مدن تستقرئ التاريخ وتعيش فيه
هافانا - يرى مؤرخون أن مدينة هافانا التي ستحتفل العام المقبل بالمئوية الخامسة لتأسيسها، لا تُختصر العراقة فيها بآثارها الرومانسية أو بسياراتها الأميركية القديمة وحفلاتها وأشجار النخيل فيها، ولكنها مدينة تعج بالأنشطة الثقافية.
تبدو هافانا التي تحتفل العام المقبل بالمئوية الخامسة لتأسيسها، كمدينة من زمن آخر على غرار السيارات الأميركية القديمة التي تجوب طرقاتها، في ظل سعي السلطات المحلية إلى حماية طابعها الفريد بمواجهة موجات الحداثة.
السير في شوارع هذه المدينة التي تضم مليوني شخص ونيّف أشبه بالتنقل عبر الزمن. فعلى ممشى ماليكون الشهير على طول البحر، تركت العوامل المناخية بصمتها على المباني الملونة المنتشرة في المنطقة.
ويمكن هنا أيضا التمتع بمشهد الغروب الساحر قبل الغوص في مياه البحر الكاريبي.
وأطلقت السلطات خطة للحفاظ على المباني.
التحدي أمام الأجيال المقبلة يقضي بجعل هافانا مدينة تحترم جمالها من دون الحد من قدرتها على التحديث في إطار اقتصادي واجتماعي جديد
ويوضح المؤرخ الرسمي للعاصمة اوزيبيو ليال المكلف أعمال ترميم المدينة "كأن الزمن متوقف في هافانا. كان للثورة أثر ايجابي على صعيد العناية بالبلاد" لكن "كان للأمر كلفة لا يمكن انكارها. فعندما نتنقل في هافانا نرى مدينة متداعية للغاية مع علامات تدهور ظاهرة".
وهو يقول "للمفارقة، سمح ذلك بالحفاظ على خاصيتها من الناحية المدنية. لم تشيد أي جسور أو جادات جديدة ولم تسجل أي زيادة في حركة المرور أو أي عمليات هدم كبرى كما في مدن أميركية لاتينية أخرى".
وتظهر الأرقام الرسمية أن 39% من المساكن في هافانا متضررة.
ومن بين المباني المتميزة، هناك المسرح الكبير في هافانا مقر فرقة الباليه الوطنية للراقصة النجمة اليسيا الونسو البالغة 97 عاما حاليا. وقد شيد هذا المبنى وفق الطراز الباروكي الجديد، والكابيتول ذو القبة الضخمة المتوقع الانتهاء من ترميمها في 2019.
وتقول ديبورا نافيس وهي سائحة برازيلية في الحادية والأربعين "هافانا مدينة فرحة ومسلية وشعبها مضياف. شعرت بالأمان في طرقاتها. غير أني أظن أنها ستحتاج استثمارات".
مواكبة الحداثة ولكن
ورغم النقص في الصيانة والإنارة، تصنف الطرق في هافانا على أنها من الأكثر أمانا في أميركا اللاتينية.
وقد زار 4,5 ملايين سائح الجزيرة في 2017.
وترافق الانفتاح التدريجي للاقتصاد الكوبي خلال السنوات الأخيرة مع افتتاح الكثير من المتاجر الفاخرة والمطاعم والفنادق المقامة في مبان قديمة مرممة على مقربة من المباني المتداعية من الحقبة الاستعمارية.
ويوضح ليال أن "هافانا كانت خلال السنوات العشر الأخيرة مسرحا لمبادرات خاصة مهمة سمحت بنهضة هندسية محلية وبإيجاد فرص عمل".
وفي مطلع يوليو/تموز، سمحت كوبا مجددا بالاستثمارات الخاصة (في قطاعات عدة كالإيواء والمطاعم) بعد توقف استمر قرابة العام. ويوظف هذا القطاع 13% من اجمالي القوى العاملة في الجزيرة الشيوعية.
وكانت هافانا، وهي من أقدم مدن أميركا اللاتينية، مصنفة على أنها مدينة معاصرة في أوائل القرن الماضي كما كانت تعتبر من عواصم السهر والدعارة وألعاب الميسر. غير أن ثورة العام 1959 وضعت حدا لهذه الأنشطة من دون أي مبادرات لتجديد المدينة.
ويلخص المؤرخ الوضع قائلا "الناس يريدون التعرف على هافانا قبل أن تتغير هذه الصورة الموجودة لدينا عن مدينة حية لكن هادئة وعن بلد هانئ خال من الجرائم تثير اهتماما هائلا".
وكبديل عن وسائل النقل العامة، وهي من نقاط الضعف الأساسية في العاصمة الكوبية، تشغل السيارات الأميركية القديمة كمركبات "شفروليه بيل اير" طراز 1956 أو "دودج كورونيت سييرا" طراز 1952، كسيارات اجرة.
كما أن رائحة الوقود التي تعلق في الملابس جزء من الرحلة التي يمكن للركاب الاستمتاع بها على أنغام موسيقى ريغيتون.
ويوضح يويسل فرنانديز وهو أحد السائقين أن "السيارات الكلاسيكية التي نراها في هافانا تعود إلى خمسينات القرن العشرين. الحفاظ عليها عملية مكلفة للغاية".
ويؤكد المؤرخ أن التحدي أمام الأجيال المقبلة يقضي بجعل هافانا مدينة "تحترم جمالها من دون الحد من قدرتها على التحديث في إطار اقتصادي واجتماعي جديد".






