ماذا لو غيّرت الأعمال الإبداعية مؤلفيها؟

المفكر الفرنسي بيير بايارد يدفع الكتب لتغيير مؤلفيها مثلما قدم من قبل كيف تتحدث عن الكتب التي لم تقرأها بعد؟


قراءة "الأوديسة" باعتبار أن مؤلفتها امرأة لن تحدث اختلافا كبيرا في النص


موليير لم يكن كاتبا معروفا ولم يترك خلفه أية مخطوطات لأعماله


تعديل الاسم كان محاولة لتخليص النص من القراءات المسبقة

القاهرة ـ من أحمد رجب

"بيير بايارد" مفكر ومحلل نفسي فرنسي، يعمل أستاذا للأدب بجامعة باريس، اعتاد على تقديم كتب مثيرة للجدل، يمنحها دائما عنوانا طريفا يبدأه بأداة إستفهام، ويتعمد أن يبدو وكأنه يمارس لعبة نقدية مثيرة، مثل: كيف تستطيع تجويد الأعمال الأدبية السيئة؟ وكيف تتحدث عن الكتب التي لم تقرأها بعد؟
"بايارد" في كتابه الجديد "ماذا لو غيّرت الأعمال الإبداعية مؤلفيها؟"، الذي ترجمه محمد أحمد صبح، وصدر عن دار نينوى، لا يتحدث، كما قد يوحي العنوان عن الأثر الذي يمكن أن يتركه العمل الأدبي في نفس مؤلفه، فيغير منه، بل يجيب عن سؤال طريف كعادة أسئلة بايارد، وهو: "ماذا لو استبدلنا مؤلفاً بمؤلف آخر، قد يبدو أكثر ملاءمة للعمل الأدبي؟".
فكرة وهمية
يقر الكاتب بوجوب إحداث هذا التغيير أو التبديل للمؤلفين، ويعدد ابتداء من الصفحة الأولى تلك الأسباب الموجبة له، وأولها أننا لا نعرف المؤلفين جيدا، لذا تبقى فكرة الإخلاص لهم وهمية تماما، وإذا كنا غالبا نعوض المؤلف الذي لا نعرفه بالشخص المادي الذي يختفي وراءه، فلم لا نتقدم خطوة أخرى ونستبدل به مؤلفا آخر قد يكون أكثر ملاءمة للعمل؟
وحتى لو كانت نسبة العمل الأدبي لغير مؤلفه خطأ، فلم لا يكون مثل الخطأ الذي ارتكبه كريستوفر كولومبوس فقاده إلى اكتشاف قارة جديدة كانت مجهولة. فقد يكون هذا التصرف بالمؤلفين إبداعا يفيد النصوص بإبراز معان غير منتظرة، ما كان لها أن تظهر لولا إحداث ذاك التغيير، الذي يكتسب مشروعيته من الحق في التخيل، ويعتبر هذا التغيير الذي يسوغه المؤلف وجها آخر للتغيير (أو التجويد) الذي اقترحه في كتابه الأول "كيف تستطيع تجويد الأعمال الأدبية السيئة؟"، فقد ذهب فيه إلى أن إحداث تغييرات ضرورية في النصوص بقصد تحسينها لا يعد خيانة للمؤلف، وهو هنا يتبني الموقف ذاته لكن بحق "المؤلف" لا "النص".
ويرى في اتخاذ بعض المؤلفين لأسماء مستعارة نوعا من الجرأة في التصرف فيما يخصهم، وهنا يدعو النقاد لممارسة جرأة مماثلة بكسر تابو "المؤلف" بكل ما أحيط به من هالات التحريم والتعامل معه كأسطورة، دون الشعور بذنب الانتهاك.
المؤلف الخيالي
أول نموذج يمارس عليه بيير بايارد لعبته هو "الأوديسة"، معتمدا على كتاب صدر في نهايات القرن التاسع عشر، وهو "مؤلف الأوديسة" للروائي الإنجليزي صموئيل بتلر – الذي يعرف العالم الإغريقي جيدا بحسب بايارد –  وقد بدأ بتلر كتابه بالتأكيد على اختلاف نبرتي "الإلياذة" و"الأوديسة"، بما يؤكد أنهما ليس لمؤلف واحد، بل ويشكك في كون مؤلف الأوديسة رجل، ففيها تغليب للمشاغل الأنثوية، وتصور أمومي للعلاقات بين البشر.
وبالرغم من أن قراءة "الأوديسة" باعتبار أن مؤلفتها امرأة لن تحدث اختلافا كبيرا في النص، كذلك يذهب بايارد إلى أن  إدوارد دي فير، هو من كتب "هاملت"، وأن اسم وليم شكسبير مؤلف خيالي "نصنعه من مسرحياته والتمثلات التي تدور حولها، فشكسبير بالفعل اسم علم بقدر ما هو كناية يوضح شرحها سريعا أنها ترجع إلى المؤلف الخيالي أو مجموعة من الصور التقريبية للمؤلف الحقيقي".
في السياق نفسه يشير المؤلف إلى مقال نشره بيير لويس في عام 1919، بعنوان " موليير هو تحفة أدبية لكورنيل"، وذهب فيه بعد تحليل دقيق لأشعار كورنيل إلى أنه كان كاتبا أجيرا عند موليير، ويؤيد أنصاره رأيه بأن موليير لم يكن كاتبا معروفا حتى بلغ الأربعين من العمر، وأنه لم يترك خلفه أية مخطوطات لأعماله.
ونظرا لأن اهتمام بيير بايارد بالقيمة الجمالية وليس بالحقيقة التاريخية فإنه لم يمِل إلى ترجيح كفة أي قول في الحالات التي تناولها، لكنه يجد فيها سندا قويا لرأيه القائل بضرورة الفصل بين المؤلفين الثلاثة: الحقيقي والداخلي والخيالي.
تغييرات جزئية
"لقد صنعت لي صورة، وربما توافقت معها لا شعوريا، لقد كان الأمر سهلا: فالصورة جاهزة، وما كان على إلا أن أتخذ مكاني".
هذه الصورة التي أسهم رومان جاري نفسه في تكوينها، كانت امتدادا خفيا للصورة التي اختلقتها أمه وبثتها فيه منذ طفولته، وهي صورة متخيلة مستمدة من رواية حقيقية كتبتها الأم، وتخيلت فيها أدوارا بطولية لابنها، وقد تماهى الإبن مع رغبات أمه. لكنه آمن بأن تلك الصورة المثالية يمكن أن تجمده في هوية مصطنعة قد تمنع القراء من تلقي أعماله بوصفه مؤلفا آخر غير مقيد بصورة مستعارة، لذا إخترع شخصية "إميل آجار" ونشر باسمه أربع روايات نال عن إحداها جائزة الجونكور قبل أن يضيق بالهوية المصطنعة ويتخلص منها في كتابه "حياة وموت إميل آجار". 
وكان دافعه لذلك هو نفس دافعه لاختلاق الشخصية أصلا، "التخلص من الصورة المختزلة". لكن بايارد يرى أن تعريف المؤلف بنفسه وكشف النقاب عن هويته الحقيقية كان قمة الإخفاق. فتعديل الإسم كان محاولة لتخليص النص من القراءات المسبقة. فالتغيير الذي أجراه رومان جاري على اسمه كان جزئيا. تماما كما فعل فيرنون سوليفان حينما استعار لنفسه شخصية كاتب أميركي في رواية "سأذهب للبصق على قبوركم"، كذلك يرى بايارد أن نقل لويس كارول من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين ليجعل منه وريثا للسوريالية وللتحليل النفسي، يمكن أن يكون إدراجا في المنظور الزمني. لكنه معتاد حيث يود الكاتب تحسين صورته الذاتية.
الغريب لكافكا
ماذا لو تم تحويل أعمال مؤلف إلى مؤلف آخر؟ تلك هي التغييرات الجذرية التي يريدها بايارد، فيقرأ الغريب كما لو كان مؤلفها فرانز كافكا.
تتشابه رواية "الغريب" لألبير كامي مع روايات وقصص كافكا باعتمادها على ثيمتي القضية وعالم القضاء، كما أن مورسو كان ينوء تحت وطأة شعوره بالذنب حتى قبل ارتكاب الجريمة، لكن تختلف الروايتان في بيئتيهما العمل وفي انخراط مورسو في واقع اجتماعي ملموس يمنحه هوية محددة على العكس من شخصيات كافكا. 
لذا ينظر بايارد للغريب من منظور نفسي ليمنحه سمات كافكاوية فيصبح مورسو مثل أبطال القضية والقصر، عبثيا لا يتوقع ما ينتظر منه، ويفيد هذا التغيير في إثراء متبادل، فنسبة العمل لكافكا تشرعن عبثية مورسو، كما أن الغريب تمنح أعمال كافكا بعدا نقديا سياسيا واجتماعيا كان خافتا قبلها.
كذلك يتخيل بايارد أيضا أن تولستوي هو مؤلف رواية "ذهب مع الريح" وليس مارجريت ميتشيل، مما يجعل من التاريخ ذريعة لتأمل فلسفي عميق، ولابتكر عالما جديدا منطلقا من شظايا متناثرة لعالم موجود.
وفي الجزء الأخير من الكتاب يقوم الكاتب بتعميم لعبته النقدية فينقلها من الأدب إلى ميادين أخرى متخيلا لو أن  فرويد  كتب "الأخلاق" بدلاً من سبينوزا، وأخرج الفرد هيتشكوك "المدرعة بوتمكين" بدلاً من إيزينشتاين. منطلقا من فكرة أن التواصل بين الفنون يميل إلى التقليل من مكانة المؤلف بشكلها المعتاد، ويكشف عن مؤلفين افتراضيين متوارين في المؤلف الذي نعرفه، مما يمنح الأعمال حيوية، ويعقد صلات لا نهائية بين النصوص والمؤلفين. (خدمة وكالة الصحافة العربية)