ليبيا تكشف أعداد مفقودي كارثة درنة في أول احصائية رسمية

الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين تعلن تسجيل 3297 مفقودا باستعانة بعينات الحمض النووي لتحديد هويتهم وتكوين قاعدة بيانات شاملة للضحايا.

طرابلس - أعلنت الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين الليبية، مساء الأربعاء، تسجيل 3 آلاف و297 مفقودا بكارثة الفيضانات التي ضربت مدينة درنة (شرق) قبل نحو عامين، في أول إحصائية رسمية لأعداد المفقودين.

ويأتي هذا الإعلان ليوضح جزءا من حجم الكارثة الإنسانية التي خلّفها الإعصار في 11 سبتمبر 2023، ويعد خطوة مهمة نحو حسم ملف الضحايا المفقودين، وهو ملف ظل يثير الكثير من التساؤلات والغموض.

ففي الأيام الأولى بعد الإعصار، كانت التقديرات تشير إلى أعداد هائلة من الضحايا والمفقودين، لكنّ غياب الأرقام الرسمية ترك العائلات في حالة من الانتظار المرير.

وقال رئيس الهيئة كمال السيوي، خلال مؤتمر صحافي عُقد في العاصمة طرابلس "سجلنا 3 آلاف و297 مفقودا من ضحايا إعصار دانيال، الذي ضرب مدينة درنة"، وفق ما نشرته الهيئة على منصة فيسبوك.

وأوضح أن الهيئة جمعت نحو "3 آلاف و78 عينة دم مرجعية وراثية وأحالتها إلى إدارة المختبرات التي انتهت بدورها من تحليلها بالكامل مع استكمال قاعدة البيانات الوراثية للضحايا، والبدء في تحليل عينات العظام بالنسبة للجثث مجهولة الهوية".

وأكد المسؤول أن الهيئة تعرفت على بعض الحالات وأحيلت إلى مكتب النائب العام، وسيجرى إعلان عن الأسماء في وقت لاحق، متطرقا إلى الإجراءات والخطوات التي اتخذتها الهيئة منذ بداية الكارثة، سواء بالمشاركة في انتشال الجثث أو أخذ العينات منها وتنظيمها وإعادة دفنها بطريقة شرعية بناء على تكليف من النائب العام.

وشدد على أن فرق الهيئة تواصلت مع جميع أسر الضحايا، خاصة النازحين من مدينة درنة إلى مدن أخرى، مع تشكيل عدة فرق لتجميع العينات المرجعية الوراثية الخاصة بالضحايا، بالإضافة إلى "جهد إضافي" بشأن الجثث التي دفنت بشكل عشوائي في الأيام الأولى من الكارثة، وهو ما يعكس الفوضى التي سادت المشهد في تلك الفترة الحرجة.

وتُعيد هذه الإحصائية إلى الأذهان حجم الكارثة التي هزّت ليبيا، حيث اجتاح في  سبتمبر 2023 الإعصار المتوسطي "دانيال" عدة مناطق شرقي ليبيا أبرزها مدن بنغازي والبيضاء والمرج وسوسة، بالإضافة إلى مدن أخرى من بينها درنة التي كانت المتضرر الأكبر بسبب انهيار سدي "البلاد" و"سيدي بومنصور"، اللذين كانا يحبسان المياه في "وادي درنة" الذي انطلقت منه المياه بقوة، جارفة كل ما في طريقها.

وكانت التقديرات المحلية أشارت إلى أن 8 في المئة من سكان درنة قتلوا أو فقدوا في الفيضانات، وتعرض ربع أحيائها للمسح من الخارطة، في مدينة يقدر عدد سكانها بنحو 200 ألف نسمة. بينما بلغ العدد النهائي للضحايا المسجلين 4540 شخصا بينهم 3964 مواطنا و576 أجنبيا، ولا يزال 8500 شخص في عداد المفقودين، وفق بيانات منظمة الصحة العالمية.

وقدرت مصادر رسمية ليبية عدد المباني المدمرة بالكامل في درنة بـ891 مبنى، وبشكل جزئي 211، ونحو 398 مبنى غمرها الوحل، كما تقدر المساحة الإجمالية للمنطقة التي غمرتها السيول والفيضانات في درنة بـ6 كيلومترات مربعة.

تزامنا مع جهود البحث عن المفقودين، بدأت عمليات إعادة الإعمار في المدينة، ففي سبتمبر الماضي، وقّع مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بلقاسم حفتر، عقودا جديدة مع شركة "المقاولون العرب" المصرية لتنفيذ مشروعين في درنة، في خطوة تهدف إلى إعادة الحياة للمدينة.

ويشار إلى أنه فور وقوع الكارثة سارع المجتمع الدولي لمساعدة ليبيا، حيث هبت 12 دولة وهي الإمارات ومصر والأردن والكويت وقطر وتونس والجزائر ومالطا وتركيا وإيطاليا، وإسبانيا وفرنسا، لتقديم الدعم الإنساني والإغاثي.

ولم تقتصر تداعيات الكارثة على الجانب الإنساني فحسب، بل امتدت لتشمل المساءلة القانونية. ففي 28 يوليو 2024، أصدرت محكمة جنايات درنة أحكاما بالحبس لمدد تتراوح بين 9 و27 سنة ضد 12 مسؤولا في قضية انهيار سدّي درنة، وفق بيان للنائب العام الصديق الصور. هذه الأحكام تُسلّط الضوء على الإهمال والفساد الذي قد يكون سببا في تفاقم حجم الكارثة، وتؤكد على ضرورة محاسبة المسؤولين عن التقصير في واجباتهم.

وبإعلان أعداد المفقودين رسميا، تضع الهيئة الليبية نقطة بداية لإنهاء حالة عدم اليقين التي عاشتها عائلات الضحايا. وفي ظلّ جهود التعرف على الجثث وإعادة إعمار المدينة ومحاكمة المسؤولين، تظل كارثة درنة جرحا غائرا في الذاكرة الليبية، يذكّر بضرورة تعزيز البنية التحتية وحماية المدن من الكوارث الطبيعية المحتملة في المستقبل.