'مدينة البنات'.. رواية الحب والحرب

رواية الكاتبة الأميركية إليزابيث جلبرت تجعل قارئها يتنفس عبق الأربعينيات من القرن العشرين في نيويورك.
رند الأسود
بغداد

تحضرني مقولة الكاتب العظيم شكسبير "الدنيا مسرح كبير، وكل الرجال والنساء ما هم إلّا ممثلون على هذا المسرح" عند قراءتي لرواية "مدينة البنات" للكاتبة الأميركية إليزابيث جلبرت الصادرة حديثا عن دار المدى بتوقيع المترجم عابد إسماعيل.

هذه المخطوطة التي تجعل قارئها يتنفس عبق الأربعينيات من القرن العشرين في نيويورك، فهناك روايات تفرض سطوتها على قرائها لتسحبهم إلى عالمها فيفرحون مع أبطالها ويحزنون لأحزانهم ويأسفون على ضياع شبابهم وقصص حبهم الساحرة في ذلك الزمن. 

تعتمد الرواية تقنية الفلاش باك (الاسترجاع الزمني للأحداث) من خلال تتبع حياة بطلتها فيفان موريس القادمة من إحدى الضواحي إلى مدينة نيويورك للعمل في المسرح الذي تملكه عمتها "بيغ"، حيث الأضواء والممثلين والراقصات ذلك الزمن الذهبي المبهر بفعالياته واستعراضاته.

اللافت في القصة هي أن كل الروايات والسير التي تتناول حياة الفنانين خلف الكواليس تقوم على لسانهم لكن السارد في مدينة البنات هو خياطة المسرح "فيفان"، صوت واحد يسرد لنا الحكاية من بدايتها في عام 1940 فيكشف الستار عن حياة فتيات الاستعراض في ذلك الزمن وعن الحب والعلاقات والتمرد والندم.

تحثنا إليزابيث في الرواية على ضرورة الغفران بما معناه أن يصفح المرء عن أخطائه خصوصاً في مرحلة الشباب وقبل النضوج، فلا معنى لأن يبقى جلادا لذاته. 

"من خلال تجربتي هذا أقسى درس على الإطلاق بين كل الدروس. بعد عمر معين، نمشي في هذا العالم أجسادا مصنوعة من الأسرار، والعار، والحزن، والجراح القديمة التي لم تلتئم، قلوبنا يعتصرها الحزن مثخنة بكل هذا الألم، ومع ذلك نمضي قُدما".

وتسير الأحداث باتجاه الحرب العالمية الثانية وما خلفته من دمار وضحايا، وحتى الناجون منها لم يتشافوا من أثارها النفسية العميقة في دواخلهم، نيويورك مدينة الحب واللذات، بين يوم وليلة خلت المدينة الدافئة من شبابها الذين التحقوا بالحرب للدفاع عن الوطن والمبدأ، وبعد الانتصار لم تعد كما كانت فشملها التغيير من جميع جوانبها واجتاحتها الحداثة والتطور، فتصف الراوية بدقة حجم الهوة التي تفصل أميركا في مرحلة الأربعينات عن أميركا بعد الحرب العالمية الثانية وخصوصا في فترة الخمسينيات حين يبدأ مجتمع الولايات المتحدة بتبني أفكار جديدة مختلفة جذريا عن أربعينيات القرن العشرين، كذلك تبجل الكاتبة عقد الستينيات وتصفه على أنه من أجمل الفترات المؤثرة في حياة الأميركيين من حيث التحرر وحرية الأفكار. 

وتجلى إبداع الكاتبة في وصفها البديع لكل اللحظات الإنسانية وتعبيرها عن كل ما يعتمل في دواخل الإنسان من مشاعر الحب والكره والخوف والغيرة والحقد فكانت بطلتها امرأة تعمل على ماكنة خياطتها وتعترف بكل أخطائها، خياطة جميلة متمردة لها عشاق كثيرون لم تعشق أحدا منهم وعندما دق الحب بابها لم تستطيع معانقة حبيبها.

"لا تسيئي فهمي، كان الآخرون دائما رائعين وطيبين، لكن لا أحد من هؤلاء كان هو. لا أحد يمكن أن يكون ذلك الرجل الذي يشبه البئر العميقة - خزان الاعتراف المتحرك، القادر على امتصاص كل ما يقال له، من دون تقييم أو هلع".

إليزابيث جلبرت مؤلفة الكتاب الأشهر "طعام، صلاة، حب" هي روائية أميركية، كاتبة، كاتبة قصّة قصيرِة، كاتبة سير ذاتية ولدت في 18 يوليو/تموز عام1969 في ولاية كونيكتيكت الأميركية.

مع أختها الوحيدة الروائية والمؤرخة كاثرين جلبرت مردوخ كبرت إليزابيث في مزرعة شجرة عيد الميلادِ ضمن عائلة صغيرة في كونيكتيكت. درست في جامعة نيويورك وتخرّجت في 1991 في اختصاص علمِ السياسة، وبعدها عاشت حياة متشردة بكل ما تعنيه الكلمة من معان فعملت كطباخة ونادلة. تجاربها كطباخة في مزرعة رجل ظهرت بقوة في كلتا القصص القصيرة وكتابها، الرجل الأميركي الأخير فايكنك 2002.