ليبيا تودع الشاعر محمد المهدي

بقلم: محمد الأصفر
'الكتاب أقرب من فنجان القهوة'

غيب الموت الشاعر والإذاعي الليبي المخضرم محمد المهدي الخميس إثر تعرضه لحادث سيارة قبل ايام قليلة.

ويعتبر محمد المهدي من الشعراء الضالعين في اللغة العربية علاوة على صوته الاذاعي المميز واطلاعه الثقافي الواسع في مجال التراث العربي.
وكان المهدي من مشجعي المواهب الشابة خاصة في مجال الشعر والأخذ بأيديهم لتمكينهم من امتلاك الأدوات السليمة وصقل موهبتهم فكان يشرف على مهرجاناتهم ويقيم الأمسيات مع أصدقائه الشعراء في مدارسهم ويصحح لهم نصوصهم ويرشح الجيد منها للنشر في الإذاعة أو الصحف.
ويعرف عن المهدي صرامته القاسية في اللغة العربية مع كل المتعاملين معه من فنانين وإذاعيين وشعراء ولقد اشتغل مدة طويلة في الإذاعة الليبية وتخرج على يديه الكثير من المذيعين والمذيعات.
يتميز هذا الشاعر بالروح المرحة وبالنظرة التهكمية للحياة وباتخاذ ثقافة الحب مبدأ حياة له فلا تراه إلا منهمكا في قراءة كتاب أو داخل مكتبة يتفحص ويراجع الكتب وكثيرا جدا ما شاهدته داخل دار الكتب الوطنية وهو جالس في البهو أو واقف مع طالب جامعي يساعده في الحصول على الكتب والعناوين التي تساعده في إتمام رسالته الجامعية.

كثيرا ما رأيته واقفا أمام المكتبات القديمة يقلب في الطبعات القديمة لعدة كتب وكثيرا ما شاهدته مشاركا في أمسيات شعرية يقرأ فيها قصائده بصوته العذب الرخيم الخالي من الأخطاء والنموذج المثالي لحسن النطق ولحسن سلامة الألفاظ من اللحن أو التأثر باللهجات.. أينما كانت المكتبات كان هذا الرجل وإن كان جالسا في مقهى فحتما سترى الكتاب أمامه أقرب إليه من فنجان القهوة.
ويسألنى عن آخر كتاباتي وأقول له: ماشي الحال. وعندما أسأله عن دواوينه ولماذا لا يطبعها عن طريق مؤسسات الثقافة الليبية مثل أمانة الثقافة أو مجلس الثقافة العام أو الدار الجماهيرية كان لا يجيبني ويغير الموضوع وأعرف من صمته ومن هروبه اللبق أنه يقول لي "خلي التبن مغطي شعيره".
وداووين هذا الشاعر ظريفة صغيرة في حجم الكف أو في حجم قبضة القلب طبعها على نفقته الخاصة ووزعها بنفسه على المكتبات والذي أهداه منها لمحبي وعشاق الشعر أكثر من الذي باعه.
ويبقى الشعر ولا شيء غيره رسالته في الحياة التي مزقتها له على غفلة منه هذه الحياة الغادرة عبر معدنها الصدئ المشتعل المتمثل في سيارة كان من المفترض أن تعود به إلى بيته بعد رحلة عناء يومي يمارسها الشاعر محبة في الكتاب والفن ومصافحة للأصدقاء والصديقات وتنسم عميق لهواء البحر والفضاء.
لا ننسى أبدا مواقف هذا الشاعر الوطنية وللعلم كان هو المذيع الذي أذاع فعاليات المسيرة الوحدوية الليبية المتجهة إلى الحدود المصرية من أجل الوحدة الإندماجية في سبعينيات القرن المنصرم وكان آنذاك يقرأ حلم الوحدة العربية بتأثر ويواصل قراءة تطورات المسيرة الساعة خلف الساعة.
وماذا الآن بقى من حلم الوحدة العربية في ظل هذه الظروف الكابوسية السياسية التي يعيشها العرب والتي ستقتل كل الانتصارات التي حققتها الأمة في تاريخها المجيد.

وولد في مدينة اجدابيا عام 1942. ومن برامجه الأدبية الإذاعية والمرئي براعم الأدب، قول وقائل، كلمات في الميزان، حكايات أدبية، محكمة الشعراء، وما هو؟".
واجرى الراحل لقاءات مع عدد من ابرز الشخصيات السياسية والفنية والثقافية العربية من بينهم الرئيس جمال عبد الناصر، الموسيقار محمد عبدالوهاب، المطربة نجاة الصغيرة، الفنانون محمود المليجي، توفيق الدقن، شكري سرحان، سناء جميل والشاعر أحمد رامي.

وصدرت له دواوين شعرية: هكذا غنت العشرون، ديوان للحب والناس عام، هو الحب، أُحبكِ، أُحبكِ مرةً أخرى.
ستظل هذه الحياة تذكر هذا الشاعر وستظل مدينة بنغازي وكل تراب ليبيا يذكر هذا الشاعر وستظل المدارس والقاعات التي شدى فيها بشعره تستدعيه كلما أشرقت الشمس أو تسلل نور البدر من نوافذها.
هذا الشاعر الذي أخلص للكلمة وصان عمود الشعر وتفعيلاته وحافظ على اللغة العربية نطقا وكتابة وحلما ومنح جل خبرته للأجيال الجديدة التي لن تنسى ما سكبه من أنوار روحها في طريقها المملوء بحفر التجاهل واللا اهتمام.

محمد الأصفر
بنغازي- ليبيا