ليالي أنس تنير بيت الدين بـ'ديوانية طربية' نسائية

مهرجانات بيت الدين أبرز الأحداث الثقافية السنوية في لبنان تعود بعد غيابها العام الماضي.

بيت الدين (لبنان) - تحولت إحدى الباحات الخارجية لقصر بيت الدين الأثري في جبل لبنان، الخميس، ديوانية طربية نسائية تحت سماء زيّنها قمر مكتمل وخيّم عليها الشعر واللحن والصوت، شاركت فيها ثلاث مغنيّات من لبنان ومصر وسوريا ترك حضورهن المتجانس أثره في القلوب والذاكرة.

وافتتحت "ديوانية حب" ليالي مهرجانات بيت الدين التي انطلقت في قصر الأمير بشير الشهابي بمنطقة الشوف الجبلية في جنوب شرق بيروت.

ويعود المهرجان، وهو من أبرز الأحداث الثقافية السنوية في لبنان، بعد غيابه العام الماضي بسبب المواجهات بين إسرائيل وحزب الله على خلفية الحرب في قطاع غزة عقب هجوم غير مسبوق على إسرائيل شنّته حركة حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

كما أن التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب بين إسرائيل وإيران الشهر الماضي كادت تطيح نسخة هذا العام، إذ دفعت بإدارة المهرجان إلى إعلان "تعليق" دورة 2025، قبل أن تعود عن هذا القرار وتعلن المضي بإقامة الحدث ببرنامج معدّل إثر توقّف الحرب.

وأطلت جاهدة وهبة صاحبة فكرة الديوانية من خلف قناطر القصر بعباءة حريرية مطرزة كأميرة من أميرات هذا المعلم الأثري الذي شُيِّد في القرن الثامن عشر، وأنشدت قصيدة كتبتها ولحنتها لبيت الدين من وحي قصيدة للشاعر الفرنسي بيار استان، على ما قالت أمام جمهور بلغ نحو 1700 شخص بحسب المنظمين.

بعدها انضمت إليها كل من المطربتين السورية لبانة القنطار التي جلست على يمينها، والمصرية ريهام عبدالحكيم على يسارها.

وتوسطت المسرح كنبات، أسفلها خشبي ومنقوش ومُطعَّم بالصَدف، وأمامها طاولات صغيرة من الطراز نفسه. وزُيَّن جانب واحد من المسرح بمجموعة من المصابيح المضاءة مما زاد على المناخ الطربي سحرا.

وأرادت وهبة أن تكون هذه الديوانية "لقاء حب وألفة وطرب تحت سماء احترفت البهاء واعتادت أن تظلل الحلم أملا ورجاء"، على ما قالت المؤلفة الموسيقية والشاعرة والمغنية اللبنانية، مضيفة "يسعدني أن أستضيف فيها صديقتين عزيزتين لنغني معا للحب وللحياة ولكل ما ينتصر على الألم".

وتضمن برنامج الحفلة طوال أكثر من ساعتين نحو 15 تحفة طربية مصرية لأم كلثوم وأسمهان وليلى مراد وعبدالحليم حافظ ووردة وداليدا، ولبنانية لصباح وفيروز ووديع الصافي، وتخللها موشح أندلسي وعتابا، وباقة من الأغنيات الخاصة لوهبة وعبدالحكيم، تولّت عزقها فرقة أدارها عازف التشيلو المايسترو المصري أحمد طه ورافقه نحو 17 موسيقيا من لبنان والعالم العربي.

وكانت الفنانات الثلاث يتحاورن بطريقة أنيقة قبل كل أغنية، ويعرّفن بما سيقدّمنه، وغنّينَ منفردات حينا أو جماعيا حينا آخر، وقوفا وقعودا.

وأنشدت وهبة من تلحينها "يا طير الحمام" للشاعر الفلسطيني محمود درويش، وبتوزيع من المؤلف الموسيقي عازف القانون العراقي البلجيكي أسامة عبدالرسول الذي كان جزءا من الفرقة.

وعندما غنّت لبانة القنطار "ليالي الأنس في فيينا"، لاحظت وهبة أن المطربة السورية تحوّل الأغنية "ليالي أنس في بيت الدين"، وذكّرت وهبة بأن القنطار "تتحدر من عائلة أسمهان (…) وهي سليلة كل هذا البهاء".

وأنشدت لبانة بصوتها الأوبرالي أغنية أسمهان "يا طيور" من ألحان محمد القصبجي، وحصدت الآهات حين غنت "قلبي دليلي" لليلى مراد و"زي العسل" لصباح، وشاركتها فيها ريهام الغناء.

أما ريهام عبدالحكيم، فقدمت "عاشق سارح بالملكوت" شارة مسلسل "خاتم سليمان". وقبل أن تغني "إما براوة" (أي حلاوة) لعبدالحليم حافظ، بادرت الجمهور قائلة "حلاوة على لبنان وبيروت وبيت الدين".

وسبق للمغنية الشابة التي جسدت دور أم كلثوم مراهقة في مسلسل "أم كلثوم" أواخر القرن الماضي، أن شاركت في المهرجان اللبناني عام 2015 في تحية إلى كوكب الشرق.

وقدمت بصوتها العذب "افرح يا قلبي" التي غنتها أم كلثوم للمرة الأولى عام 1937 من ألحان رياض السنباطي، و"أنت عمري"، أول تعاون بين أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب عام 1964.

واستعادت وهبة قبل أغنية "أرجعي يا ألف ليلة"، تاريخ مهرجانات بيت الدين التي انطلقت عام 1985 في خضمّ الحرب اللبنانية، قائلة "منذ لحظات المهرجان الأولى أطل (…) وديع الصافي وغنت صباح وشهد مسرح بيت الدين أسماء من العالم كله، لكن الصفحة الأعمق في الذاكرة تبقى تلك التي مرت بها سفيرتنا إلى النجوم فيروز (…) التي دخلت القصر فارتفع القمر".

ونالت وهبة استحسانا حين غنت في "يوم وليلة" لوردة من ألحان محمد عبدالوهاب، وكذلك عتابا ومجموعة من الأغنيات من الريبرتوار اللبناني.

وتشاركت الثلاث غناء "حلوة يا بلدي" لداليدا، و"قارئة الفنجان" لعبدالحليم حافظ من كلمات الشاعر نزار قباني، حيث أظهرت كل واحدة منهن خصوصية حنجرتها وتفاعلن مع الموسيقى كلّ على طريقتها.

وفي ختام الحفلة وقف الجمهور وتحول كورسا وبصعوبة غادر ميدان القصر، طالبا المزيد، ولم تبخل المطربات عليه بأغنيات لبنانية خالدة للأخوين رحباني وزكي ناصيف وسواهم.

وتحوّل المسرح بعفوية إلى شبه اجتماع راقص للحكومة اللبنانية، إذ اعتلاه رئيسها نواف سلام وعدد من الوزراء الحاضرين، وشاركوا المطربات الثلاث مدى دقائق الغناء والدبكة الفولكلورية اللبنانية.