ما كتبه بوب فونو بشأن انفجار الكرادة

هذا ما كتبه بوب فونو لنشره في الصحف الأميركية، وإنه يعتقد إنهم لن ينشروه بسبب إعتراضه على السياسات العسكرية الأميركية في العراق بشكل عام وسياسة الجنرال ديفيد بترايوس بشكل خاص. الفرق بين طرحي وطرحه، أنه يعتبر إن مسؤولية الولايات المتحدة هي إنشاء هذه المنظومة، وأنا أعتبر إن مسؤولية الحكومة العراقية هي الحفاظ على حياة مواطنيها قبل الغير. لذلك أعتقد أن مهمة الحكومة العراقية هي إنشاء هذا المشروع وهذه المنظومة بالدرجة الأولى.

المقال أدناه مترجم من الإنكليزية إلي العربية بتصرف بسيط وبعض من تعليقاتي.

الكرادة: إيقاف كابوس بغداد

8 يوليو 2016

بقلم: بوب فونو

الكرادة، تفجير المركز التجاري في الكرادة هذا الاسبوع هو نتيجة لاستراتيجية فاشلة بين بغداد وواشنطن لحماية المدن العراقية خلال الفترة بين عام 2006-2008 في حين أنه كان يمكن إستخدام التكنولوجيات المتاحة لحماية المدن العراقية، والتي وفرت الأمان في الكثير من المدن كلندن ودبي وسنغافورة وأماكن أخرى.

المأساة هي أن الكرادة عبارة عن حي يسهل حمايته بإستخدام هذه التكنولوجيا حيث ان منطقة الكرادة عبارة عن شبه جزيرة يحيط بها من ثلاثة جوانب نهر دجلة والدخول إليها من باقي أجزاء بغداد هو من أرض ضيقة من غير النهر، وما كان ينبغي أن يحدث في الكرادة مثل هذا ألإنفجار المأساوي عام 2016 من قبل سيارة مفخخة دخلت إليها بكل هذه السهولة.

نبذة تاريخية بهذا الشأن

كان واحدا من الأفكار التي بعد احتلال العراق عام 2003 إنشاء مكتب إعمار العراق حيث استأجرت وزارة الخارجية الأميركية العديد من المديرين التنفيذيين لإدارة إعادة الإعمار المدني وكنت أحدهم حيث كنا معظمنا من الرجال والنساء في الخمسينات من عمرنا قرب سن التقاعد ممن كانت لهم الخبرة في مشاريع كبرى في الغرب في مجال توزيع الكهرباء، وإنتاج النفط، والهندسة المدنية، والنقل، والاتصالات السلكية واللاسلكية.

كان من المفترض لهذا المكتب أن تكون علاقته بالسفير الأميركي ريان كروكر ولكن كان للجيش الأميركي برئاسة الجنرال ديفيد بتريوس القائد العام لقوات التحالف بين عامي 2007-2008 دور أساسي بشأن ذلك المكتب.

لقد كان لمكتب إدارة إعادة إعمار العراق دور مهم في التنسيق والتواصل مع الكثير من العراقيين من مهندسين وعلماء وسياسيين وأستطاع في غضون فترة زمنية قصيرة، إن يوفر لمعظم العراقيين، للمرة الأولى إمكانية الربط بشبكة الإنترنت والهواتف النقالة والكثير من الفعاليات ألأخرى وكانت هناك خطط طموحة لتطوير العراق في كافة المجالات ولكن للأسف وتيرة التطوير لم تكن متجانسة ولم تستمر بالشكل الصحيح وبالذات في مجال الكهرباء وتوزيع الماء النقي والطرق الحديثة للسقي وتطوير الموانئ وطرق النقل وغيرها.

وعلى الرغم من الجهود المبذولة من التنفيذيين الخبراء فإن الكهرباء على سبيل المثال إقتصر تزويده على ما لا يزيد عن أربع ساعات يوميا. والجيش الأميركي أصبحت مهمته حماية أبراج الكهرباء القادمة الى بغداد من التفجيرات الليلية من قبل الفئات المعادية للوضع الجديد والفئات المعادية للأميركان.

يستطيع المواطن الأميركي أن يتخيل مقدار الإحباط والغضب الذي يمكن أن ينتاب الشعب الأميركي في مدينة فينيكس على سبيل المثال (حيث مدينة فينيكس التي تقع في ولاية أريزونا ألأميركية في منطقة صحراوية مناخها لا يختلف كثيراً عن المناخ في وسط العراق كبغداد مثلاً) إن إنقطع الكهرباء في الصيف في الحر القائظ وتوقفت المكيفات لأسابيع وأشهر بل لسنوات، والشوارع من دون إنارة والبيوت من دون كهرباء.

فضلاً عن كل ذلك فهناك حرب قائمة، الكل يقاتلون، يقتُلون ويُقتَلون، الشيعة والسنة والبعثيون، وفي وسط هذه الأجواء المعقدة والصاخبة تولى السيد محمد توفيق علاوي وزارة الإتصالات، حيث جاء بعد الوزيرة جوان معصوم والوزير حيدر العبادي الذي أصبح الآن رئيساً للوزراء، هؤلاء كان لهم الفضل في تشغيل أول هاتف خلوي في العراق، وعندما تولى محمد علاوي وزارة الإتصالات كان همه الأول توفير الأمن للمواطنين في هذه الأجواء الأمنية الصعبة وكثرة عدد قتلى التفجيرات والقتل على الهوية في كل يوم، فشكل لجنة لإستخدام البنى التحتية لوزارة الإتصالات لتوفير بيئة أكثر أماناً للمواطنين في بغداد الذين بلغت أعداد قتلاهم أرقاماً مروعة في ذلك الوقت.

محمد علاوي يتمتع بشخصية عابرة للطوائف، وكان يدير وزارة فيها السنة والشيعة والأكراد والتركمان وكان يتعامل معهم على أسس ألمساواة وجعل الجميع يتعاملون فيما بينهم على هذه الأسس كفريق واحد ضمن وزارة الإتصالات.

تشكل فريق من اللجنة المشكلة من قبل الوزير محمد علاوي، ومن مكتب إعمار العراق، وفريق من مهندسي الإتصالات لقوات التحالف فضلاً عن فريق حضر إلى بغداد من قطاع الإتصالات من (البنتاغون) بشكل مؤقت للتداول بشأن إنشاء منظومة قادرة على كشف الإرهابيين ومتابعة تحركاتهم والكشف عن المناطق التي ينطلقوا منها وبالذات الورش التي يقوموا من خلالها بتلغيم السيارات. (كان بوب فونو من خلال جلب تلك الأطراف المتعددة يريد أن تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية إنشاء هذه المنظومة وعلى كلفتها).

تحرك هذا الفريق المشكل من هذه الأطراف بشكل فعال وتم إستضافتنا من قبل الشرطة البريطانية في لندن لإطلاعنا على منظومتهم المميزة وخططهم في مراقبة العجلات بعد عملية التفجير الكبيرة لأبراج "الكناري ورف"، كما قام هذا الفريق بدراسة الخطط الأمنية المتبعة في سنغافورة وأبوظبي ودبي. كما إلتقى هذا الفريق بالشركات العالمية الكبرى المصنعة للكاميرات والمخزنة والمحللة للمعلومات كشركة سيسكو وشركة سيمنز، وتم الإطلاع على التقنيات المتبعة لتصميم هذه الشبكات. كما عقد لقاء بين فريق من السفارة الأميركية وشركة هواوي الصينية (التي كانت قد تولت إنشاء الكثير من البنى التحتية وبالذات الكابلات المحورية لقطاع الإتصالات في العراق) بعد ذلك قمت بزيارة البنتاغون وجامعة الدفاع الوطني الأميركي لوضعهم في صورة مشروعنا الأمني في العراق، والتقيت بعد ذلك بالبنك الدولي وسفارات الدول المانحة وبالذات سفارة اليابان الذين تبرعوا بسخاء كبير لمشاريع الإتصالات في العراق. كما تم مناقشة الكثير من تفاصيل هذا المشروع الأمني مع متخصصين في المعهد الوطني للدراسات الإستراتيجية في لندن، في تصوري لم يحض أي مشروع أمني معاصر لتوفير الأمن لأي مدينة بهذه الدرجة من ألإهتمام والتداول والنقاش على هذا المستوى العالمي الواسع لأفضل المتخصصين العالميين، كما في تصوري إن إنشاء هذا المشروع وتشغيله قد يكلف أقل من كلفة يوم واحد من العمليات العسكرية الأميركية في العراق. فضلاً عن ذلك فإن هذا المشروع وتشغيله سيوفر فرص عمل كبيرة للكثير من الشباب والشابات من المهندسين العراقيين والكثير من المقاولين والشركات الصغيرة للكثير من رجال الأعمال والتي بدأت تتشكل في تلك الفترة.

كان من المقرر أن تكون منطقة شبه جزيرة الكرادة هي الاختبار الحقيقي لهذا النظام لجعلها منطقة آمنة حيث بها مستشفى الأطفال وجامعة بغداد، ومن ثم تتوسع هذه المنظومة لتشمل مدينة بغداد بالكامل.

لتحقيق المرحلة الأولى كنا بحاجة إلي دعم من سلطات التحالف وبالذات إستخدام مروحية أميركية لإجراء مسح لمنطقة الكرادة، وهذا يعني أن أضع الجنرال ديفيد بترايوس في صورة المشروع وتفاصيله، وحسب ما أتذكر إلتقيت معه في شهر أبريل عام 2007 حيث لم يمض على مجيئه أكثر من شهرين حيث دخل قاعة الإجتماع مع عدد من معاونيه وقام بتحيتنا، شرحت له البرنامج إعتماداً على الخرائط التفصيلية من السفارة الأميركية، وقد ذهلت وتفاجأت عندما قال "لا حاجة لنا بهذا المشروع. أستطيع أن أذهب هذه الليلة إلى الكرادة وأتعشى وأكل شطيرة من اللحم في أحد مطاعم الكرادة". لقد بقيت كلماته وتهكمه محفوراً في ذهني تلك الليلة.

صحيح أن الكرادة كانت آمنة نسبيا، والتي كانت السبب وراء اختيارها للاختبار لهذا المشروع. بترايوس كان يريد حلاً أكثر عنفاً على المدى القصير، استراتيجيه تتمثل "القوات على الارض" التي يروج لها مستشاروه الاستراليون، تأسياً بالتجربة البريطانية الأسترالية في ماليزيا في فترة خمسينات القرن الماضي (يقصد هنا القوة العسكرية الضخمة التي قضت بالكامل على حركة التحرير الماركسية الماليزية في تلك الفترة).

أستطيع أن أفهم توجهات باتريوس، ولكن المشروع الذي إقترحته لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يشكل أي خطورة في حالة إنجازه. كانت خطة باترايوس زيادة القوات وإستخدام القوة على الأرض ليحقق إنجازاً على المدى القريب وكوسيلة سياسية، وفي الحقيقة فإن عددا قليلا من الأطراف كانوا يؤيدوه، وعندما عدت إلى مكتبي بعد عشرين دقيقة كان المشروع قد تأجل إلى ما بعد تنفيذ خطة باتريوس؟ لقد كانت النتيجة معروفة سلفاً، لذلك بعد عشر سنوات لم يعد مقبولاً أن نتأسف على هذا التفجير الذي حدث في الكرادة، أو مئات من التفجيرات التي حدثت في مناطق مختلفة في بغداد خلال السنين العشرة الماضية أو القصف الذي تعرضت له مستشفn الأطفال في الكرادة في ذلك الوقت.

اليوم علينا واجباً أخلاقيا لإصلاح تبعات أخطائنا السابقة، لا نريد من السياسيين في الغرب أن يبعثوا بتعاطفهم وتعازيهم القلبية للشهداء الذين سقطوا، لقد ضجر العالم من نفاقكم، يجب أن نتخذ الخطوات الصحيحة والجدية لإصلاح ما قصرنا في إنجازه.

إنا أقولها بصراحة: لا يمكن أن يوجد سلام وإستقرار في الشرق الأوسط ما لم يتوفر أمان وإزدهار في بغداد. بغداد هي نقطة الارتكاز في المنطقة لتحقيق الوفاق السني الشيعي. والعراق هو المركز الجغرافي لكل مشاكل الولايات المتحدة في آسيا وأوربا. الاخطاء التي ارتكبت في بغداد أدت إلى بروز داعش، ونأمل أن تكون نهاية داعش من بغداد أيضاً.

الطريق إلى السلام ليس مرصوفاً بالقتال وحملات القصف والمكائد السياسية فقط، الطريق إلى السلام يبدأ من أيجاد مناطق آمنة، تبدأ من الكرادة على سبيل المثال ثم تتسع لتغطي كل بغداد ثم تتسع لتغطي المدن العراقية الأخرى، بل لو أتبعت هذه السياسة فيمكن توفير الأمان حتى في سوريا. هنالك إمكانية كبيرة لإنجاز هذا المشروع الآن فألأنظمة التقنية والخطط الفنية أصبحت أكثر تطوراً وذكاءً بل أقل كلفةً مما كانت عليه قبل عشر سنوات، والمهندسون والفنيون العراقيون قادرون على تشغيل هذا المشروع، حيث مع تعرض العراق إلى الحصار في فترة التسعينات ولكن هناك الكثير من المهندسين العراقيين الذين نالوا مناصب عليا خارج العراق، إن جيل الشباب الآن في العراق يحتاج إلى تدريب بسيط لتشغيل مثل تلك المشاريع وتحقيق الأمن لبلدهم.

أوروبا لها دور، والصين إستفادت من عقود النفط مع العراق، شركة هواوي عملاق الإتصالات الصينية تبنت تطوير البنى التحتية للإنترنت في العراق.

أرغب بتوضيح نقطة لحكومة الصين حيث أعيش الآن: إنكم ترغبون بإحياء طريق الحرير بينكم وبين أوربا، بغداد تقع وسط هذا الطريق، ومن دون بغداد آمنة فإن طريق الحرير سيتوقف في طهران.

الصين لديها الكثير لتقدمه، ولكن الولايات المتحدة تتحمل المسؤلية الكبرى لإصلاح تبعات أخطائها.