ماليزيا.. ليه

بقلم: مرح البقاعي

تنتشر في دول عالم الجنوب، الأقل حظا من نظيره في الشمال، تنتشر نزعات استباقية باتجاه تطبيقات الديمقراطية ومحاولات إحلالها، تدريجيا، كنظام سياسي بديل للنظم الأحادية التي أكل عليها الدهر وشرب إلى أن خارت من هول المدّ العولمي الذي حمل معه بشائر رياح التغيير ونُذر الانقلابات الموسمية في طقس النظم الحاكمة.

والديمقراطية لغويا هي مصطلح يوناني قديم مؤلف، كما هو معلوم، من لفظين: الأول (ديموس) ومعناه الشعب، والآخر (كراتوس) ومعناه سيادة، فمعنى المصطلح إذاً سيادة الشعب أو حكم الشعب. هذا لغويا، أما سياسيا، فإن تطور الديمقراطية في بيئة ما يرتبط عضويا بتقدم العدالة وحرية التعبير في بنيته؛ وإن أي حزب أو كيان أو نظام سياسي يريد قيادة المجتمع لا بد أن يراعي هذا المبدأ. من هنا نسأل كيف يمكن الوصول إلى تنمية سياسة للعدالة والمساواة؟

العدالة والمساواة لا يمكن تحقيقهما إلا في ظل دولة القانون الذي سيكفل بدوره حرية التعبير وإبداء الرأي، لا أحد فوق القانون، الجميع يخضع للقانون حقا وواجبا. هذا هو سر امتياز الدول الكبرى، فعظمتها لا تقاس نسبة إلى حجمها أو تعداد سكانها بل إلى نزاهة القانون فيها واستقلالية سلطة القضاء، وسيادة مبدأ العدل العام الذي يشمل كل المواطنين من أعلى الهرم إلى القاعدة. لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، والتقوى هنا أستعملها "مجازا" للدلالة على احترام القانون وعدم انتهاكه.

أما الوصول إلى العدالة والمساواة ودولة القانون فثمنه باهظ دائما. الولايات الأميركية دفعت ثمنا باهظا في حروب استقلالها وتحررها من الأفكار والممارسات العنصرية حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم حين جعلت أول رئيس داكن البشرة يصل إلى مقعد الرئاسة في سابقة عالمية، وليس أميركية وحسب. كما جعلت المكتب البيضاوي يعيّن مستشارتين في البيت الأبيض من المهاجرات الأميركيات: الأولى مستشارة للرئيس باراك أوباما، أميركية من أصل مصري، وهي داليا مجاهد، والثانية هيرو مصطفى، أميركية من أصول كردية، مستشارة لنائب الرئيس الأميركي جو بايدن في شؤون الشرق الأوسط. أما في العراق الجديد فنشهد كل يوم ولادات جديدة في صلب الحركات السياسية. وقد يترافق هذا المخاض السياسي العسير مع خروقات أمنية وانتهاكات في منظومة الحكم الوليد، لكن الشعب العراقي الذي قرر أن يدفع ثمن تحرره من دمه وقوت أطفاله واستقرارهم لا بد أن يستجيب له القدر!

إن مسألة الإصلاح السياسي والاقتصادي ترتبط ارتباطا عضويا بالتحديث الديمقراطي. ونحن نشهد انتشار الحراك الديمقراطي انتشاراً بطيئاً، لكن لافتاً، حول العالم. فمن الشرق الأوسط إلى أميركا اللاتينية وآسيا، تخطو العديد من النظم الاستبدادية خطوات تدريجية نحو أشكال من الحكم أكثر ديمقراطية وأقل شمولية. بل إن بعض تلك الأنظمة قد تحول بالفعل إلى أنظمة حكم ديمقراطية ناضجة وعالية الأداء على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة.

وتفيد دروس التاريخ أن احتمالات نجاح الإصلاحات السياسية تتعاظم إذا ما سبقتها الإصلاحات الاقتصادية؛ هكذا أصبح العالم الغربي ديمقراطياً حيث كان التحرير الاقتصادي أولاً، ثم أتى السياسي لاحقاً. غير أن الديمقراطيات الناشئة اليوم لا تنعم بالترف السياسي ولا الاقتصادي الذي يسمح لها بتقديم إصلاح على آخر. يجب أن يتساوق الاصطلاحان معا ويسيران بسرعة متقاربة لرأب الصدع بين مجتمعات الشرق الأوسط والمجتمعات الغربية المفتوحة على الفكر والاقتصاد العالميين.

ولعل من أبرز وأنضر تجارب دول الشرق الإسلامية الديمقراطية هي التجربة الماليزية. وتعتبر ماليزيا سبقا في الثورات الصناعية المعاصرة، وقد خرجت بقامة اقتصادية وسياسية عالية من قائمة الدول النامية في العالم، وهي مرشحة، إذا ما استمرت عملية التنمية فيها على زخمها التصاعدي، إلى أن يعادل دخل الفرد فيها، في العام 2020، دخل المواطن الأميركي.
ويعزو تقرير التنمية البشرية الصادر عام 2004 عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، أهمية التجربة "المهاتيرية" في ماليزيا إلى القدرة على بناء مجتمعات اندماجية ومتنوعة عرقياً، ومكافحة الفساد الحكومي، وكبح توظيف المال السياسي لخدمة أغراض حزبية ضيقة. وكذا يفيد التقرير على لسان مارك مالوك براون المدير العام لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن "تقدم المجتمعات لا يقوم على تغييرات تشريعية وسياسية وحسب، لكن ما لم تتغير الثقافة السياسية أيضاً، وما لم يصل المواطنون إلى التفكير والوعي والتصرف بأساليب تتسع لاحتياجات الآخرين وطموحاتهم، فإن التغيير لن يحدث. وعندما لا تتغير الثقافة السياسية، تكون المضاعفات واضحة إلى درجة مقلقة. فالتقصير في معالجة مشاكل المجموعات المهمَّشة لا يؤدي إلى الظلم فحسب، وإنما كذلك إلى توليد مشاكل حقيقية في المستقبل: شباب عاطلون، منبوذون ، ساخطون على الوضع الراهن، مطالبون بالتغيير، وغالباً ما تتجلى هذه المطالبة بصورة عنفية!".
تحضرني هنا مشاهد من رائعة يوسف شاهين السينمائية: إسكندرية.. ليه، والذي يتمحور على الحتمية التاريخية للتعدّد الثقافي والديني في مجتمع مغلق على نفسه من جهة، ومفتوح على البحر من جهة أخرى، وذلك من خلال قصة حب تربط بين شاب مصري وفتاة يهودية في المدينة، ودور التسامح العرقي والديني، والاندماج المجتمعي، في تمكين أسس الديمقراطية التي لا تستوي إلا بمشاركة الشعب، كل الشعب، في دينامية العملية التنموية. مرح البقاعي