لماذا لا ينفصل الإقليم عن العراق؟
الجواب المحتمل للسؤال الذي يطرحُ باستمرار عن السر في عدم قيام الدولة الكردية وإجهاض المحاولات لتحقيق هذا الحلم؟ هو أنَّ الواقع الجيوسياسي للشعب الكردي لا يخدم مشروع الدولة. كما أنَّ أوراق الكرد كانت محدودة دائما في الصفقات الدولية وبالتالي يفوتهم قطار التغيير قبل أن يستفيدوا منه فعلياً، هذا ناهيك عن الشقاق بين الأخوة والاقتتال الداخلي الذي قوضَ مظلتهم في عدة محطات فارقة.
نعم قد يكون التحليل هذا صحيحاً بالنسبة إلى تعثر إعلان الدولة الكردية في مساحة أوسع من إقليم كردستان العراق. لذلك يجبُ عدم الخروج من موضوع البحث وبالتأكيد فإنَّ المنهجية في التناول والمقاربة للأسباب التي تمنع انفصال الإقليم عن العراق تفرض تحديد المادة التي تقع في نطاق النقاش فقد صرح زعيم الحزب الحاكم إبان التحضير لمشروع الاستفتاء بأنَّ الكرد يمكنهم أن يحافظوا على حسن الجيرة مع العراق لكن شواهد التاريخ تفيدُ بأنَّ الشراكة في إطار الدولة العراقية تبوء بالفشلِ دائما.
إذاً ما السبب وراء تراجع القادة الكرد عن نتائج الاستفتاء ومن ثمَّ إشهارها بوجه بغداد بين حين وآخر.؟ في الحقيقة أنَّ التنقيب عن المنطق الذي ينتهجهُ الإقليم يقود إلى حقائق تخالفُ كلَ ما يتلفعُ به السياسيون الكرد من الشعارات الرَّنانة وما يعلنونه للرأي العام الكردي من البرامج الواعدة بالاستقلال الاقتصادي وترميم البنية التحتية وتحقيق مفهوم المواطنة، والحوكمة في الشؤون الإدارية. فقد مرتْ أكثر من ثلاثين سنة على تجربة الإقليم واستقلاله الإداري من بغداد منذ 1992ولايزالُ هذا الكيان يعاني من الفراغ الدستوري ومؤسسة المجلس التشريعي تترهلُ أكثر مع كل دورة انتخابية جديدة إذ مضت ثمانية أشهر على إجراء الانتخابات النيابية في الإقليم.
وإلى الآن لم تُنعقد جلسة وحيدة تحت قبة المبنى الذي من المفترض أن يكون مكاناً لسن القوانين والتشريع. وتتهربُ حكومة تصريف الأعمال من الاستحقاقات القانونية التي تنظمُ العلاقة بين الإقليم والحكومة الاتحادية، ما يستعصي على الفهم هو غياب الخط السياسي الواضح لدى الثنائية الحزبية "الاتحاد والديمقراطي"، في الوقت الذي تلقي منابرهما الإعلامية بمسؤولية الأزمات الخانقة والركود الاقتصادي وتهالك القطاع التعليمي في المقاطعات التابعة للإقليم على عاتق بغداد ويتم الترويج للخطابات الشعوبية من خلال لائحة من العبارات المشحونة بالعدوانية "الشوفينية العربية، الشوفينية بنسختها المعممة، سياسة تجويع الكرد" يتسابقُ قادة الحزبين على زيادة مكاسبهم في المركز ويسعون إلى الحصول على المناصب السيادية.
والأخطر في الأمر أن تلك المناصب التي يشغلها الموالون للاتحاد الوطني أو الديمقراطي الكردستاني تأخذُ مع الوقت صبغة عائلية على غرار ما هو قائم في الإقليم إذ أصبح عرفاً أن يكون رئس الإقليم ورئيس وزراء الإقليم من عائلة البرزاني ونائب رئيس الوزراء من عائلة الطالباني.
بالمقابل يكونُ رئيس جمهورية العراق من حصة عائلة الطالباني .هكذا يتمُ تكريس ظاهرة الإقطاعية السياسية. شاع في عراق ما بعد السقوط بأنَّ الكرد هم بيضة القبان في المعادلات السياسية ، لكن في الواقع أنَّ بغداد هي مركز توازن للعائلتين السياسيتين في الإقليم والدليل على ذلك أنَّ كفة الميزان كلما رجحت لصالح إحدى العائلتين تدخلت بغداد لإعادة ترتيب الأمور أو إذا لاح ما يهددُ المنطقة الخضراء أو المنطقة الصفراء تمت الاستعانة بالمركز.
والتأكد من ذلك لا يكلفُ سوى العودة إلى تواريخ معينة بدءاً من منتصف ستينات القرن الفائت مروراً بالتسعينات حتى 2001 عندما ظهرت جماعة أنصار الإسلام الراديكالية. ولولا الأمل بوفرة الغنائم في بغداد منذ 2003 لمّا بادر الحزبان بتوحيد إدارتي السليمانية وأربيل. وانتهاء عهد الرئيسين أحدهما في السليمانية والآخر في أربيل.
بيروقراطية أمنية
كادت الريمة أن تعود إلى عادتها القديمة حين بدأت الخلافات بين عدد من قادة الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني على مشروع الاستفتاء. وأعلن فؤاد معصوم الذي كان رئيسا للجمهورية على قائمة الاتحاد بأنَّه لم يصوت لاستقلال الإقليم كما سارع نجيرفان البارزاني إلى تمحل الأعذار خوفاً أن تودي المغامرة بالمنصب والامتيازات. وبذلك يتبين بأنَّ المصالح العائلية والحزبية تسبقُ أي مشروع مصيري في أجندة العائلتين.
ومن القصور العقلي الاعتقادُ بأنَّ هناك فرقاً على خلفية أيدولوجية أو مبدئية أو عقائدية بين الحزبين الحاكمين بل العلاقة بينهما ليست كعلاقة الوجه بالقفا. والمنطق السليم يدعو إلى التمييز بين فذلكات العائلتين وخيالاتهما وبين مصالحهما الواقعية، بين مفهومهما عن دورهما الوهمي وبين الواقع.
إذا فالشكل المناسب للحزبين الحاكمين في الإقليم هو الدولة داخل الدولة وأن لا يكون لبغداد دورُ ولاحقُ في مطالبة بإدارة المنافذ الجمركية ولا التحكم بالثروات الطبيعية وعائدات النفط في الإقليم بالمقابل يتولى الموالون للحزبين مناصب سيادية في بغداد دعك من المطالبة بحصة الإقليم من ميزانية العراق وما إنَّ تبدي بغداد شيئاً من التشدد في إلزام حكومة الإقليم بمبادئ دستورية حتى تسمعَ أصواتاً في الفضائيات المتحزبة تتوسلُ بالمظلومية للعب بمشاعر المقهورين.
لا مراءَ أن ما يعولَ عليه أبناء العائلتين لتمديد زمن سلطتهما الجائرة ليس الانتخابات ولا المؤسسات بل البيروقراطية الأمنية المكونة من القوى المسلحة التي تتضخمُ باستمرار تحت مسميات مختلفة وربطَ مصيرُ أفرادها بوجود العائلتين، قد لا يحتاجُ الأمرُ للتذكير بأنَّ القوة النظامية التي تتبعُ في ولائها للوطن والشعب لا تخدمُ مصالح الثنائية الحزبية لذلك يكون الاهتمام بتشكيل القوى والكتائب والمجاميع المطيعة للعائلة أو الشخص ضمن أولويات الشق الأمني للعقليات الإقطاعية.
ربما السؤال الذي يساورُ المتابع هو كيف يمكن للأقلية الحزبية والعائلية أن تبسطَ هيمنتها على المجتمع الذي لم يعدْ مقتنعاً بالرموز المزيفة؟
في الواقع صادرت العائلتان مصير الأغلبية وتحققَت لهما الشراكة في الحكم والسيطرة على المجتمع من خلال التمكن المادي وحصر مصادر الاقتصاد في حوزتهما وتوظيف الإمكانيات المادية الهائلة في إنشاء المجتمع الأمني.
كما أنَّ لا مانع لدي الحزبين للعب أدوار متعددة كلما كان ذلك في مصلحتهما ويجنبُ محمياتهما من تداعيات أي توتر ناجم من الصراع المُحتمل. هذا ما تراه بالوضوح في عملية تخلي حزب العمال الكردستاني عن السلاح إذ رحبَت شخصيات الصف الأول من العائلتين بقرار "بي كي كي" لأنَّ ذلك يبعدُ التهديد عن المصالح الاقتصادية للحزبين الحاكمين في الإقطاعيات العائلية وقد يضمن لهما دعم دولة إقليمية، وربما تشملُ حملة نزع السلاح مستقلاً المجاميع المسلحة التابعة للحزبين وينطبق عليهما المثل "إذا حُلق جارُك بلِّ ذقنك" إلى جانب العامل الاقتصادي والمساندة الخارجية حاولت الثنائية الحزبية هندسة المجتمع الكردي بما يكون مطابقاً في تفكيره وعواطفه وآرائه وتذوقه لمنطقهما السقيم وبرمجة هادفة إلى تراكم الشعور بالإحباط لدى الفرد.
وما يتحققُ به هذا المخطط الماسخ هو وسائل الإعلام والشبيحة الثقافية. واللافت أنَّه كلما قصمت المُعاناة ظهر المواطنين أطلقت العائلتان مزيدا من الفضائيات والقنوات الإعلامية.
اللادولة
التحليل المنطقي لسياسة الحزبين الحاكمين في الإقليم يؤدي إلى حقيقة وهي أنَّ مصالحهما محمية على كنف اللادولة وسلطتهما تتغولُ في تربةٍ لا تسود فيها سوى الولاءات العمياء للعشيرة والعائلة السياسية. لذلك لا يعقلُ أن يخاطر الحزبان بالانفصال عن العراق لأنَّ هذه الخطوة تنسفُ التوازن بين الطرفين وتسفر عن أزمة في زحمة الزعامات والصراعات الشرسة على الموقع الأول كما أنَّ بغداد هي بمثابة شماعة يُعلق عليها الفشلُ والاخفاقات الاقتصادية والتنموية.
نجحَ هذا النظام العائلي في تدوير الخطاب القومي واستهلاك مظلومية الشعب الكردي على المستويين الداخلي والخارجي كما أن طبيعته الكومبرادورية هي طوق نجاة يعيدهُ إلى برِ الأمان كلما أوشك على الغرق.
بدورها لعبت بغداد بغض النظر عمن يكون حاكمها دوراً كبيراً في ضخ الدماء داخل هذه العقلية الإقطاعية اليابسة. ومن البداهات الواضحة أنَّ العراق بتكوينه السياسي الراهن الذي يتوركُ على نظام المُحاصصة والانتماءات الفرعية يعدُ أرضية خصبة لتصاعد دور الأحزاب العائلية وتفريخ المجاميع الرافعة لراية المنقطة أو المذهب أو القومية. وما يعانيه المواطن الكردي من الضائقة الاقتصادية والحياة الخانقة لا يكمنُ حلها إلا في قرارات سديدة وكشف الحقائق مهما كانت صادمة حتى يتأكد للقاصي والداني بأنَّ التعتيم على الفساد المستشري في المناحي السياسية والمالية والإدارية ليس مفتاحاً للحل بقدر ما يدفع بالبلد نحو المجهول ويجعله سوقاً للمقايضات الإقليمية والدولية.
