لينين يكتب عن تولستوي وعصره

كتاب "تولستوي وعصره" يضم مقالات لفلاديمير إيليتش لينين يعالج فيها أعمال الأديب الكبير ليف تولستوي من وجهة النظر الطبقية.


لينين يؤكد أن تولستوي عظيم كمصورٍ للأفكار والمشاعر التي ظهرت بين ملايين الفلاحين الروس، في الوقت الذي كانت فيه الثورة البرجوازية تقترب في روسيا


الزعيم الروسي سعى جاهداً لإتاحة وصول الكتب والثقافة بكل أشكالها للعامة

يضم هذا الكتاب "تولستوي وعصره" مقالات لفلاديمير إيليتش لينين يعالج فيها أعمال الأديب الكبير ليف تولستوي من وجهة النظر الطبقية، صاغها في مناسبتين، المناسبة الأولى الذكرى الثمانون لولادته، والمناسبة الثانية وفاته والسجال الذي حدث حينها. واحدةٌ فقط من هذه المقالات صدرت عندما كان تولستوي على قيد الحياة، أما الباقي فصدرت بعد وفاته، أي بعد يوم 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1910. وقد اعتمد المترجم علاء سند بريك هنيدي على مصدرين في ترجمة هذا الكراس عن الإنكليزية، الأول يتمثل فى الأرشيف الماركسي باللغة الإنكليزية، والثاني هو كُرّاس تولستوي وزمنه.
ولفت المترجم إلى أن الباحثة آنيت روبينشتاين في ورقة نشرتها في عام 1995، قالت إن الاهتمام بلينين كقارئ للأدب يكادُ يكون غائباً عن الباحثين الماركسيين اليوم، بالرغم من أن ثوريين آخرين كجرامشي، ماركس وإنجلز بطبيعة الحال قد تمت دراستهما من هذا الجانب، وسال عن تأثُّرِهم وتأثيرهم بالأدب حبر كثير. إن الاهتمام الأدبي للينين ونظرته لهذا الإبداع الإنساني ترتبطان بشكلٍ كبير برؤيته للعالم، فيقول لغوركي في رسالةٍ بعث بها إليه في 25 فبراير/شباط 1908 إن الأديب يستطيع أن يغرف من أنّى يشاء أفكاراً تنفعه في عمله الفني، وفي حالة جوركي فهو يتمنى أن تعود أعماله بالنفع على الحزب العمالي، أي زيادة وعي أفراده للعالم.

تهجم تولستوي المتواصل على الرأسمالية، يشير إلى الرعب الذي يشعر به الفلاح البطريركي عند مجيء العدو الجديد غير المرئي وغير المفهوم 

ورأى هنيدي أن لينين سعى جاهداً لإتاحة وصول الكتب والثقافة بكل أشكالها للعامة، إن ذلك ضروري من وجهة نظره، فهذه الإتاحة تأتي في النقيض من حالة المنع والرقابة التي تفرضها السلطات القيصرية، أكثر من ذلك، إن تزويد الناس بالأدبيات الفنية والعلمية يعني أن وعي هؤلاء الأفراد لن يكون وعياً سطحياً، سوف يصبح الإنسان حسّاساً لما حوله، سيقوم بالتفاعل مع البيئة، باتخاذ موقفٍ من الحياة.
وحول علاقة لينين بتولستوي أشار هنيدي إلى أنه بالرغم من الصداقة التي تجمع غوركي ولينين فإن الأول ليس هو الأديب المفضَّل عند الثاني، ليس من المهم معرفة لماذا في هذا الصدد، ولكن لينين يرى في تولستوي أديبه الأثير، فتولستوي هو الواقعي "كأغلب أدباء ومفكري روسيا في عصره وما قبل"، لكن ما يجعله أثيراً لديه دون غيره، هو إبداعه الذي يكمن في حقيقة أنه يُعبِّر، بقوة لا يمتلكها سوى فنانين عباقرة، عن الانقلاب الجذري في وجهات نظر أوسع جماهير الشعب في روسيا في هذه الفترة، أي، الفلاحين وأبناء الريف الروسي. كذلك فإن تولستوي لم يكن فقط أديباً أو فناناً بالمعنى المحدود للكلمة، بل كان ناقداً ومعارضاً، هذه ميزة ترفع من رصيده لدى لينين، كان تولستوي ناقداً للتخلف وللجهل، معارضاً للحكومة التي تبني وجودها على هذا التخلف وهذا الجهل، معارضاً للاستبداد وللاستغلال، لقهر الإنسان للإنسان، هذه النظرة هي النظرة الاشتراكية، لكن ظروف تولستوي ووضعه لم يسمحا له، بتجاوز التعاطي الانفعالي والوعظي/الخطابي مع هذه المشاكل، فأتت اشتراكيته طوباوية.
وأضاف "في ذكرى وفاته، يكتب لينين: لقد توفي تولستوي. تعكس أهميته العالمية كفنان وشهرته الواسعة كمفكر ووَاعِظٍ، الأهمية العالمية للثورة الروسية"، وفي نظره فإن تولستوي يمثل مرآة هذه الثورة، تجسيد تناقضات عصره، أي التناقضات التي فجَّرت الثورة، ولكن اهتمام لينين بتولستوي وتقديره له، لا يعني البتة أنه أهمل آخرين من العِظام في الأدب الروسي والعالمي، فتشير كروبسكايا إلى أن "لقد تفاجأت في منفاي أنا ولينين في سيبيريا بأنه مُطلّعٌ ليس فقط على الأدب الروسي. بل كذلك العالمي، لقد أحب من الروس، بوشكين وتورغينيف ونيكراسوف وتولستوي وتشيرنشيفسكي وآخرين"، وفي المقالات التي بين أيدينا سيتوسع فهم القارئ لهذه العلاقة بين الثوري والأديب. 
وقال هنيدي في مقدمته للكتاب الصادر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر "إن حياة تولستوي المثيرة، وأدبه العبقري، وعلاقاته مع البيئة المحيطة به ومؤسساتها، لم تنته بوفاته، اليوم بعد أكثر من 100 سنة على مغادرته هذه الدنيا، فلا يزال حاضراً، مشاكله مع الكنيسة، الكنيسة التي عادت اليوم في روسيا للقيام بدورها المقزز السابق، ما زالت مستمرة، ففي مقالٍ نشرته جريدة النيويورك تايمز عنونته "ما زال تولستوي يُعامل بازدراء في روسيا" يرد أن مع ذكراه المئوية التي للأسف مرت دون أي احتفاء رسمي أو شعبي، كما أن الكنيسة التي قد حرمته قبل أكثر من مائة عام مازالت عند موقفها! أيُّ تخلفٍ هذا؟ إنه تواطؤ بين الأعداء القدامى لتولستوي، الكنيسة تحرمه والحكومة/ القيصر تحجبه عن الناس، وروسيا اليوم ترفض الكنيسة إعادة النظر في قرارها القديم، والحكومة الروسية تتجاهله، إنه التحالف القديم الجديد. وفي الاتحاد السوفييتي لم يكن الأمر على ما هو عليه، فبالإضافة لنشر أعماله الكاملة لأول مرة في ظل العهد السوفييتي، وإعادة نشر أعماله أكثر من مرة، وإتاحتها للناس، كان هناك اهتمامٌ سينمائي بالأعمال الأدبية، حصلت معه أعمال تولستوي على حضورٍ بارز على الشاشة الكبيرة، وفي ذكرى الخمسين لوفاته ابتدأت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي بالتحضير لهذا الحدث قبله بسنتين، وعرضت له تمثالاً كبيراً واحتفالاً يليق بأديب روسيا العظيم".
رأى لينين في مقالاته أن التناقضات في أعمال تولستوي، وجهات نظره، عقائده، وفي مذهبهِ، في الواقع صارخة. فمن ناحية، لدينا الأديب الأريب، ذلك العبقري الذي لم يخط قلمه فقط صوراً لا تضاهى للحياة الروسية، بل قدم مساهماتٍ من الدرجة الأولى في الأدب العالمي. من ناحية أخرى، لدينا المالك العقاري المهووس بالمسيح. من جهة، لدينا ذلك الاحتجاج الألمعي والمباشر والصريح ضد الزيف والنفاق الاجتماعي. ومن جهةٍ أخرى، لدينا "التولستوُيُّ"، أي الشخص المتباكي الهستيري المُنهَك، الذي يُدعى المثقف الروسي، الذي ينوح ويولول: "أنا رجل شرير وسيء ، ولكنني أمارس الكمال الذاتي الأخلاقي. أنا لن آكل اللحوم بعد الآن، أنا الآن أتناول الأرز". 
ومن جهة، انتقاد لا رحمة فيه للاستغلال الرأسمالي، وكشف لانتهاكات الحكومة، وإدارة الدولة، والمحاكم السخيفة، وإماطةُ اللثام عن التناقضات العميقة بين نمو الثروة وإنجازات الحضارة وبين نمو الفقر والتدهور والبؤس بين الجماهير العاملة. ومن ناحية أخرى، الوعظ المعتوه بالخضوع، "لا يقاوَمُ الشر" بالعنف. من جهة، الواقعية الرصينة، وتمزيق كل الأقنعة المتنوعة؛ من جهة أخرى، الوعظ بواحد من أكثر الأشياء البغيضة على وجه الأرض، أي الدين، والسعي إلى استبدال الكهنة المُعيَّنِين رسمياً بالكهنة الذين سيخدمون بدافع القناعة الأخلاقية، أي، لاختيار الأكثر تنقيةً، وبالتالي وعلى وجه الخصوص، كهنوتاً مثيراً للاشمئزاز. يقيناً:
"أنتِ فقيرة، مع أنَّكِ وافرة
أنتِ عظيمة، لكنكِ عاجزة – أيتها الأم روسيا!".

وأوضح لينين أن تولستوي وبسبب هذه التناقضات ليسَ بإمكانِه فهمَ حركة الطبقة العاملة، ولا دورها في النضال الاجتماعي، وغَنِيٌّ عن القول: أن ليس باستطاعته فهم الثورة الروسية. لكن تناقضاته ليست عرَضية؛ بل هي تعبيرٌ عن تناقضاتِ الحياة الروسية في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. فقد تم تسليم الريف البطريركي الخارج للتو من نير نظام القنانة للرأسماليين وجامعي الضرائب حتى يسلبوه وينهبوه. فالأسس القديمة للاقتصاد الفلاحي والحياة الفلاحية، الأسس التي وجِدَت لقرون، قد تم تمزيقها إرباً وبسرعةٍ استثنائية. 
ولا يجب تقييم وجهات نظر تولستوي من منظور الحركة العمالية اليوم واشتراكية اليوم، هكذا تقييم مطلوب بالطبع، لكنه غيرُ كافٍ، بل من وجهة نظر الاحتجاج ضد الزحف الرأسمالي، وضد الاعتداء على الجماهير، تلك الجماهير التي طُرِدَت من أرضها – احتجاجٌ وجب أن يظهر من الريف الروسي إيَّاه -. يبدو تولستوي سخيفاً كنبي، الذي اكتشف ترياقاً جديداً لخلاص البشرية، وبالتالي فإن "التولستويين" الأجانب والروس الذين سعوا إلى تحويل الجانب الأضعف من عقيدته إلى دوغما، لا حاجة للحديث عنهم.
وأكد لينين أن تولستوي عظيم كمصورٍ للأفكار والمشاعر التي ظهرت بين ملايين الفلاحين الروس، في الوقت الذي كانت فيه الثورة البرجوازية تقترب في روسيا. تولستوي مبدع، لأن مجموع وجهات نظره، مأخوذةً مع بعضها، تُعَبِّر عن السمات المحددة لثورتنا كثورة برجوازية فلاحية. ومن وجهة النظر هذه، فإن التناقضات في آراء تولستوي هي في الواقع مرآة لتلك الظروف المتناقضة التي اضطر فيها الفلاحون إلى لعب دورهم التاريخي في ثورتنا. من جانب، أدت قرون من الاضطهاد الإقطاعي، وعقود من الإفقار المعجَّل بعد الإصلاح، إلى تكديس جبال من الكراهية والاستياء والعزيمة اليائسة. السعي إلى إبعاد الكنيسة الرسمية تماماً، ومالكي الأرض، وحكومة مُلّاك الأرض، لتدمير جميع الأشكال القديمة وأساليب ملكية الأرض، من أجل تطهير الأرض، واستبدال دولة البوليس بمجتمع من الفلاحين الصغار المتساوين الأحرار، هذا السعي هو الفكرة الرئيسية لكل خطوة تاريخية اتخذها الفلاحون في ثورتنا. ومما لا شك فيه، أن رسالة كتابات تولستوي تتفق مع هذا السعي الفلاحي أكثر من اتفاقها مع مجرد "الأناركية المسيحية"، كما تُقيَّم "منظومة" وجهات نظره (أي من جانب مسيحاني - المترجم) في بعض الأحيان.
وفي مقال آخر اعتبر لينين أن أعمال تولستوي تعبِّر بدقة عن كلٍ من القوة والضعف في حركة الجماهير الفلاحية، عن الجبروت والمحدودية. إن احتجاجه المُتَوَقِّد والعميق والقاسي في بعض الأحيان ضد الحكومة والكنيسة الرسمية التي كانت في تحالف مع الشرطة، عَكَسَ مزاج الديمقراطية البدائية للجماهير الفلاحية، لقد تراكم خلال قرون من القِنانة، ومن الحكم اللصوصي، ومن تصرفات الكنيسة الماكرة والمخادعة، جبالٌ من الغضب والكراهية. تعكس معارضته الحازمة للملكية الخاصة للأرض الحالة النفسية لجماهير الفلاحين خلال تلك الفترة التاريخية، التي تبين فيها أن أشكال الملكية البالية والقروسطية (الملكية الحكومية والملكية الكبيرة للأرض) تقف تماماً كعائق في وجه تطور البلاد، لذا يجب تدميرها بلا رحمة وبدون أي إبطاء.
وقال إن تهجم تولستوي المتواصل على الرأسمالية، وهي تهجمات يتخلل معظمها المشاعر العميقة والاستياء الشديد، يشير إلى الرعب الذي يشعر به الفلاح البطريركي عند مجيء العدو الجديد غير المرئي وغير المفهوم الذي يأتي من مكان ما في المدن، أو من مكان ما في الخارج، ويهدم جميع "أسس" الحياة الريفية، مخلًّفاً في طريقه دماراً غير مسبوق، وفقراً، ومجاعة، ووحشية، والبغاء، والزهري ـ جميع المصائب التي تحققت "في زمن التراكم بدائي"، تفاقمت مائة ضعف عن طريق الزرع في التربة الروسية الطرق الأكثر حداثة للنهب التي وضعها مسيو كوبون الجبار. إلا أن البروتستاني المتحمس، والمهاجم المِقدام، والناقد العظيم، يُظهِرُ في نفس الوقت في أعماله الفشل في فهم أسباب الأزمة التي تحيق بروسيا، والوسائل اللازمة لتفاديها، إنها بحق صفات الفلاح البطريركي الساذج، لا صفاتَ كاتبٍ بتعليمٍ أوروبي. ارتد صراعه مع شرطة الدولة الإقطاعية، ومع الملكية، إلى رفض ممارسة السياسة، مما قاده لتبني عقيدة "لا مقاومة الشر"، وإلى الانعزال الكامل عن النضال الثوري للجماهير في 1905-1907. لقد خلطَ القتال ضد الكنيسة الرسمية بالتبشير لدينٍ جديد، مُطهَّر، وهذا يعني، سُمَّاً جديداً، مكرراً، ومعادًا تدويره للجماهير المظلومة. لم تؤد معارضة الملكية الخاصة للأرض إلى تركيز النضال ضد العدو الحقيقي ـ ملكية الأرض وأداتها السياسية في السلطة ـ أي المَلَكية، بل أدت إلى نواح حالم، مسهبٍ وعاجز. فضح الرأسمالية والكوارث التي تلحقها بالجماهير كان مصحوباً بموقفٍ لا مبالٍ كلياً تجاه النضال العالمي من أجل التحرر الذي قامت به البروليتاريا الاشتراكية الدولية.