'مذكرات إفريقية وآسيوية': رحلة الوعي العالمي
الدار البيضاء (المغرب) - صدر عن مؤسسة أبي بكر القادري، في طبعته الثانية لسنة 2026، كتاب "مذكرات إفريقية وآسيوية"، وهو عمل توثيقي وفكري يضم نصوصًا كتبها العلامة والمثقف الوطني الكبير أبو بكر القادري في مناسبات متعددة، إثر زياراته لعدد من البلدان الأفريقية والآسيوية. وتندرج هذه المذكرات في السياق العام لمشروعه الفكري والوطني، الذي تميز بالجمع بين الوعي التاريخي والالتزام الأخلاقي، وبين المعرفة والموقف.
لقد كان أبو بكر القادري شخصية وازنة في مسار المغرب الحديث، ساهم بفاعلية في محطات مفصلية من تاريخه، وترك أثرًا واضحًا في مجالات الوطنية، والتعليم، وبناء الوعي الثقافي. كما انفتح مشروعه الكتابي على أجناس متعددة: من الرحلة والمذكرات، إلى السيرة والتراجم، والمقالة، والتأريخ الوطني، واضعًا نصب عينيه هدفًا مركزيًا هو صون الذاكرة الجماعية وحفظ القيم والمواقف في مواجهة النسيان والتحريف.
في هذا الأفق، يأتي كتاب "مذكرات إفريقية وآسيوية" بوصفه شهادة صادقة على لحظات تاريخية دقيقة في العلاقات التي ربطت المغرب بعمقيه الأفريقي والآسيوي. وهو، كما يشير شعيب حليفي في تقديمه لهذه الطبعة، نص يتيح للقارئ تتبع تشكّل الوعي وتحول الرؤى وتطور المواقف إزاء قضايا ما تزال راهنة بقوة اليوم، من قبيل: القضية الفلسطينية، والعلاقات العربية الأفريقية، وواقع الإسلام في أفريقيا وآسيا، وحدود الحضور الإسلامي في عالم سريع التحول.
ولا تقتصر هذه المذكرات على تسجيل الوقائع أو رصد مشاهد السفر، بل تتجاوز ذلك إلى جعل الرحلة نفسها أداة للتفكير، واختبار القناعات، ومساءلة التصورات. فالقادري لا يسافر ليصف غرائب البلدان وعادات الشعوب فحسب، وإنما ليحوّل السفر إلى مختبر فكري يطرح من خلاله أسئلة كبرى حول موقع المسلمين في العالم، وإمكانات الوحدة والتحرر، وسبل الخروج من دوائر التبعية والاستلاب.
ومن هنا، تتخذ نصوص الكتاب طابعًا مركبًا، تمزج فيه بين المذكرات والرحلة والتقرير والرسالة، بما يجعلها امتدادًا عضويًا لمشروعه الفكري والسياسي.
ويتجلى في هذا المزج ذلك الحس الاستشرافي الذي ميّز كتابات القادري، حيث يحرص على ضبط التواريخ والأمكنة والوقائع، والاستناد إلى الوثائق، واستحضار السياقات الخاصة والعامة، ليقدّم شهادة من الداخل عن تشكّل الذات والوعي الجماعي معًا. وهي شهادة تتسم بجرأة التشخيص، ونقد الاختلالات، ومساءلة اللحظة التاريخية بكل حمولاتها، مع اقتراح سبل واقعية لتجاوز أزماتها.
وعليه، يمكن قراءة "مذكرات إفريقية وآسيوية" بوصفه أكثر من مجرد سجل لرحلات رسمية؛ إنه نص متعدد الأصوات، يلتقي فيه صوت المؤرخ والشاهد، وصوت الإنسان الأب الحريص على المستقبل، وصوت الداعية والمثقف الملتزم، وصوت الرحالة المفتون بتعدد تجليات الإسلام وتنوع تجاربه الحضارية في العالم.
إن مذكرات أبي بكر القادري في إفريقيا وآسيا تظل، اليوم، نصًا ضروريًا لفهم أسئلتنا المعاصرة التي لا تزال تلح علينا بإلحاح متجدد: كيف نبني جسورًا حقيقية بين العرب والأفارقة والآسيويين؟ كيف نحافظ على فلسطين حيّة في ضمير العالم؟ وكيف نوفق بين متطلبات التقدم المادي وحاجة الإنسان إلى الطمأنينة الروحية؟
إنها، في جوهرها، دعوة متجددة لاستئناف السفر نفسه: سفر الوعي، والبحث عن المعنى، في عالم مضطرب تتقاطع فيه الأسئلة والمصائر.