لندن والرباط تحققان تقاربا استراتيجيا يتخطى الدبلوماسية التقليدية

مركز دراسات بريطاني يقدم قراءة تحليلية معمّقة لمسار العلاقات بين المغرب وبريطانيا والتي تطورت في مختلف المجالات بعد قرار لندن الاعتراف بمبادرة الحكم الذاتي المغربية.
الدراسة أثنت على الاستقرار السياسي والمؤسساتي في المغرب وأهمية الإصلاحات
الدراسة اشارت للتقدم الاقتصادي المغربي ودعم الملك محمد السادس للفكر الديني المعتدل
الدراسة اعتبرت المغرب شريكا أمنيا موثوقا بالنسبة لبريطانيا

لندن – قدّم مركز دراسات بريطاني قراءة تحليلية معمّقة لمسار العلاقات المغربية البريطانية، داعياً إلى الانتقال بها نحو مرحلة أكثر تكاملاً واستراتيجية، في ضوء التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعيد تشكيل خرائط الشراكات الدولية. الدراسة التي اعدها مركز "سنتر فور ريزيلينت سوسيتي"، التابع لـ"هنري جاكسون سوسيتي" حملت عنوان "مملكتان: الخطوات المقبلة للشراكة الاستراتيجية بين المملكة المتحدة والمغرب"، حيث تناولت مختلف أبعاد التقارب بين الرباط ولندن، وطرحت رؤية تعتبر أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة لإعادة صياغة العلاقة الثنائية على أسس أكثر طموحاً وفاعلية.
وترى الدراسة أن العلاقات بين البلدين، رغم جذورها التاريخية الممتدة، تشهد في السنوات الأخيرة زخماً جديداً مدفوعاً بتحولات سياسية واقتصادية ودبلوماسية متراكمة، أبرزها الموقف البريطاني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية لتسوية ملف الصحراء. هذا التطور، وفق التقرير، لم يكن مجرد موقف دبلوماسي، بل فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي، انعكست في ارتفاع اهتمام الشركات البريطانية بالاستثمار في السوق المغربية، خصوصاً في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والخدمات المالية.
وفي تحليلها لموقع المغرب الإقليمي، تؤكد الدراسة أن المملكة رسخت خلال العقدين الأخيرين حضورها كفاعل محوري في القارة الإفريقية، مستندة إلى استقرار سياسي ومؤسساتي، وإلى إصلاحات تدريجية همّت مختلف المجالات. وتشير إلى أن هذا الاستقرار مكّن المغرب من اعتماد سياسة خارجية براغماتية قائمة على تنويع الشراكات، ما جعله شريكاً موثوقاً لعدد من القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، من بينها المملكة المتحدة.
وتتوقف الدراسة عند المسار الإصلاحي الذي انطلق مع اعتلاء العاهل المغربي الملك محمد السادس العرش، معتبرة أن المملكة اختارت مسار التحديث التدريجي. وقد تم تجسيد هذا التوجه من خلال دستور جديد عزز دور المؤسسات المنتخبة ووسّع هامش الحقوق والحريات، إلى جانب تحديث منظومة العدالة وتكريس مبدأ التعددية. وترى الوثيقة أن هذا النموذج الإصلاحي أسهم في تعزيز جاذبية المغرب كشريك مستقر في محيط إقليمي مضطرب.
كما تسلط الدراسة الضوء على البعد الديني في التجربة المغربية، حيث يبرز دور الملك بصفته "أمير المؤمنين" في ترسيخ نموذج ديني يقوم على الاعتدال والانفتاح. وتشير إلى أن المغرب طور خلال السنوات الأخيرة منظومة لتكوين الأئمة وتبادل الخبرات الدينية مع دول إفريقية وأوروبية، في إطار استراتيجية تهدف إلى مواجهة التطرف وتعزيز قيم التعايش، وهو ما تعتبره الدراسة عاملاً إضافياً يعزز التقارب مع بريطانيا في مجالات الأمن الفكري ومكافحة التطرف.
اقتصادياً، تقدم الوثيقة قراءة موسعة لمسار التحول الذي شهده الاقتصاد المغربي، مشيرة إلى قفزات نوعية في البنية التحتية والصناعة والخدمات. وتلفت إلى أن المغرب أصبح أول دولة إفريقية تعتمد خط قطار فائق السرعة، في حين رسّخ ميناء طنجة المتوسط موقعه كأحد أكبر الموانئ في إفريقيا وحوض المتوسط، ما جعله منصة لوجستية عالمية. كما تؤكد الدراسة أن مدينة الدار البيضاء باتت مركزاً مالياً إقليمياً يحتضن عدداً كبيراً من الشركات متعددة الجنسيات، بما يعكس تحول الاقتصاد المغربي إلى اقتصاد مندمج في سلاسل القيمة العالمية.
وتبرز الدراسة كذلك صعود المغرب في قطاعات صناعية متقدمة، خاصة صناعة السيارات والطيران، إلى جانب تطور ملحوظ في مجالات الطاقات المتجددة والتكنولوجيا المالية والخدمات الرقمية. وترى أن هذا التنوع الاقتصادي يجعل من البلد وجهة جذابة للاستثمارات البريطانية، خصوصاً في سياق إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية بعد أزمات السنوات الأخيرة.
دبلوماسياً، تعتبر الوثيقة أن المغرب يلعب دور "حلقة وصل" بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، بفضل موقعه الجغرافي وشبكة علاقاته الدولية. كما تشير إلى مساهمته في جهود مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الأمنية، إضافة إلى دوره المتزايد في استقرار منطقة الساحل الإفريقي، وهو ما يعزز مكانته كشريك أمني موثوق بالنسبة لبريطانيا.
وفي سياق متصل، تتناول الدراسة المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس، والهادفة إلى تمكين دول الساحل غير المطلة على البحر من الولوج إلى الموانئ المغربية، معتبرة أنها مشروع استراتيجي يعزز الاندماج الإقليمي ويفتح آفاقاً اقتصادية واسعة على مستوى القارة الإفريقية.
أما على مستوى العلاقات الثنائية، فتشير الوثيقة إلى أن الشراكة المغربية البريطانية شهدت تطوراً ملموساً خلال عام 2025، مع توقيع إطار تعاون استراتيجي يشمل مجالات الأمن والدفاع والتجارة والطاقات المتجددة وتدبير المياه. كما تمتد هذه الشراكة إلى مشاريع مرتبطة بالاستحقاقات الرياضية الكبرى، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030 التي ستسضيفها الرياط الى جانب مدريد ولشبونة.
وتعتبر الدراسة أن الدعم البريطاني لمبادرة الحكم الذاتي شكل نقطة تحول في العلاقات الثنائية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي. وترى أن هذا الموقف يعكس تقارباً متزايداً في الرؤى بين البلدين بشأن ضرورة تبني حلول واقعية ومستدامة للنزاعات الإقليمية.
ودعت إلى تعزيز التبادل التجاري من خلال اتفاق تجارة حرة شامل يزيل الحواجز الجمركية والتنظيمية، إضافة إلى توسيع التعاون في مجالات الأمن البحري ومكافحة الإرهاب، ودعم المبادرات المغربية في منطقة الساحل. كما تقترح إطلاق برامج مشتركة في التعليم والتكوين الديني، إلى جانب التفكير في إنشاء مؤسسة جامعية بريطانية داخل المغرب لتعزيز التبادل الأكاديمي.
وختمت الوثيقة بأن العلاقات المغربية البريطانية لم تعد تقتصر على الطابع الدبلوماسي التقليدي، بل باتت تشكل نموذجاً لشراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تقوم على تقاطع المصالح الاقتصادية والأمنية والثقافية. وترى أن التحولات الدولية الحالية تجعل من الرباط ولندن شريكين طبيعيين قادرين على لعب أدوار متقدمة في تعزيز الاستقرار الإقليمي وإعادة تشكيل مسارات التعاون بين الشمال والجنوب.