ما ينبغي أن يسمعه أوباما

بعد اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي أوباما برئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو بداية الشهر الجاري، من المفترض أن يكون لقاؤه بالرئيس محمود عباس قد تم في السابع عشر منه.

وفيما أكد اللقاء الأول أن ولادة «اتفاق الاطار» ستأتي من رحم الشروط الأمنية والتوسعية الاسرائيلية، فان التوقعات حول نتائج اللقاء الثاني تراوحت ما بين استمرار الرهان على دور أميركي ما للجم اندفاعة نتنياهو في تكديس الشروط التعجيزية في وجه المفاوض الفلسطيني، وبين إحداث نقلة نوعية في في موقف هذا المفاوض كترجمة لما نقل إعلاميا عن لسان الرئيس عباس لجهة «ندمه» على وضع «بيض التسوية» في السلة الأميركية حصرا.

يالطبع يقع كل من التوقعين في خانة مقابلة تماما للأخرى، وإن كان من الصعب أن ترجح كفة التوقع الثاني لسبب بسيط هو أن مؤشرات وقوعه لم تظهر عمليا حتى الآن.

بالنسبة لبنيامين نتنياهو، فإن موضوعة التسوية محسومة بعد وضع أمام المفاوض الفلسطيني شرطين من شأن الموافقة عليهما أن تخرج عملية التسوية والمفاوضات المنبثقة عنها من إطار الحل باتجاه التصفية المعلنة للقضية الفلسطينية برمتها.الشرطان هما، التخلي عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم الذي يكفله لهم القرار الدولي 194، والاعتراف بـ«يهودية دولة إسرائيل» بما يعني «لم شمل » جميع الفلسطينيين داخل فلسطين الانتدابية وخارجها في «خانة» واحدة.. ولكن خارج التاريخ.

ولم يكن من المتوقع أن يصدر عن الادارة الأميركية أي موقف يعارض الشرطين المذكورين، لأنهما لايتناقضان مع «إطار كيري». وهذا هذا يعني بوضوح أن واشنطن شريك فيما يذهب نتنياهو باتجاهه، أي تصفية القضية الفلسطينية. ونعتقد أن هذا سبب أكثر من كاف كي يسمع الرئيس أوباما من الرئيس عباس الاستخلاص الذي سبق أن خرج به الاجماع الوطني الفلسطيني بشأن التسوية وأسس نجاحها. ويسمع أيضا الرد الفلسطيني المفترض في ظل المؤشرات الكثيرة التي تؤكد أن طريق المفاوضات الحالية لن يؤدي بالفلسطينيين سوى إلى التهلكة.

* فأولا ينبغي أن يوضع الرئيس أوباما أمام نص الخطاب الذي ألقاه في القاهرة في 4/6/2009، وطالب فيه اسرائيل بتجميد الاستيطان ووقف هدم منازل الفلسطينيين، وأكد ضرورة قيام الدولة الفلسطينية كاستحقاق أساسي من استحقاقات التسوية وحل مسألة الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي.

* بناء على ما سبق، ينبغي أن يفهم بوضوح سبب عدم تحويل ماذكر من مضمون الخطاب إلى سياسة أميركية رسمية تمتلك آليات تنفيذها، على اعتبار أن ما يرد على لسان رئيس دولة عظمى كالولايات المتحدة في محفل علني هو موقف هذه الدولة. والأبعد من ذلك، لماذا ليس فقط تآكل مضمون الخطاب، بل والارتداد في الموقف الأميركي وانقلابه إلى درجة تشديد النقد في وجه المفاوض الفلسطيني والانتقال إلى ضفة الموقف الاسرائيلي وصولا إلى تبنيه!

برأينا، لن تمنع الاجابات، إن قدمت، من اعتماد الشك في صدقية الوعود الأميركية وخاصة أنها سبق وأن تكررت معسولة منذ الحلقة الأولى من مسلسل التسوية الذي بدأ بثه قبل 21 عاما بالرعاية الحصرية لواشنطن.

في الولاية الأولى لأوباما كان هو شخصيا في واجهة المساعي الأميركية بخصوص التسوية، التي تبين مع مرور الوقت أنها ليست أكثر من عنوان انتخابي قبيل فوزه في ولايتيه الأولى والثانية، وفي الانتخابات النصفية ونحن الآن على أبواب الثانية منها خلال ولايتي أوباما.

لكن في ولايته الثانية أحال ملف التسوية إلى وزارة الخارجية التي بدأت «مساعيها» من حيث وصلت التراجعات الأميركية ربطا بخطاب أوباما الذي سبق ذكره. وبالتالي كان من الطبيعي أن تصل جهود كيري إلى مشروع إتفاق إطار كهذا.

* وثانيا، ينبغي أن يوضع الرئيس أوباما أمام قرارات الاجماع السياسي والشعبي الفلسطيني بشأن التسوية.فليس معقولا أن تترك مسألة الاعتبارات الداخلية ميدانا خاصا بنتنياهو يصول ويجول فيه على «صهوة» التخويف من انهيار الاستقرار السياسي في اسرائيل في حال ألزمت بتنفيذ المطالب الفلسطينية بخصوص الاستيطان ومرجعية المفاوضات. وكأن الوضع الفلسطيني في الأراضي المحتلة لا يعيش على حافة الانفجار نتيجة تغول الاستيطان وتصاعد عدوان الاحتلال ومستوطنيه، وفي ظل غياب أي أفق بالتوصل إلى حل شامل ومتوازن للصراع.

* برأينا، ما ينبغي أن يسمعه أيضا أوباما من الرئيس عباس، ربطا بالتجربة التفاوضية المديدة والفاشلة، أن الفلسطينيين لن يضحوا بالانجاز الذي حققوه في الأمم المتحدة مقابل وعود ثبت عدم جديتها، وأنهم لن يستطيعوا الاستمرار في عملية تسوية تتجه نحو هضم حقوقهم. ومن واجب القيادة الفلسطينية في منظمة التحرير أن تجنب الشعب الفلسطيني هذا المصير. وإلا كيف يؤسس خطاب حكومات دول العالم وزعمائها على حماية مصالح شعوبها في المقام الأول، ثم يمنع ذلك عن الحالة السياسية الفلسطينية، وتحال المصالح الفلسطينية العليا إلى أطراف أخرى بما فيها الاحتلال ذاته كي تنظر فيها وتقرر محدداتها!

* من المهم جدا، أن تشارك الحالة الفلسطينية شعبيا وسياسيا في صياغة الخطاب الفلسطيني الذي ينبغي أن يسمعه أوباما، من خلال تصعيد المقاومة الشعبية للاحتلال بكافة تعبيراته، وفي المقدمة مواجهة الاستيطان والرد بفعالية على عمليات الاغتيال وحملات الاعتقال. وعندها سيكتسب الخطاب السياسي الذي من الممكن أن يلقى على مسامع الرئيس أوباما البلاغة الكافية كي يقتنع ومعه نتنياهو بأن الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة مرشحة فعليا للانفجار ولن تكون كلفة الاحتلال بعد الآن تجاور الصفر في الحسابات الاسرائيلية.

الاتجاه نحو الأوضاع الفلسطينية الداخلية باتجاه إسقاط الانقسام يخدم الخطاب الفلسطيني المطلوب، على قاعدة تنفيذ قرارات الاجماع الوطني ذات الصلة، وعلى أساس إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني التحرري وما يخدمه من سياسات إقتصادية وإجتماعية تعزز صمود الشعب الفلسطيني وتزيد من قدراته على المضي قدما نحو تجسيد حقوقه في العودة والاستقلال.

إن حصل ذلك، ستجد الأطراف الأخرى ذات الصلة بالتسوية أنها أمام معادلة فلسطينية مختلفة وجديدة.. لا يمكن تجاوزها.. ولن تنفع من أجل إحتوائها الضغوط.. مهما عظمت.