مؤتمر ميونخ للأمن ومعادلة عراق اتحادي وإقليم قوي

بانتظار ما ستؤول اليه الاوضاع في مدينة عفرين السورية والاختلاط الكبير للاوراق والملفات المتشابكة والمعقدة في سوريا، ربما ستتوضح الصورة اكثر وتلمع خطوات الحل او تعليمات الخروج من النفق المسدود وعمليات الانتحار الجماعية التي جرت في كلا البلدين الجارين العراق وسوريا وما يجري في ليبيا واليمن ليس ببعيد عن الجميع، هذه الصور ليست قاتمة او نظرة متشائمة بقدر ماهي توصيف للواقع الذي آلت اليه الامور في الشرق الاوسط الغارق في مشكلات وازمات يتحمل قسطها او سببها الرئيسي ابناؤه وجيرانه والعالم القريب والبعيد ايضا.

ان ما تم نشره وتداوله عن حالة الشرق الاوسط بعد مؤتمر ميونخ للأمن في دورته الـ54 الذي عقد ايام 16-18 فبراير 2018 وهو من أهم المؤتمرات التي تم فيها تناول القضايا الأمنية الدولية والإقليمية وشارك فيه نحو 600 شخص في مناقشة السياسات الأمنية والدفاعية في العالم بينهم 21 رئيس دولة وحكومة، و75 وزير خارجية ودفاع، وشارك فيه العراق بوفد رسمي برئاسة الدكتور حيدر العبادي رئيس مجلس الوزراء كما شارك اقليم كردستان بوفد حكومي وامني برئاسة نيجرفان بارزاني رئيس وزراء اقليم كردستان ومسرور بارزاني مستشار امن الاقليم، يدق ناقوس الخطر ويحذر من انسداد أفق الأزمات، فالنظام الدولي بلغ حافة الهاوية بفعل التوتر والأزمات المعقدة والمتداخلة في الشرق الأوسط، وتراجع الغرب نسبياً والتوتر مع روسيا، وتصاعد دور الصين والتنافس بينها وبين الولايات المتحدة من أجل السيطرة على أسواق العالم.

تصريحات رئيس المؤتمر ولفغانغ ايشينغر عن أن "التحسن في العديد من المناطق لم يتجسد في تعزيز الديمقراطية والحرية اللتان تواجهان التحديات والتهديدات لان الغرب أضعف مما كان عليه، وتهدده أزمات اللاجئين والمشردين"، وامام تراجع النظام الدولي، تبدو الأمم المتحدة عاجزة عن التأثير على الأزمات الحادة في شبه جزيرة كوريا الشمالية والشرق الأوسط.

كما رسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس صورة قاتمة للأزمات التي تهز استقرار منطقة الشرق الأوسط. ورأى أنها "أزمات معقدة ومتداخلة، وأي تصعيد في أي منها قد يؤدي إلى عواقب كارثية"، وأبدى تشاؤمه بالنسبة لأزمة اليمن، حيث اعتبر أن "لا حل في الأفق القريب"، وأن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني "في مأزق"، كما حذر خبراء الشؤون الدولية من أن "تراجع النظام الدولي يخلق فراغاً خطيراً قد تملأه قوى صاعدة ومتنافسة في ما بينها، وأن تراجع النظام الدولي قد يعني أيضاً تقلص مساحات الحرية والقانون الدولي."

ان عرض كل هذه المخاطر والمشاكل المتعلقة بالأمن وفي العالم وكل الأمور المتصلة به، دون أن يطرحوا حلولًا كافية أو خطوات عملية يمكن أن "تؤدى لتحسن في وجهات النظر القاتمة للعالم"، وهو ما يضع الجميع امام مهمة عاجلة ومهمة وهي ضرورة البحث عن السلام وضرورات العيش المشترك بما يبعد عنا شبح الحرب الشاملة او حتى مقدمات حرب عالمية جديدة تهدم وتحطم ما بقي من بناء وجسور ومدن يفقد ابنائها يوميا كل بوادر الامل ومقومات الحياة البسيطة والاساسية وهم مع كل ذلك راضون بالحد الادنى من المعيشة والبقاء لانهم يخشون ما هو اقسى واسوأ.

في العراق واقليم كردستان علينا جميعا البدء بمراجعة حقيقية للذات والافكار والمعتقدات بل وحتى المُسلمات التي نظن احيانا انها ثوابت لا يجوز العدول او التحرك بعيدا منها، فلا يوجد اقدس واعظم من الانسان والحفاظ على حياته وحريته كرامته وسلامته وامنه واستقراره وديمومة حياته في الوطن.

العراق اولاً ليس شعاراً نريد طرحه او رفعه بقدر ما هو واقع علينا السعي اليه وتقديمه على كل الشعارات بعد ان تبين ان كل الهويات والانتماءات اذا ما تم التمسك بها وتقديمها فانها لا بد ان تؤدي الى بذر عوامل الصراع والحرب.

عراق اتحادي يحكمه دستور دائم يتفق ابناؤه على الالتزام به وتنفيذ مواده من دون انتقائية او تهميش او اهمال لبعض مواده عن اخرى وهو كما عرفته المادة (1) دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي"برلماني" ديمقراطي، وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق، واقليم قوي حسبما قررته المواد (116 و117 و121) يحتفظ بكيانه الدستوري وخصوصيته القومية المنفتح على غيرها من مكونات العراق بحيث يعود كما كان نموذجاً للاقليم الآمن المستقر والمتقدم والمتعايش والمتسامح مع نفسه ومع الآخرين.