محمد علي الرباوي: الشاعر المغاربي تخلص من سلطة صورة المشرق

نَجِّنِي سَيِّدِي..

ينتمي الشاعر المغربي محمد علي الرباوي إلى جيل السبعينيات حيث بدأ نشر قصائده الشعرية بدءا من أوائل السبعينيات، وكان الشاعر الجزائري أبو القاسم الخمار أول من شجعه على النشر بعد أن أطلع على نماذج من كتاباته فأخذ ينشر بعضا منها بالملحق الثقافي لجريدة "الشعب" وذلك منذ سنة 1970.

بعدها تعرف على الشاعر السعودي محمد عامر الرميح الذي أعجبته محاولاته الأدبية فأخذ ينشرها تباعا في مجلة "الخواطر" اللبنانية. وقد جمع خلال مسيرته بين القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، ويشتغل أستاذا مساعدا بكلية الآداب بجامعة محمد الأول بوجدة، ومن أعماله "الأعشاب البرية"، "البيعة المشتعلة"، "عصافير الصباح"، "الرمانة الحجرية"، "الولد المر"، "أطباق جهنم"، "الأحجار الفوارة"، "أول الغيث".

قال الرباوي "بدأت الشعر في وقت مبكر انطلاقا من الستينيات، وكان المنطلق هو الغناء والموسيقى، كنت أتمنى أن أكون موسيقيا، لكن تربيتي المحافظة ونشأتي في قرية بعيدة عن المركز منعتني من ممارسة هذه الرغبة، فعوضتها بالشعر، كان الشعر تعويضا أو بديلا، لعل زمنا يأتي فأتحول إلى المعهد الموسيقي، لكن هذا الزمن لم يأت وظل الشعر يغويني بإيقعاته ولغته الجميلة.

منذ البداية كان يشغلني أن يكون ما أكتب متميزا عما كان ينشر من شعر، لا أقصد أن يكون الأفضل، بل أقصد أن يكون لي صوتي الخاص. نظرا لثقافتي الفرنسية أولا ثم العربية ثانية انفتحت على الشعر الفرنسي بلغته قراءة وأحيانا كتابة، وهذا ما جعل تجربتي تدخل في مغامرة إيقاعية من حيث الشكل، فقد مارست وأمارس القصيدة ذات الشطرين المتساويين ومارست القصيدة الحرة التي تقوم على العروض، لم أغامر بكتابة قصيدة النثر لأني اكتشفت أن هذه القصيدة كما أفهمها عند أهلها الكبار هي أصعب الأشكال، ولأنها الأصعب لم أغامر، لأن الإنسان إذا غامر لا بد أن يغامر فيما يستطيع أن يجعله قادرا على أن يعبر عما بصدره، هكذا أنا أجمع بين الشكلين بين كتابة الشكل القديم والشكل الحديث، وأؤمن أنه إذا كان الشكل القديم حاضرا ينبغي أن يكون حاضرا بلغة العصر لا بلغة الزمن الماضي".

وحول التأثر بالثقافة الفرنسية والنص الشعري الفرنسي أكد الرباوي أن قصيدة النثر الفرنسية وضعها يختلف عن وضع قصيدة النثر العربية، ذلك أن القصيدة النثرية في الثقافة الفرنسية هي امتداد للقصيدة التي تسمى "النظم المنتظم"، فقط حدث انتقال طبيعي فرضته اللغة من نظم المنتظمين إلى النظم الحر، ولذلك تجد الشاعر الفرنسي في ديوانه يجمع الشكلين معا دون أن يكون لحضورهما صراع كالصراع الذي نلاحظه في المشهد الشعري العربي، في المشهد الشعري العربي القصيدة النثرية نمط يحاول أن يتمرد على النمط القديم وأن يحدث قطيعة بينه وبينه، في حين أن الأمر في الشعر الفرنسي مختلف.

وأضاف "بالنسبة للشعراء الفرنسيين الذين تأثرت بهم فقد تأثرت بكل شاعر متمرد على السائد في الثقافة الفرنسية، الشعراء الذين تمردوا ومنهم بودلير ورامبو وآخرين، وأنا أعتبرهم شعراء قريبين من حضارتي، فتمردهم دليل على رفضهم لحضارتهم ويبحثون عن بديل، وقد وجدت نفسي قريبا منهم، تأثرت ببودلير كثيرا والدليل ـ إن أردت أن أقدم لك دليلا ـ أن أعمالي الكاملة التي نشرتها وزارة الثقافة في مجلدين اسميتها "رياحين الألم" لا أقول تقليدا لكن فيها إيحاء، والفرق بيني وبين بودلير أنه عبر في ديوانه عن رؤيته الحضارية المنسجمة مع ثقافته الفرنسية، وقد حاولت في أعمالي أن أعبر عن هذا الألم في إطار حضاري مرتبط بحضارتنا العربية الإسلامية".

ورأى الرباوي أن المشهد الشعري المغاربي الحديث بدأ متأثرا بالمشهد الشعر العربي خاصة في المركز مصر والشام والعراق، وهذا أمر طبيعي جدا، فالمجلات المشرقية كانت بمثابة معاهد تعلم منها الشاعر المغاربي، إن الحضور المشرقي قديما فأذكر أن الحركة الوطنية المغربية أحيت ذكرى أحمد شوقي أكثر من مرة، وإحياء ذكرى شوقي لم يكن يقصد منه شوقي بذاته وإنما كان يقصد من ورائه إذكاء الروح القومية التي كان يبثها في بعض قصائده لتستفيد منها الحركة الوطنية في المغرب والجزائر خاصة.

ثانيا الحداثة الشعرية المغاربية جاءتنا أيضا من بدر شاكر السياب وصلاح عبدالصبور وعبدالوهاب البياتي وعبدالمعطي حجازي وأدونيس وغيرهم، لكن ما حدث أن الحداثة في المغرب العربي تأخرت، ظهرت في الستينيات في حين ظهرت في المشرق في الخمسينيات، لكن حضورها في الستينيات كان ضروريا لأن النضال كان نضالا سياسيا وكانت الأيديولوجيا القائمة على الاشتراكية خاصة والنقد الواقعي كان يصفق للنصوص ذات الطابع الأيديولوجي والنضالي والالتزامي، ومن ثم كانت لغة القصائد في الستينيات عبارة عن لغة سياسية مباشرة وبلاغات سياسية، ليست شعرا في أغلبها، وكانوا متأثرين بالبياتي خاصة في قصائده السياسية، لكن في نفس الوقت كان هناك شعراء في هذه الفترة درسوا في المشرق العربي وحاولوا أن يمزجوا الأيديولوجي بالأدبي، وهؤلاء وصلوا إلى الجامعة ودرسوا بها، واستطاعوا أن يحرروا الشعر ـ قدر المستطاع ـ من اللغة السياسية القوية.

وفي فترة السبعينيات ينتشر التزاوج بين السياسي والفني الأدبي، ويتم التركيز على قصيدة التفعيلة بشكل خاص، أما في فترة الثمانينات فتظهر وتقوى قصيدة النثر في كل البلدان المغاربية، لكن في السنوات الأخيرة بدأت العودة إلى القصيدة العمودية، ولعل برنامج "أمير الشعراء" لعب دورا خطيرا في إحياء هذا النوع الشعر، ولست ضد هذا الشعر بالعكس هو جيد، لكن كثير منه قائم على النظم وليس الشعر، الشعر العمودي مازال صالحا في حال كان شعرا حقيقا وليس مجرد نظم.

وأكد الرباوي أن الشعراء في المغرب العربي منذ أواخر السبعينيات استطاع من كان فيهم شاعرا حقيقيا يتخلص من سلطة صورة المشرق ويخصص له لغته الخاصة وإيقاعه الخاص.

ولفت أن مشهد الشعر العربي عامة قد تراجع، فالشعر العربي الآن نرى فيه أصواتا متميزة، الأصوات الآن متشابهة، لا يمكن أن تقرأ نصا لصلاح عبدالصبور وتنسبه إلى السياب، اللغة مختلفة، فأدونيس ونزار قباني وغيرهم أسسوا لغتهم الخاصة، اليوم أغلب الأجيال التي نقرأ لها في الوقت الراهن متشابهة وليس لها خصوصية، على الأقل أحكم على ما قرأت، ربما تكون هناك أصوات جادة، هذه الأجيال لم تستطع أن تخلق لغتها الخاصة وربما هذا يقود إلى أن مرجعيتهم الشعرية واحدة، فالشباب يقرأ لمحمود درويش وأدونيس ويبقى مرتبطا بفك هذين الشاعرين وأمثالهما.

وأوضح الرباوي أن الحركة النقدية في المغرب لم تساهم في خدمة الشعرية لأنها حركة قائمة على استنساخ الحركة النقدية في الغرب وفرنسا خاصة، ولأن الحركة النقدية الفرنسية قامت على الإبداع السردي فإن النقد المغاربي ركز على السرد وأهمل الشعر، لأنه لم يكن يملك أدوات التعامل مع الشعرية العربية، فبقى النقد مرتبطا بالسرد والمسرح، فلم يستطع أن يفعل ما فعله النقد في المشرق العربي حين ظهرت القصيدة الحرة، لتظهر تبلورات نقدية ساهمت في تشكيل رؤية الشعر المعاصر، د.عز الدين إسماعيل كان مجايلا لصلاح عبدالصبور وعبدالمعطي حجازي وكونوا لهم رؤى، حيث استطاع عز الدين إسماعيل الذي بدأ شاعرا أن يواكب حركة الشعر الجديدة وقتئذ ليتحول إلى منظر وموجه وناقد وكتابه حول الشعر العربي الحديث تم استنساخه في أكثر من إطروحة تتناول الشعر العربي المعاصر، فالحركة الشعرية الآن سواء في مصر أو في العالم العربي درسوا أو لهم اهتمام بالشعر العربي القديم وبلاغته لكي يستطيعوا أن يقدموا خدمة لهذا المشهد، كيف لناقد أن يدرس الشعر الآن وليس لديه معرفة بالشعر العربي القديم ولا بلاغته.

وقال الرباوي "أدرّس الشعر بالجامعة مستثمرا ثقافتي الشعرية القديمة والمعاصرة، فالشعر العربي لا نستطيع أن نفهمه إذا لم تكن لنا معرفة بتراثنا الثقافي القديم، لا يمكن قراءة السياب ولا أدونيس دون قراءة قديمنا، إذن أنا بحاجة إلى تراثنا الثقافي القديم وثقافة جديدة، لأقرأ النص بهاتين الثقافتين، إن عز الدين إسماعيل نجح بهذه الطريقة، أحاول أن أقدم النص وأن أحدده للطالب، وأدرس نصوصا معاصرة مغربية انطلاقا من جيلي الستينيات والسبعينيات".

ورأى أن كل نص يفرض علي طريقة خاصة في التعامل معه، لأن الشعر العربي ليس كالشعر الغربي، لأن الأخير مدارس ولكل مدرسة الرومانسية والرمزية وغيرها آلياتها في القراءة، ولا يمكن أن تتعامل مع الشعر العربي بنفس الطريقة التي يتعامل بها النقد الغربي مع مدارسه الشعرية، مثلا يمكن أن أثبت لك أن أدونيس تقليدي وأختار لك عينات من أشعاره تثبت ذلك، وإذا أثبت ذلك عممته على شعره، وهذا هو الخطأ الذي يحدث، لكن إذا أخذت فيكتور هوجو وتحدثت عن شعره مثلا أستطيع أن أعمم ما قلته عنه على جيله لامارتين وغيره، نحن في الشعر العربي لا نستطيع فعل ذلك، لا أستطيع أن أعمم القوانين التي وصلت لها من دراسة السياب يصعب تعميمها على مجايليه من الشعراء العرب فهي تخلصه هو.

• قصائد للرباوي

(1)

عَارِياً جِئْتُ.

رَقَّ لِضَعْفِي حَبِيبِي،

فَكَسَانِي.

وَحِينَ أَخَذْتُ الطَّرِيقَ إِلَى جَمْرِهِ

ﭐشْتَبَكتْ قَدَمِي بِالتُّرَابِ

وَلَكِنَّهُ مَا رَمَانِي

( 2 )

أَنْتَ ﭐشْتَعَلْتَ وَلَمَّا تَحْتَرِقْ.. وَأَنَــا

قَـدِ ﭐحْتَرَقْتُ شَجاً وَالْقَلْبُ مَا ﭐشْتَعَلاَ

( 3 )

أَتُرِيدُ ضِيَائِي؟

جَاهِدْ فِي غَابَاتِي،

حَتَّى تَأْمَنَ شَرِّي

جَاهِدْ..

عَلِّي قَبْلَ لِقَاءِ حَبِيبِي

لِمُحَيَّاهُ أَنْتَبِهُ.

( 4 )

مُغْمَضَ العَيْنَيْنِ أَمْشِي

بَاحِثاً عَنْكَ حَبِيبِي

بِخُطًى مُرْتَبِكَهْ.

لَيْتَ رِجْلِي يَا حَبِيبَ القَلْبِ تَبْقَى

دَائِماً مَشْدُودَةً فِي الشَّبَكَهْ

( 5 )

أَعْرِفُ أَنَّ الدَّرْبَ الْمُوصِلَ يَا قَلْبِ لِبُسْتَانِ حَبِيبِي

مَفْرُوشٌ بِالْوَرْدِ النَّاعِمِ

لَكِنِّي وَأَنَا أَسْلُكُ هَذَا الدَّرْبْ

تُدْمِي قَدَمِي أَشْوَاكٌ

لاَ أَعْرِفُ كَيْفَ تَجِيءْ.

أُحْرِقُهَا قَبْلَ مَجِيءِ اللَّيْلِ بِمِصْبَاحِي الْوَهَّاجْ

أُحْرِقُهَا فَرِحًا

مَا دُمْتُ أُحِسُّ حَبِيبِي

تَمْلأُنِي عَيْنَاهْ

( 6 )

لَيْتَ جِهَاتِي تَتَوَحَّدْ

فَتَصِيرَ حَبِيبِي

جِهَةً وَاحِدَةً كَالأَلِفِ الْمَمْدُودَهْ

( 7 )

اُذْكُرْ فِي خَلْوَتِكَ ﭐسْمَ حَبِيبِكْ

اُذْكُرْ نُورَ حَبِيبِكْ

وَعَطَايَاهْ

اِمْلأْ أَنْتَ بِذِكْرِ حَبِيبِكَ كَأْسَكْ

وَﭐشْرَبْ حِينَ تَرَاهُ جَلِيسَكْ

( 8 )

تَكْسُونِي، مُنْذُ ﭐلأَمْسِ، ٱلْقَزَّ

فَأَنْسَى عُرْيِي،

وَتُرَابِي .

فَإِذَا خَتَمَ ﭐللَّيْلُ كِتَابِي

قَدَّتْ مِنْ دُبُرٍ كُلَّ ثِيَابِي

لِيَكُونَ حَيَاةً لِعَوَاصِفِهَا

عُرْيِي ..

وَخَرَابِي

( 9 )

جَاءَنِي مَاشِياً

كَـﭑلسَّحَابِ عَلَى ﭐلْبَحْرِ،

عَيْنَاهُ لُؤْلُؤَتَانِ

وَسَاقَاهُ صَفْصَافَتَانِ

قُلْتُ مِنْ شِدَّةِ ﭐلرُّعْبِ: مَنْ؟

مَنْ تَكُونْ؟

قَالَ لِي: لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوْ .

قُلْتُ: مُرْ أَنْ أَجِيءَ إِلَيْكَ عَلَى ﭐلْمَاءِ

قَالَ : تَعَالَ، تَعَالْ .

قُلْتُ لِلْقَارِبِ ﭐلْحَجَرِيِّ :

إِذَا مَا مَشَيْتُ إِلَيْهِ

فَقُدَّ ظِلاَلِيَ مِنْ دُبُرٍ …

……

مَشَيْتُ عَلَى ﭐلْمَاءِ

قُلْ خُطْوَةً.. خُطْوَتَيْنِ

إِذَا بِلَظَى الْمَاءِ تَمْلأُنِي،

سَيِّدِي..

نَجِّنِي

أَنْتَ هُوْ..

أَنْتَ هُوْ..

أَنْتَ هُوْ.

(10 )

مَا حَلَّ فِي الْكَاسِ

وَلاَ

غَابَ عَنِ الْكَاسِ

وَهَذِهِ جَمْرَةُ أَنْفَاسِي

تَطْلُبُهُ اللَّيْلَةَ فِي كَاسِي

( 11 )

هِيَ الشَّمْسُ يَسْتُرُهَا عَنْ عُيُونِي السَّحَابُ

وَيَحْجُبُ وَجْهَ الْمَلِيحَةِ هَذَا الْحِجَابُ

وَأَنْتَ بَعِيدٌ إِذَا أَنْتَ تَقْتَرِبُ

فَكَيْفَ بِرَفْعِ حِجَابِكَ تَحْتَجِبُ؟