لماذا تكتب؟

بقلم: خالد وليد محمود
لأني بلا هوية

تزاحمت الأفكار في رأسي كعادتها تبحث عن إجابة ومخرج لسؤال لمحته على "ماسنجر" الزميل سامي عكيله، السؤال يقول: عزيزي الكاتب: لماذا أنت تكتب؟
وحقيقة هذا السؤال أدهشني وأخذني على حين غرة وأنا بصدد كتابة مقالي وتساءلت ما الذي يدفع المرء فعلاً للكتابة؟ أهي لعنة تصيب الكاتب؟ أم هي غواية القلم؟ أم لذة الكتابة وصناعة الأفكار وترجمتها؟ أم هي كل هذه الأشياء مجتمعة؟
لو سئلت بشكل مباشر لماذا أكتب؟ لأجبت دون أن أفكر ملياً أنني أكتب من أجل إرضاء نفسي وطموحي وهدف ما في داخلي، أكتب من أجل فكرة أو من أجل الدفاع عن مبدأ أو عن قضية، أمارس حقي مثل الآخرين الذين يزاولون حرفاً ومهناً أخرى رغم أنني لا أقتات على مهنة الكتابة بشكل مباشر.
أكتب ربما لأن هناك ما يستهويني لنقطة أنني مطالب بأن أثبت لنفسي، ربما قبل الآخرين، أنني اكتب لأنني مقتنع حق اقتناع بأنه ليس كالكتابة متنفس، ليس مثلها صدقاً مع الآخرين ومع النفس خاصة إذا كانت هذه الكتابة بمداد الحس.
رغم ذلك لا يزال سؤال أخينا سامي يدور في ذهني وأنا مصر على القول بأن الكتابة متنفسي أحيي بها الأشياء، أبث فيها روح الوجود التي أهملها الكثيرون.
أشتاق كثيرا للورقة وقلم الرصاص بعد أن أصبحت ورقتي شاشة "اللاب توب"، اشتاق لورقة ترق وتقسو وتجعلني في حالة توتر، اشتاق لأتصارع مع قلمي على ساحة الورق الأبيض وتحتلني وقتها ملائكة النثر والخواطر.
يعتريني أحيانا الإحساس بالعجز عن التعبير عما يجول في خاطري، وتأتي لحظات تبتلعني دوامة الإحباطات سيما اذا اقتنعت أن كتابتي ومقالي لن يقدم ولا يؤخر في قضية أردت إثارتها.
أعترف أن رغبتي الحقيقية في الكتابة غالباُ ما تنتصر أمام سطوة الذات، التي تذوب في النهاية تحت وطأة فعل الكتابه ذاته. فالرغبة في الكتابة تسمو فوق كل الرغبات، لأنها قفز إلى المجهول، وتجاوز للمحسوب، وخلط للأوراق، وفي كثير من الأحيان مزيج من العقل والجنون. نعم من العقل والجنون!
أصعب ما في لحظات الكتابة عندما تكبت في السياسة، وعندما تتابع الأخبار التي تزدحم بحوادث القتل والجوع والحصار والزلازل، وقتها تنطلق شرارة عمياء تحرك قراري وتلقيني في متاهات الحديث.
عموما أنا لا أحب الكتابة في الزحمة فما أكثر الكتاب وما أكثر المحلليين، أحيانا اختنق من زحمة الكتابة لأنني أريد الأخيرة فقط زهر على شجر الكلام اختار الصمت ولا أكتب لأن الصمت لا رواء فيه، واختار صخب الحياة مجالاً لقلمي أعبر من خلاله دروب الذات والوطن.
من هنا يمكن القول إننا نمتع أنفسنا أولاً حين نكتب، نهديها أول حروفنا، نناقشها ونشتبك معها حول المسموح به وغير المسموح، نستأذنها في إطلاق جنوننا، وقد نخادعها، نتحايل عليها أحياناً ونستغفلها أحيايين أخرى!
هناك من يتسلح بقلمه ليهرب من هموم الدنيا ونكدها، أو لأنه يريد أن يسمع لحظات السعادة التي ننتشي بها، فبين الفرح والترح خيط رفيع تقتات عليه الكلمات وتحاوره الحروف.
أبرز الأدباء عندما سئلوا لماذا يكتبون فكانت إجاباتهم كالاتي:
الأديب البرازيلي جورج أمادو، قال "أكتب لكي يقرؤني الآخرون، ولكي أؤثر فيهم، ومن ثمة أستطيع المشاركة في تغيير واقع بلادي وحمل راية الأمل والكفاح."
أما الأديب الصيني باجين، فقال "أمارس الأدب لكي أغير حياتي وبيئتي وعالمي الفكري."
وقال الأديب الكولومبي جابريل ماركيز "أكتب لكي أنال المزيد من حب أصدقائي."
وقال توفيق الحكيم "أكتب لهدف واحد هو إثارة القارئ لكي يفكر."
أما محمود درويش فأجاب "أكتب .. لأني بلا هوية ولا حب ولا وطن ولا حرية."
وقال الأديب التشيكي ياروسلاف سايفرت "أكتب .. ربما تعبيرا عن الرغبة الكامنة في كل إنسان في أن يخلف وراءه أثرا."
لماذا نكتب؟
هو سؤال سيظل أرقا يجري في نفس الكاتب والقارئ على حد سواء، فالكتابة عالما نشكله وحدنا نحن "الكّتاب"، نطبق فيه أبجديات خلافتنا التائهة، ففي دواخلنا بحثٌ دؤوب عن حقيقة قلقة نحاول أن ترخي هدوء اليقين عليها في ضمائرنا! خالد وليد محمود
كاتب وباحث – الأردن