مرثية 'سنة أخرى من الاشتياق' لبغداد والمنفى والذاكرة

الكاتب العراقي فاروق يوسف يقدّم نصًا أدبيًا فريدًا يزاوج بين السيرة الذاتية واليوميات والتأملات الشعرية، ليكتب شهادة إنسانية مؤثرة عن الحنين إلى المدينة التي ظلّت حاضرة في وجدانه رغم سنين الاغتراب.
رانيا عبدالعاطي
القاهرة

في كتاب "سنة أخرى من الاشتياق" يقدم الكاتب العراقي فاروق يوسف نصًا أدبيًا فريدًا يزاوج بين السيرة الذاتية واليوميات والتأملات الشعرية، ليكتب شهادة إنسانية مؤثرة عن الحنين إلى بغداد، المدينة التي ظلت حاضرة في وجدانه رغم سنوات المنفى الطويلة في السويد. الكتاب الصادر عن دار المتوسط لا يكتفي باستعادة الذكريات، بل يحولها إلى تجربة أدبية عميقة تتأمل معنى الوطن والذاكرة والزمن.

ينتمي فاروق يوسف إلى جيل من المثقفين العراقيين الذين استطاعوا أن يحولوا تجربة الغربة إلى أدب رفيع. درس الفن التشكيلي في بغداد، وأصدر أكثر من أربعين كتابًا في الشعر والنقد واليوميات، كما نشر مقالاته على مدى سنوات في عدد من أبرز الصحف العربية، من بينها الشرق الأوسط والحياة والقدس العربي والعرب. وهو عضو في اتحاد المؤلفين في السويد والرابطة الدولية لنقاد الفن، وقد نال جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة تقديرًا لإسهامه في كتابة اليوميات وأدب الذاكرة.

في هذا الكتاب لا تظهر بغداد بوصفها مدينة فحسب، بل بوصفها عالمًا كاملًا من الروائح والأصوات والتفاصيل الحميمة. يستعيد الكاتب الأسواق القديمة والمقاهي والكتب والأغاني الشعبية وأصدقاء العمر، ويمنح لكل تفصيلة صغيرة قيمة رمزية كبيرة. وتتحول رائحة خبز الأم إلى واحدة من أكثر الصور تأثيرًا في النص، إذ تتداخل الأم مع المدينة حتى يصبح الحنين إليهما وجهين لوجع واحد.

وتكمن فرادة الكتاب في لغته الشعرية الكثيفة التي تمزج بين الحس البصري والتأمل الفلسفي. لا يعتمد المؤلف على السرد التقليدي أو التسلسل الزمني، بل يترك للذاكرة حرية التنقل بين الأزمنة والأمكنة والوجوه. ولهذا يشعر القارئ أنه لا يقرأ أحداثًا متتابعة، بل يعيش تجربة وجدانية كاملة تتداخل فيها الحقيقة بالحلم، والواقع بالخيال، والحاضر بالماضي.

ويكتسب النص بعدًا إنسانيًا عميقًا من خلال فكرة العودة المؤجلة. ذلك الوعد الذي يردده كل منفي لنفسه: سنة واحدة وأعود. غير أن السنوات تمضي، ويتغير الوطن، وتصبح العودة أقرب إلى حلم مؤجل. ومن هنا يتحول الاشتياق إلى حالة دائمة، ويغدو الحنين وطنًا بديلًا يسكن الذاكرة ويحفظ ما تبقى من الصور الأولى.

ولا يقتصر الكتاب على استدعاء الماضي، بل يطرح أسئلة جوهرية عن الهوية والانتماء ومعنى أن يفقد الإنسان مكانه الأول. كيف يمكن للذاكرة أن تنقذ ما هدمه الزمن؟ وهل يصبح الوطن أكثر حضورًا حين يغيب؟ هذه الأسئلة تمنح النص عمقه الفكري، وتجعل من القراءة رحلة في معنى الفقد والبحث عن الذات.

"سنة أخرى من الاشتياق" ليس مجرد كتاب عن بغداد، بل نص أدبي رفيع عن الإنسان حين يحمل مدينته في قلبه أينما ذهب. إنه كتاب مكتوب بصدق وحساسية عالية، ويؤكد أن الأدب قادر على أن يحفظ الأماكن والأشخاص من الضياع، وأن يمنح الذكريات حياة جديدة تتجاوز حدود الزمن والمكان. لذلك يخرج القارئ من هذا الكتاب وهو يشعر أن بعض المدن لا تسكن الخرائط، بل تسكن الروح إلى الأبد.