محافظ البصرة يصدم العراقيين: 'حادثة التحرش أُخذت أكبر من حجمها'
بغداد – لا تزال قضية التحرش الجماعي لفتاة على كورنيش البصرة حديث الشارع العراقي وتحولت إلى قضية رأي عام مثيرة غضبا واسعا ومطالب بمحاسبة صارمة للجناة، غير أن محافظ البصرة أسعد العيداني لديه رأي آخر إذ خرج بتصريح صادم معتبرا أن القضية "أُخذت أكبر من حجمها"، وانتقد تصوير شباب المدينة كـ"وحوش" عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ورغم أن تصريح العيداني جاء بعد الإعلان قبل يومين عن اعتقال 17 شابا من المتورطين في الحادثة، إلا أنه أثار صدمة واستنكارا واسعة من غالبية العراقيين الذين اعتبروا أنه تبرير للجريمة والتحرش وتهاون بحقوق النساء اللواتي ذهبن ضحية مثل هذا الخطاب الذكوري الذي يحمل المرأة مسؤولية العنف ضدها والذي لا يغيب عن أي حادثة مماثلة.
وأكد العيداني، في تصريح صحفي أورده المكتب الاعلامي للمحافظ، أن البصرة "تشهد استقراراً أمنياً ملحوظاً ونسب جريمة منخفضة مقارنة بمحافظات أخرى، مشدداً على أن الأجهزة الأمنية تفرض سيطرتها الكاملة وتضمن حرية التجول في عموم الأقضية والنواحي".
وقال المحافظ أنه تم اعتقال 17 شخصاً ليلة الاحتفال لاتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، موضحاً أن "مثل هذه الحالات تقع في كل العالم، ومن المعيب استهداف البصرة وتشويه صورتها بتهويل إعلامي"، على حد تعبيره.
واستغرب ناشطون كيف لمحافظ البصرة أن يقلل من خطر الحادثة التي تم توثيقها في مقطع الفيديو انتشر بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي وأظهر فتاة تتعرض للتحرش من جيش من الشباب يحيطون بها وسط صراخها بشكل هستيري.
وتعامل العديد من الناشطين بسخرية مع تصريحات المحافظ باعتبارها غريبة وغير مسؤولة وتبرر الوحشية.
والغريب أن المحافظ اعتبر أن الحادثة فردية في حين شارك بها العشرات الذين ظهروا بوضوح في مقطع الفيديو، وتساءل ناشط ما هي المعايير التي يعتمدها المحافظ لتصنيف الفردي والجماعي.
ويؤكد ناشطون أن حادثة التحرش الجماعي في البصرة منفردة لا تعتبر في العراق، إذ يجري التكتم على الغالبية الساحقة من الحالات التي لم تصل الكاميرا إليها لتوثيقها وتحظى بتغطية إعلامية فالنساء يتعرضن للتحرش في الشارع وفي المواصلات العامة والعمل وفي بعض الحالات يجري ابتزازهن بلقمة العيش وفي المجتمع الذكوري تلام المرأة في كل الاحوال، في ظل غياب قوانين رادعة وقوية.
وحادثة البصرة ليست الا حالة واحدة طفت على سطح وتحتها بحر من الكوارث التي تصل الى القتل ويتم تغطيتها بدعوى الانتحار أو الشرف وغيرها من المبررات، وليست بعيدة عنها حادثة مقتل الدكتورة بان زياد التي تم تبريرها بالانتحار وخرجت مسيرات جماهيرية تطالب بتطبيق معايير الشفافية والعدالة والاقتصاص من المجرمين.
وتوجه متابعون للمحافظ بتساؤل ماهو دورك كمحافظ في هذه المدينة؟ وهذا التحرش الجماعي يجعلنا نتساءل عن دورك في توفير حماية للنساء في مدينتك.
وتهمل السلطات في العراق، وكذلك المجتمع، الانتهاكات التي تتعرض لها النساء والفتيات، إذ تُبرَّر جريمة التحرش، وتتحول الضحية إلى متهمة، وتُلام إما على مظهرها الخارجي وما ترتديه من ملابس، أو على حريتها الشخصية المتجسدة مثلا في توقيت خروجها من المنزل.
ويحاول المجتمع الأبوي فرض سلطته على النساء والفتيات وإخضاعهن، وتقييد حرياتهن الطبيعية، بل والبسيطة. وتواجه المدافعات عن حقوقهن والمنتقدات لمثل هذه الجرائم، والمطالبات برفع الحيف عن النساء تهديداتٍ كثيرة لإسكاتهن، وسط صمتٍ أو إهمالٍ حكومي.
ويعتبر ناشطون أن رجال الدين مسؤولين عن مثل هذه الحوادث بسبب المعايير التي يعتمدونها للدين والأخلاق وتركيزهم على اللباس والمظهر الخارجي دون الالتفات الى القيم والأخلاق.
واعتبر البعض أن الحادثة تشير إلى مجتمع مريض قائم على الكبت، والنفاق، وذكورية متوحشة.
وقال الخبير القانوني عدنان الصرايفي إن "التجمع حول المجني عليها، والتلفظ بألفاظ خادشة للحياء، وإطلاق إشارات مخلة بالآداب العامة في مكان عام، تُعد ـجرائم ـيُعاقَب عليها وفق أحكام المادتين (401) و(402) من قانون ـالعقوبات العراقي".
وأضاف أن الأمر لا يقتصر على ذلك، موضحاً أن أي ـاعتداء ـجسدي أو لمس ـلجسد المجني عليها دون رضاها يندرج قانوناً ضمن ـجريمة هتك العرض، وهي ـجريمة جسيمة ـيُعاقَب عليها بموجب المادة (396)، وقد تصل عقوبتها إلى السجن سبع سنوات، ولا سيما أن المجني عليها ـقاصر.
وأعلن الاتحاد الفرعي للمواي تاي في البصرة عن فتح باب التسجيل المجاني للفتيات في قاعات المواي تاي بالمحافظة لمدة شهر كامل، وذلك في تسع قاعات موزعة على مناطق مختلفة، بهدف تعزيز قدرات الفتيات على الدفاع عن النفس وبناء الثقة والقوة.
ولا تزال العادات والتقاليد والنظرة الذكورية تقف عائقا أمام حماية النساء من التحرش والاعتداءات الجنسية لخوفهن من الشكوى والمطالبة بمحاسبة الجناة بسبب الخشية من وصمة العار ولوم المجتمع والأهل ، ما يعني أن الطريق لا يزال طويلا أمام الجمعيات الحقوقية والمدافعة عن حقوق المرأة للوصول الى درجة الوعي الكافي لتجاوز القيود المجتمعية.