين وفرقة ال فور ام) وظهرت عدة ظواهر غنائية كفاطمة عيد بالزي الشعبي الفلكلوري وكذلك الريس متقال، وفي تسعينيات القرن الماضي ظهر حكيم الذي أضاف الحس الفكاهي للون الشعبي، وانحدر الفن الشعبي حتى وصل لأغاني المهرجانات التي تعتبر صفة مميزة لشباب الطبقة الشعبية.

*أغاني الأطفال:

وحدها الأغنية هي التي وحدت الشعوب واللغات وعملت على كسر حواجز الاختلاف منذ الصغر وإن كانت أغاني الأطفال مسئولية ليست بالهينة فنجد مثلا:

يرددها الكثير بكلمات خاطئة، إلا انها ربطت أطفال العالم كله وليس أصحاب اللغتين (العربية والايطالية) Vola Vola الأغنية الايطالية، Frère Jacques الأغنية الفرنسية، يرددها الأطفال في مختلف انحاء العالم.

وإن سادت روح النشيد على أغلب أغاني الأطفال إلا انها قادرة على توصيل معان كثيرة تهدف إلى نزع العنصرية والتطرف.

أما على الصعيد المصري فقد حظت أغنية الطفل على أهتمام كبير من الشعراء وكتاب الأغاني وكذلك المغنيين، من منتصف القرن العشرين إلى ثمانينيات القرن الماضي بصورة ملفتة عن باقى الفترات.

نجد أشهرها في سكن الليل وماما زمانها جاية وحبيبة أمها وكذلك الاوبريت الخاص للطفل في اوبريتات صفاء ابوالسعود مثل: جانا العيد واصحابي وصحباتي وكذلك أغاني واستعراضات نيللي كان فيه فراشة صغننة وسوسة سوسة.

نجد أيضا الاوبريت الأنجح والأشهر على الاطلاق "الليلة الكبيرة" أشعار صلاح جاهين وألحان سيد مكاوي وعرائس صلاح السقا من أشهر أوبريتات الاطفال المتداولة الى يومنا.

تطور فن الاوبريت مع عالم الاطفال الى ان وصل للفوازير الخاصة بالطفل كما في فوازير فطوطة وكذلك فوازير عمو فؤاد.

أشهر الكتاب والمغنيين قدموا نماذج ناجحة في أغاني الأطفال لا يمكنني سردها جميعا لكن تظل عالقة في الذاكرة حتى وان كانت في أحداث مسلسل درامي مثل أغنية توت توت لعبدالمنعم مدبولي وهدى سلطان، وكان فيه واد اسمه الشاطر عمرو لعبدالمنعم مدبولي، وزوبة يا زوبة لمحمود ياسين، وجميعها أغاني مسلسلات قد لا نتذكر اسماء الابطال او العمل الدرامي لكن الأغنية باقية ومحفورة في الذاكرة.

أغاني المناسبات:

لا تقتصر المناسبات على الأفراح والنجاح فحسب بل الطقوس والشعائر الدينية وكذلك حالات اليأس والحزن والفراق.

ارتبط شهر رمضان بطقوس أغلبها فنية، يغلب عليها روح الدين، فأغاني الشهر والصيام والابتهال امتزجت بروح الأوبريت والاستعراض.

أغاني الأعياد (يا ليلة العيد) تعتبر بداية حقيقية للعيد فور سماعها وكذلك أغنية (العيد فرحة).

وفي كل عام وقت إعلان نتائج الامتحانات نجد أغنية (وحياة قلبي وأفراحه) لعبدالحليم حافظ تطل من كل منزل معبرة عن النجاح.

أغاني الأفراح لها طقوسها الخاصة التي تبدأ غالبا بأسماء الله الحسني أو طلي بالأبيض ثم فقرة أغاني الرقص السلو (ضميني وأنسي الدنيا أو على بالي حبيبي).

كما تظهر الأغنية وقت الحزن والفراق، وكذلك النكسة (عدّى النهار).

أغاني خاصة بالرياضة:

لم تقتصر الأغاني على دورات مباريات كأس العالم ولعل أشهرها أغنية الهضبة (بالحب اتجمعنا عام 1990) وأغنية كأس العالم 2012 (شجع حلمك) لنانسي عجرم والشاب خالد، بل شملت أغاني لتشجيع فرق النوادي المحلية كالنادي الأهلي ونادي الزمالك.

وبذلك تسجل الأغنية دورا مهما ونسيجا غير منفصل عن أبسط التفاصيل الحياتية.

المنظور السياسي للأغنية (الأغنية الوطنية):

منذ فجر التاريخ وكان لقرع الطبول دور كبير في حماسة الجنود وقد استخدمها القادة في توحيد الصفوف منذ عهد المصري القديم إلى الآن والتى نجدها في النشيد الوطني والأغاني الوطنية.

فنجد أن لكل بلد النشيد الوطني الخاص به والذي يبعث في النفس الحماسة والتضحية بكل غال لأجل وطنه وحريته وسلامة أراضيه.

كان للأغنية الوطنية دور مهم في مطلع القرن العشرين في الحياة السياسية في مصر، فكان لأغاني سيد درويش دور قوي للمقاومة ضد الاحتلال وتعزيز دور الوطن ونبذ الاحتلال.

ففي ثورة 1919 كان لأغنية (قوم يا مصري) دور مهم في مقاومة الاحتلال وكذلك أغنية (بلادي بلادي) والتي أقتبس كلماتها من كلمات الزعيم المصري مصطفى كامل والتي أصبحت بعد ذلك النشيد الوطني.

فكما كان لـ (أنا المصري كريم العنصرين) و(دقت طبول الحرب يا خيالة) و(تلوم عليا أزاي يا سيدنا ده خير بلادنا موش بايدنا) دور في تعزيز دور الوطن.

وبعد اعلان الجمهورية والعدوان كان للأغنية الوطنية دور مهم (خلى السلاح صاحي وصورة صورة وموال النهار) ووثقت الأغنية أشهر الأحداث السياسية كبناء السد (قولنا حنبني وادي أحنا بنينا السد العالي) وأيضا جاءت لتمجد أشخاص بعينها فكان لجمال عبدالناصر نصيب الأسد في الأغاني باسمه (ناصر يا حرية).

جاءت ثورة 25 يناير لتطور الأغنية الوطنية وتأثيرها فكانت أغاني الثورة (ازاي ترضيلي حبيبتي لمحمد منير)، (قولوا لامي متزعليش ..) وغيرها دور كبير في اثارة الحماسة خلال الثورة المصرية، كما أيضا جاءت الأغنية لتعزز المشاركة في الانتخابات السياسية وأشهرها على الاطلاق أغنية (بشرة خير).

الأغنية الوطنية بدأت في أوجها في عهد سيد درويش و مازلت مستمرة إلى يومنا هذا.

لعل هذا بسبب ترديد النشيد الوطني كل صباح ما جعل حب الوطن جزءا لا يتجزأ منا.

جاءت الأغنية لتوحد الشعوب العربية فيما فشلت أن تقوم به جامعة الدول العربية فكان لأوبريت (الوطن الأكبر والحلم العربي) دوي من المحيط للخليج لتعزيز دور العروبة والقومية العربية.

لم يقتصر دور الأغنية الوطنية على أفراد الوطن الواحد بل وحدت الشعوب وأصلحت ما أفسدته الحكومات.

وكان للأغنية دور كالمدفع والقذيفة فكانت الاولى لأثبات عروبة أرض فلسطين منذ 1948 وإلى أغنية (عربية يا أرض فلسطين لآمال ماهر).

• المنظور الديني للأغنية:

منذ فجر التاريخ وللأغنية الدينية دور فعال في المجتمع، ففي العصور الوسطى كان اللحن خادما للصوت في الترانيم، ويعد سلطة قوية للكهنة للتحكم في سياية الدولة ومن أولى الحضارات التي استخدمت الأغنية هي الحضارة المصرية القديمة، وذلك للتقرب للالهة وللابتهال الديني والطقوس الدينية وظهرت تلك المظاهر على النقوس والاّت الموسيقية، ثم أخذت تتطور تدريجيا فلا تخلو المناسبات الدينية من الأغاني إلى جانب ظهور فن التواشيح والترانيم معلنا أن الأغنية الدينية باقية مهما تعددت الاّراء.

إلى جانب ظهور الإذاعة والتلفزيون اللذين خصصا ركنا للأغاني الدينية المقدمة في البرامج، وظهور دعاة من فئة الشباب كسمة مميزة (عمرو خالد، ومصطفى حسني وغيرهما) وكذلك انتشار مؤديين للأغاني الدينية أمثال (مشاري بن راشد وسامي يوسف) .

• المنظور الاقتصادي للأغنية:

إن كان الفقر هو المحرك الدافع الأساسي للجريمة، فللأغنية دور مهم في تحسين الحالة الاقتصادية بطريقة غير مباشرة وهي تجربة السيستيما التي استخدمتها فنزويلا للحد من الجريمة، وإنقاذ الأطفال «من ذوى الخلفية المجتمعية المتواضعة»؛ من خطورة الانزلاق شبه الحتمى إليها، وذلك عبر تعليم الموسيقى وإنشاء الأوركسترات للأطفال والشباب.

وتعتمد «إل سيستيما» (وهو البرنامج الذى وضعته الحركة لتحقيق أهدافها المجتمعية والموسيقية) على تعليم الأطفال فى سن عامين مبادىء الإيقاع والموسيقى، وفى سن أربعة أعوام تبدأ فى تعليمه العزف على آلة موسيقية، وفى سن السادسة يتم إلحاق الطفل بأوركسترا للأطفال.

يهتم المشروع بالتركيز على المناطق الأكثر فقراً حيث تتكون الأوركسترات من 90% تسعين في المائة على الأقل من الأطفال الفقراء، ولا يهدف البرنامج إطلاقا إلى تخريج أجيال من الموسيقيين المحترفين، بل يهدف إلى استخدام تأثير الموسيقى الإيجابى فى تهذيب ميول نحو العنف قد تكون محفورة داخل نفوس الأطفال، واستلهام الأطفال لعقلانية التعامل مع المشاعر. إن ما يحتاجه الأطفال هو موسيقى مختلفة، نافذة على عالم آخر تجعل الطفل يدرك أن هناك واقعا مختلفا عن الواقع الأليم الذى يعيش فيه، وتمكنه من اختياره سلوك طريق مختلف عن السائد فى عائلته أو مجتمعه. بدأت الحكومة الفنزويلية فى تمويل أوركسترا «إل سيستيما» عام 1977. ويضم مشروع «إل سيستيما» الآن أكثر من 300 ثلاثمائة الف طفل وشاب، من هؤلاء أولئك الذين كان من الممكن أن يصيروا مجرمين وبائعي مخدرات.

ولكن المدهش أن أول دولتين قررا الخوض في تجربة تطبيقه مثيلة هما الولايات المتحدة الأميكية وبريطانيا.

وفي مصر:

بدأ فعليا المايسترو سليم سحاب بتجربة (كورال أطفال الشوارع) في مصر، المشروع بدأ بالاستماع إلى 800 طفل وطفلة، من دور الرعاية والجمعيات الأهلية، واختيار 70 موهبة غنائية لتكوين كورال غنائي في مرحلة المشروع الأولى، موضحًا أن المرحلة الثانية تهدف إلى تكوين أوركسترا أطفال مصر، وذلك من خلال زيارة كل المحافظات المصرية لعمل الاختبارات واختيار براعم أوركسترا وكورال أطفال مصر والذي يأمل أن يصلوا إلى 10 آلاف طفل.

الأغنية لنبذ العنف ولرقي النفوس وبالتالي توفير الكثير من الأموال والنفوس ضحايا الاجرام.

• التعلم بالأغاني:

سبقت الحضارة المصرية القديمة الحضارة الأموية في معرفة (الكتاب) وكانت تسمى وقتها بـ (مدرسة المعبد) وتمنح شهادة للدارس تسمى كاتب تلقى المحبرة.

استمرت الكتاتيب في العصر القبطي لتعليم جزء من الكتاب المقدس، أما في العصر الإسلامي فقد انفصلت عن المساجد، وكان هدفها حفظ كتاب الله وتخرج منها أغلب الفقهاء.

تطورت الكتاتيب في عصر محمد علي باشا إلى أوائل القرن العشرين إلا أن طريقة تعليمها كانت تهدف في المقام الأول "التعليم بالأناشيد" أي إعطاء طابع لحني للمعلومة حتى تثبت.

ومازال إلى الآن تستخدم الأغنية في تعلم الأبجدية وغيرها من المواد الدراسية للأطفال في مراحل مبكرة.