محمود عبدالغفار يمسك بجذور الأسطورة الكورية

الأسطورة الكورية بدأت معتمدة على منطق الدقة والتحديد الواضحين وضوح خلطة عمل أهم أنواع المقبلات الكورية وهو "كمتشي".


في الشعر الكوري إشارات متواترة عن اتصال كوريا بالعالم العربي


مصر لها مكانة خاصة عند الكوريين بحكم تاريخها العريق

يقدم أستاذ الأدب المقارن د.محمود عبدالغفار في كتابة "الأسطورة الكورية من الكمتشي إلى التكنولوجيا الرفيعة" رؤية ثقافية واجتماعية وإنسانية متميزة وفريدة للثقافة الكورية متعمقا في جذورها وامتداداته التاريخية، حيث يسعى لتقريب الثقافة الكورية على ثلاث مستويات تبدأ بلمحات من وجه كوريا في الحاضر من خلال مشاهد أو لوحات مبسطة لتجارب ومواقف عاينها بنفسه خلال فترة إقامته بها أو زياراته لها بين الحين والآخر. 
ويكشف المستوى الثاني الأسباب الأساسية وراء الأسطورة الكورية التي بدأت معتمدة على منطق الدقة والتحديد الواضحين وضوح خلطة عمل أهم أنواع المقبلات الكورية وهو "كمتشي"، لتبلغ مبلغًا عظيمًا يقوم على أبعد مستويات الدقة التي تنتج تكنولوجيا رقمية رفيعة تقف بها كوريا بزهوٍ وسط الدول الصناعية الكبرى في العالم. والمستوى الثالث يكشف في شقه الأول عن وجه كوريا في الماضي من خلال أسطورة تأسيسها وحكاياتها وقصصها الشعبية في الماضي البعيد.
أما في شقه الثاني فيقدم عبدالغفار في كتابه الصادر عن دار صفصافة وجهًا آخر للشعب الكوري خلال رحلة طويلة وشاقة في تشبثه بهويته ضد إغارات واحتلالات من بلدان مجاورة كان آخرها الاحتلال الياباني في الفترة من 1910 حتى 1945، وذلك من خلال سرديات شعرية لشاعرين كبيرين على ساحة الأدب الكوري وهما الشاعر العظيم كو أون الذي قدم في ديوانه "أماكن خالدة" سردًا بديعًا لتاريخ بلاده وشعبه في فترات تاريخية مختلفة أحيا عن طريقه الموروث الشعبي والتاريخي لأجل أن تتعرف الأجيال الجديدة على هويتها وتناضل لنيل حريتها واستعادة وحدة أراضيها التي قُسمت في ظروف سياسية وعسكرية صعبة، والشاعرة الكبيرة كيم سنغ هي التي لقبوها بأم كاتبات المستقبل في سبعينيات القرن العشرين من خلال نصوص فريدة بديوانها "الحياة داخل بيضة".

الأدب الحديث أجبر على النمو في ظل أجواء من التوتر والقلق والقهر والاستغلال وسلب الإرادة والحرية، فكان أدبًا يتسم بالحزن ويعكس كآبة المبتلين، يستشرف الغد بجزع شديد

ويكشف أن العرب عرفوا كوريا منذ زمن بعيد، فقد ورد لفظ "شيلا" في كتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة حيث قال: "وفي أواخر الصين بإزاء قانصو جبالٌ كثيرة وملوك كثيرة وهي بلاد الشيلا، فيها الذهب الكثير ومن دخلها من المسلمين استوطنها لطيبها، ولا يعلم ما بعدها". كما تذكر المصادر التاريخية – أيضًا - أن قائد الجيش كوسان جي هو أول كوري اتصل بالعرب، فوالده كو ساغاي كان قائد الجيش الذي استسلم لإمبراطورية تانج الصينية بعد سقوط مملكة كوكوريو، وصار ابنه كوسان جي قائدًا في إمبراطورية تانج وقاد حملة على جنود أبي مسلم الخرساني في شرق آسيا عام 751، ولكنه انهزم وصارت آسيا الوسطى منطقة إسلامية، أما في الأساطير الكورية فهناك إشارات إلى اتصال العرب بكوريا منذ قرون، وهو ما عبَّرت عنه إحدى الأغنيات القديمة التي حكت عن التاجر العربي الذي قدِم إلى كوريا وتزوج إحدى نسائها وعاش حياته فيها. 
ويشير عبدالغفار "في الشعر الكوري إشارات متواترة عن اتصال كوريا بالعالم العربي؛ فهناك مفردات: الحرير، الزخارف، الألوان، الصحراء العربية، الإوز العراقي، وغيرها من مفردات البيئة العربية التي قرأتها في نماذج منوعة لكثير من الشعراء الكوريين في العصر الحديث. ففي ديوان "أماكن خالدة" للشاعر الكبير كو أون ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ بعض هذه المفردات، لكن الأهم هو ورود رقصة كورية شهيرة اسمها "بوك تشُنج؛ رقصة قناع الأسد" وبوك تشُنج قريةٌ بشمال هام كيونج نُسبت إليها الرقصة، وهي تحاكي رقصة أسد إفريقي يتساءل كو أون عن كيفية مجيئه إلى كوريا: كيفَ حدث هذا منذُ ألفِ سنة؟ حيث أفريقيا وكوريا كانتا بعيدتين جدًّا، ولا يزال شيءٌ كهذا، ليس لديًّ فكرة؛ ولا واحدة. يكفي أن أوقدَ موقدَ مئات الألوان المُلتفَّة، وأرقصَ بوك تشُنج، رقصة قناع الأسد".
ويضيف في قصيدة أخرى بعنوان "هانجول" إشارة مهمة إلى اتصال كوريا بالعالم قديمًا وحديثًا، حيث دخلت اللغة الكورية مفردات من الصينية واليابانية والمنغولية والتركية. من فنلندا البعيدة، ومدغشقر، والهند، وبلاد فارس، وشبه الجزيرة العربية، والأيرلنديين، والبرتغاليين، وجميعها قد تم تصفيته وصهره داخل اللغة التي أصبحت ـ كما وصفها الشاعر ـ اللغة الكورية.
لدينا كلمات من المنغوليين.. وكلمات أيضًا من فنلندا البعيدة جدَّا
من الهند، بلاد الفُرس، شبه الجزيرة العربية، من القبائل السامية
جميعها قد تم تصفيته داخل اللغة الكورية، لغتنا، وأصبحت لغتنا.
أما مصر فلها كما يوضح عبدالغفار مكانة خاصة عند الكوريين بحكم تاريخها العريق؛ طلاب المرحلة الإعدادية يدرسون التاريخ المصري القديم، ويعرفون الكثير عنها وعن حضارتها وكذلك عموم الشعب الكوري. في هذا السياق أقدم نموذجًا دالًّا من قصيدة للشاعر كيم يونغ مو، بعنوان نظرة عين من ديوانه "الواقع الافتراضي"، حيث يقول:
اليوم الذي سأغادر فيه العالم،
أريدُ أنْ أكونَ وجهًا فرعونيًّا،
منقوشًا على حائط المدينة أو آنية الماء،
وبنظرةٍ مفعمة باليقين، أحدّقُ نحو الخلود،
 في ما وراء الأفق!
ويلفت عبدالغفار أنه حديثًا؛ وفي السنوات العشر الأخيرة، نالت كوريا مكانة مرموقة لدى الشعوب العربية على المستويين التجاري والثقافي، بفضل عوامل عدة أعطت انطباعًا راقيًا عن الشخصية الكورية بشكل عامٍ، مثل جودة المنتجات الكورية وحسن تصنيعها، والتنظيم الجيد لكأس العالم لكرة القدم عام 2002 مناصفةً مع اليابان، والدراما التليفزيونية التي تم بثها في معظم الدول العربية، والتي لاقت إعجاب المشاهدين العرب، وخلقت حالة من الشغف لمعرفة المزيد عن الثقافة الكورية، التي وجدوا فيها عددًا من السمات الاجتماعية والأخلاقية المتشابهة مع ثقافتهم. 

كما سعت بعض الأعمال الأدبية المترجمة من الكورية إلى العربية ـ رغم قلتها ـ إلى رسم صورة لهوية الشعب الكوري وخصوصيته الحضارية والثقافية، منتقيةَ نصوص أهم المبدعين وأشهرهم؛ لما يتوفر فيها من قدرة على الإمساك بجوهر الإنسان أينما كان، رغم تجسيدها أو تعبيرها عما عايشه المواطن الكوري – تحديدًا - في فترة من الفترات في بلده؛ ذلك لأن الإنسان مهما اختلف لونه أو جنسه أو لغته أو عقيدته يظل في جوهره الإنسان ذاته؛ على سبيل المثال يستطيع القارئ غير العربي أن يمسك بسمات جوهرية في الشخصية المصرية والعربية بل وفي الإنسان بشكل عام من خلال قراءته نصوص نجيب محفوظ الروائية بغض النظر عن اللغة التي ترجمت إليها، الأمر نفسه في نصوص جابريل جارثيا ماركيز الروائية المنطلقة من بيئة محلية هي كولومبيا، وفي نصوص فيديركو غارسيا لوركا الشعرية الإسبانية، وفي قصائد أمل دنقل المصري وكو أون وكيم جوانج كيو وكيم سنغ هي وهان جانج الكوريين الجنوبيين، التي تنطلق جميعها من واقع محليٍّ بقضاياه وهموم أهله".
يتوقف عبدالغفار مع جوانب من الإبداع الفردي والجمعي للشعب الكوري في الماضي والحاضر، ويخص شكلين من أشكال الإبداع الجماعي والفردي؛ الأول السرد في الحكايات الشعبية ودوره في بناء الأسطورة الكورية، والثاني السرد في الشعر الحديث ودوره في تثبيت دعائم الأسطورة الكورية عند الأجيال الجديدة.
ويرى أن الأدب الحديث ـ تقريبًا ـ مّثل انقطاعًا تامًّا مع الماضي الكوري، وبينما تطورت أنواع من التعبيرات والصور في الصين واليابان بشكل متأخر عن أوروبا، فحتى القرن العشرين لم تكن قد تمكنت من الظهور. وبخلاف الأدب الحديث في أوروبا، الذي تابع تقاليده الأدبية من الماضي، فقد جنح لقبول النماذج الأجنبية ومحاكاتها، فبدا أن النجاح السريع للأفكار والحركات الأدبية خلال فترة وجيزة لخمسين عامًا تقريبًا قد أربكت الأدب العالمي. ومع ما أظهرته البدايات، فإن الأدب الكوري الحديث ربما يكون قد ولد لثمرة غضة إن تركت لها الفرصة لتنضج في جو دافئ مفعم بالحرية. 
إن براعم الأدب الحديث كانت، على أي حال، قد صُفعت بشدة بصقيع غير موسمي عندما فقدت كوريا استقلالها عام 1910، فخلال سنوات الاحتلال الياباني وحتى الحرب العالمية الثانية، أجبر الأدب الحديث على النمو في ظل أجواء من التوتر والقلق والقهر والاستغلال وسلب الإرادة والحرية، فكان أدبًا يتسم بالحزن ويعكس كآبة المبتلين، يستشرف الغد بجزع شديد، ومع فقدان أي سيطرة للكوريين على وطنهم، لم يستطع الأدب الكوري حماية اللغة - وعاء الثقافة والتقاليد - كما لم يكشف عن القيمة القصوى أو المطلقة للحساسية الكورية. لكنه كان مع ذلك انتصارًا لتلك الروح؛ الروح التي صانت اللغة رغمًا عن الاحتلال الياباني.
ويوضح أن الفترة من 1880 حتى 1905 اتسمت بشيوع الترجمات والدراسات المختلفة عن الآداب الأوروبية إلى الكورية، أما العقد التالي فكان عقد الرواد؛ حيث ظهر كاتبان عظيمان هما "تشوي نام سون" و"يي كوانج سو"، والسابق هو الذي أوجد "سونيو" أو "الأطفال"؛ أول دورية شهرية للأدب الكوري. 
أما عن الشعر فيقال إن حركته قد بدأت مع "من البحر إلى الأطفال" مع ثلاث قصائد أخرى لـ تشوي بالمجلد الأول لتلك المجلة، الذي صدر في أكتوبر/تشرين الأول 1908. أما يي كوانج سو فكان أول من قدّم رواية الوعي الجديد، كما كان مع تشوي من رواد النضال ضد الاحتلال الياباني من 1910، وبعد ذلك. فكتب تشوي احتفاء بحركة الاستقلال التي ألهبت نفوس الجميع وحمّستهم لنيل الحرية في الأول من مارس/آذار 1919، وبوقت قصير قبيل هذه الثورة كان الطلاب الكوريون الموجودون في اليايان للدراسة قد أصدروا مجلة "تشانج جو" أو "إبداع فبراير 1919"، وكان هدفها بث الوعي الوطني في نفوس الكوريين وكذلك تنمية الأدب الكوري الحديث، لقد أظهرت تلك المسافة الكبيرة التي قطعها الأدب الكوري الحديث قدرته على المضي قدمًا، وكذلك قدرته على التطور نحو الاكتمال كأدب جديد له أساليبه الخاصة، وقد أعقب ذلك ظهور مجلتين أخريين "يي هو" أو "أطلال يوليو" عام 1910، و"بيك تشو" أو "الرباط الأبيض" في يناير/كانون الثاني عام 1922.