مأزق الرهان على الهوية الطائفية

بالرغم من تراجع النفوذ الإيراني، فإنه من الحماقة السياسية تجاهل حقيقة أنّ إيران ما زالت لاعبًا لا يُستهان به في المنطقة.

الرهان على الهوية الطائفية، أو انتظار أن تُمطر السماء العراقية منًّا وسلوى أميركيًا، هو الملاذ الأخير للقوى التي زجّت جماهير العراق في أزماتها منذ الغزو والاحتلال عام 2003، وذلك في الانتخابات المقرر إجراؤها في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
ورغم كل التصعيد الدعائي والإعلامي بأن هذه الانتخابات ستكون مفصلية في المشهد السياسي العراقي، وأنّ أميركا ستفك ارتباط العراق بالمحور الإيراني عبر مبعوثها الجديد مارك سافاريا، وأن الحكومة المقبلة ستتشكل فورًا بفضل "الساحر الأميركي الجديد"، فإن كل ذلك ضرب من الخيال أكثر مما هو تمنيات في الإطار الدعائي، وما ينتج عنه إبقاء جماهير العراق المتطلعة إلى الحرية والمساواة والرفاه في حالة انتظار.

الجديد في هذه الانتخابات، التي تُدقّ لها الطبول الإعلامية باعتبارها انتخابات "نقطة حسم"، عاملان: تغيّر الإستراتيجية الأميركية وعودتها بقوة إلى المنطقة ومحاولتها إعادة التموضع في الشرق الأوسط والعراق جزء أساسي منه، عبر فكِّ ارتباط العراق عن المحور الإيراني. والعامل الثاني هو خوف القوى الشيعية الدائرة في الفلك الإيراني من العقوبات الأميركية واحتمال فرض بديل "سنّي"، أو كما يُسوِّقون له، إعادة البعثيين القدامى أو أي طرف آخر موالٍ بالمطلق لواشنطن إلى رأس السلطة.

بمعنى آخر، كلّ المتنافسين من "الإخوة الأعداء" في البيت الشيعي، بمن فيهم السوداني الذي أدلى بتصريح مفاده عدم نزع سلاح الميليشيات إلا بعد انسحاب قوات التحالف الدولي، وهي طمأنة انتخابية ودغدغة سياسية للميليشيات ومحاولة لشراء الوقت حتى انتهاء الاقتراع، إلى جانب مناورة عسى ولعل يحصل على ضمانة لولاية ثانية بدعمها، يسعون لإعادة إنتاج أنفسهم سياسيًا والحفاظ على مواقعهم، لأنّ الجميع يدرك أنّ تراجع النفوذ الإيراني ليس العامل الوحيد، فالوضع الداخلي الإيراني هشّ، والنظام يعاني أزمة اقتصادية وانقسامًا سياسيًا عميقًا.
وإحدى المعطيات المادية هي تجميد قانون الحجاب الإجباري على النساء وإلغاء شرطة الآداب، وهو ما لم يُسلَّط عليه الضوء بشكل تحليلي وافٍ لتداعياته، باعتباره أحد مؤشرات بدء مرحلة تفكك الجمهورية الإسلامية على الصعيد الاستراتيجي. فكما نعرف، على مدى أربعين عامًا من عمر الجمهورية الإسلامية، كان فرض الحجاب على النساء واعتقالهن والحكم على الآلاف منهن بالعقوبات والغرامات المالية، وآخرها الاحتجاجات التي اندلعت بعد مقتل مهسا أميني في مراكز الاعتقال إثر نزع حجابها، جزءًا من هوية الجمهورية الإسلامية ورمز بقائها وإحدى ركائزها الأساسية.
اليوم، يعترف المسؤولون في إيران بأنّ هناك 10 في المئة فقط من الشعب الإيراني متدينون، أمّا 90 في المئة على حدّ قول محمد باهنر، عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام، فيطمحون إلى العيش بحرية ودون قيود، وهو ما أثار غضبًا واسعًا داخل الطبقة الحاكمة في إيران.

وفضلاً على ذلك، يدرك النظام الإيراني خطورة اللحظة، وأنّ العاصفة التي بدأت من غزة لم تصل إليه بالكامل بعد، لذا يستعد لترتيب أوراقه، ومن ضمنها التسريبات الإعلامية حول تعبئة الميليشيات والجماعات الموالية له في العراق كعمق دفاعي وورقة تفاوضية لحماية بقائه.

كما تأتي تهديدات نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله اللبناني، بالذهاب إلى حرب أهلية في حال محاولة نزع سلاح الحزب، في سياق ترتيب تلك الأوراق. وهذا يوضح أنه، بالرغم من تراجع النفوذ الإيراني، فإنه من الحماقة السياسية تجاهل حقيقة أنّ إيران ما زالت لاعبًا لا يُستهان به في المنطقة.

المهم أنّ المشكلة الحقيقية لا تكمن في الانقسامات التي تبدو ظاهريًا من خلال نزول أطراف "الإطار التنسيقي" بشكل منفرد في الانتخابات؛ ففي كلّ الانتخابات السابقة خاضت أطرافه المنافسة بصورة منفصلة، ثم التحمت بعد ذلك تحت قبة البرلمان لتطلق ما يطيب لها من عناوين مثل "البيت الشيعي". إنّ جوهر الأزمة يكمن في غياب إستراتيجية موحّدة للخروج من المأزق الذي وضعتها فيه الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط. فهذه القوى باتت بين مطرقة أمريكا وسندان إيران، وكل طرف داخل الإطار التنسيقي يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه أو النجاة بجلده من هذا المأزق.

وفي ظل هذه التحولات، نجد تسخين بازار الشعارات الطائفية في هذه الانتخابات، وهو تحصيل حاصل وليس نتاج التنافس الانتخابي، بل جزء من الاستعداد للتعبئة الاجتماعية والسياسية لقادم الأيام التي تنتظرها البلاد بعد الانتخابات؛ فمنهم من يعيش بخوف وريبة على مستقبله مثل القوى الإسلامية الشيعية الموالية لإيران، ومنهم من ينتظر بفارغ الصبر للاحتفاء بالانتصار المرتقب مثل القوى السنية المدعومة من المحاور الإقليمية الأخرى.

وما يثير السخرية في هذه الشعارات الطائفية التي تتنافس عليها القوى السياسية بإنفاق ملايين الدولارات مجهولة المصدر، على سبيل المثال شعار "لا تضيّعوها" لتحالف قوى الدولة بقيادة عمار الحكيم — أي لا تضيّعوا السلطة من يد "الشيعة" — وكأنّ مَن وُصِموا بالتصنيف الشيعي عنوة، وهم عمّال ونساء وشباب ومثقفون أحرار عاشوا بنعيم سلطة الأحزاب الشيعية التي حكمت منذ أكثر من عقد ونصف وتنعموا بثروات مناطقهم من النفط والغاز وريع الموانئ، وليسوا هم من خرجوا في انتفاضة أكتوبر 2019 لكنس تلك الأحزاب وميليشياتها وإعادتهم إلى كهوف العصر الحجري.
وشعار "نحن أمة" لقائمة التقدّم بقيادة محمد الحلبوسي، أي أنّ "السنّة" لن يتنازلوا عن حصتهم في الوقت الذي تئنّ فيه الآلاف من النازحين والمناطق التي هُجِّروا منها منذ اجتياح عصابات داعش دون أن يحصلوا على التعويضات أو تُعاد لهم ممتلكاتهم أو يُؤمَّن مستقبلهم، أو يُطلَق سراح الآلاف من الأبرياء المحتجزين بتهمة التعاون مع داعش، أو يُوضَع حدٌّ للإخفاء القسري، أو يُسمح لهم بالعودة إلى مناطقهم. وبين هذه الشعارات، تتبادل الأطراف البيانات والتصريحات التي تبثّ الخوف بين الجمهور المُصنَّف شيعيًا من السنّة، وبالعكس.

أمّا أزمات العراق الجوهرية: جفاف دجلة والفرات وتهديد معيشة أكثر من 4 ملايين إنسان بين موظفين وعمال بسبب احتمال هبوب عاصفة الأزمة الاقتصادية إثر انخفاض أسعار النفط، والانهيار التعليمي والخدمي، والبطالة التي تزداد سنويًا بنحو ربع مليون خريج، فليست ضمن حسابات هذه الطبقة الحاكمة التي لا تملك سوى إعادة بثّ القيح الطائفي في المجتمع لحماية نفوذها وامتيازاتها وبقائها في السلطة.

بيد أنّ ما لا يسرّ هذه الطبقة الطفيلية أنّ وعي الجماهير اليوم أعلى بكثير، ولن تنطلي عليها اللعبة الطائفية مجددًا؛ فالتراجيديا الطائفية التي بدأت بعد عام 2003 تحولت اليوم إلى مهزلة حقيقية، ولن تُسعفها لا في الانتخابات ولا بعدها.