ليبيا وتشاد تفعلان 'خطاً ساخناً' في ظل التصعيد بالسودان
طرابلس/نجامينا – قال مسؤولون ليبيون وتشاديون إن البلدين وضعا خلال الأيام الأخيرة قنوات اتصال مباشرة أشبه بـ"خط ساخن" لتنسيق الجهود الأمنية في المناطق الحدودية مع السودان، في ظل التطورات الميدانية المتسارعة في دارفور عقب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر ومعظم الإقليم. ويأتي هذا التحرك في وقت تتصاعد فيه المخاوف من تدفق النازحين والمقاتلين والأسلحة المهربة عبر المثلث الصحراوي المشترك، ومن تنامي أنشطة تهريب السلاح والعناصر المسلحة التي تنشط في الفراغ الأمني الذي أحدثه الصراع السوداني.
وتشهد الحدود الجنوبية لليبيا، الممتدة مع كل من السودان وتشاد، حالة من استنفار متزايد، إذ تتوقع الأجهزة الأمنية موجات جديدة من الهجرة غير المنظمة وتسرب مجموعات مسلحة نتيجة تحول دارفور إلى نقطة اشتعال واسعة. هذا الوضع دفع طرابلس ونجامينا إلى تفعيل آلية اتصال مستمرة بهدف تبادل المعلومات الميدانية والتنسيق حول أي تحركات غير طبيعية قد تشكل تهديداً مباشراً لأمن البلدين.
وقال مسؤول عسكري ليبي وفق ما نقله موقع 'اخبار شمال افريقيا" إن "التنسيق بين قوات بلادنا والجيش التشادي تبلور منذ العام الماضي"، موضحاً أن هذا التعاون اكتسب زخماً إضافياً مؤخراً بعد تطور الأوضاع في السودان في إشارة للأحداث في الفاشر مشيرا إلى أن الهدف من هذه الجهود هو "صد أي تداعيات على أمن البلدين، خصوصاً عمليات نقل المقاتلين والسلاح".
من جهته، يرى الدكتور يوسف الفارسي، أستاذ العلوم السياسية، أن تجدد القتال في دارفور يعيد فتح ممرات النزوح والهجرة غير النظامية نحو ليبيا، عبر الأراضي التشادية التي تشكّل نقطة عبور رئيسية حيث يرى أن "الصراع المسلح في دارفور يدفع أعداداً كبيرة من السكان إلى البحث عن مناطق أكثر أمناً، وجزء من هؤلاء يتجه عادة نحو ليبيا عبر تشاد"، مشدداً على أن حركة النزوح لا تقتصر على المدنيين فقط، بل تمتد أيضاً إلى مجموعات مسلحة قد تحاول إعادة التموضع في المناطق الحدودية.
الصراع في دارفور يدفع أعداداً كبيرة من السكان إلى البحث عن مناطق أكثر أمناً
ونبه الفارسي من أن "النزاعات المطوّلة تخلق حركة غير منضبطة للمسلّحين، خصوصاً في المناطق القبلية المتداخلة بين ليبيا وتشاد والسودان"، مؤكداً أن هذه الديناميكية الخطرة تجعل التعاون الأمني بين الجانبين الليبي والتشادي "ضرورة قصوى" وليس مجرد خيار. ويضيف أن هذا التعاون يشكل "خط الدفاع الأول لحماية الاستقرار الداخلي في ليبيا"، لأنه يتيح مراقبة دقيقة للتحركات عبر الحدود وتعقب شبكات التهريب وممرات عبور الجماعات المسلحة.
ويأتي إنشاء "الخط الساخن" امتداداً لمسار تعاون أمني بدأ يتعزز منذ العام الماضي، وكان آخر محطاته اللقاء الذي جمع نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، صدام حفتر، بالرئيس التشادي محمد إدريس ديبي مطلع أغسطس/اب الماضي. وتركزت تلك المحادثات حينها على ملف تأمين الحدود المشتركة ومواجهة المخاطر المرتبطة بالأنشطة غير القانونية في مناطق العبور الصحراوية.
وتعد الحدود الليبية–التشادية واحدة من أكثر المناطق حساسية في المنطقة، بسبب الطبيعة القاسية للصحراء وصعوبة مراقبتها، إضافة إلى وجود جماعات متمردة وعصابات تهريب تتخذ من هذه المساحات الواسعة منطقة حركة. ومنذ عام 2019، عملت السلطات التشادية على نشر قوة أمن مشتركة في منطقة تيبستي شمال البلاد بهدف تعزيز السيطرة على الحدود مع ليبيا، خاصة في ظل تزايد نشاط المهربين والمنقبين عن الذهب والمجموعات المتمردة التي تتحرك بين البلدين.
وفي ليبيا، أطلقت القيادة العامة للجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر عملية عسكرية واسعة في 25 أغسطس/اب 2023 لطرد الحركات التشادية المسلحة من البلدات الجنوبية، بعدما امتدت اشتباكات بين الجيش التشادي ومجموعات التمرد إلى داخل الأراضي الليبية. وجاءت هذه العملية لتعزيز السيطرة على المناطق الحدودية ومنع تحول الجنوب الليبي إلى ساحة مفتوحة لصراعات دول الجوار.
وخلال السنوات الماضية، نفذت الحركات التشادية المسلحة عدة هجمات على مواقع تابعة للجيش الوطني الليبي، ما اعتبره مراقبون تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي، خاصة في ظل تقاطع خطوط التهريب بين السودان وتشاد وليبيا. وتخشى الأجهزة الأمنية الليبية من أن يؤدي انهيار الوضع الأمني في دارفور إلى تنشيط تلك المجموعات مجدداً، أو دفعها إلى البحث عن ملاذات جديدة في المناطق الحدودية الليبية.
ويبدو أن طرابلس ونجامينا تعيان جيداً خطورة المرحلة في ظل التغيرات الميدانية داخل السودان، ما يجعل التنسيق الأمني المتواصل ضرورة لحماية حدودهما ومنع انزلاق الأزمة السودانية إلى الداخل الليبي أو التشادي. ومع استمرار تدهور الوضع الامني في دارفور، تتزايد أهمية هذا التعاون لضمان عدم تحوّل المنطقة إلى مركز جديد لتجمع الجماعات المسلحة العابرة للحدود.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، قد يشكّل "الخط الساخن" بين ليبيا وتشاد خطوة أولى نحو بناء منظومة تنسيق إقليمي أوسع، تهدف إلى حماية الحدود الجنوبية لليبيا، وتعزيز الاستقرار في المناطق المتاخمة لسودان يعيش أحد أخطر فصوله منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عام.