مساومات 'التنسيقي' تُلغم طريق السوداني لتشكيل الحكومة

ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي لا يبدو مستعدا لمنح السوداني ولاية ثانية دون مقابل سياسي كبير.

بغداد - مع إعلان نتائج الانتخابات التشريعية العراقية، عاد الصراع على النفوذ داخل البيت السياسي الشيعي إلى الواجهة، في مرحلة يُفترض أنها حاسمة لرسم ملامح التوازنات المقبلة وتحديد هوية رئيس الوزراء الجديد. وعلى الرغم من أن الإطار الذي يضم القوى الشيعية الأكثر تأثيراً، نجح في تأمين موقع متقدم في نتائج الاقتراع، إلا أن هذه القوة الانتخابية لم ترتد انسجامًا واضحًا في مواقف قواه الداخلية، خصوصاً في ما يتعلق بمستقبل رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني.

وعلى الرغم من أن تحالف "الإعمار والتنمية" بزعامة السوداني تصدّر النتائج بحصوله على أكثر من 1.3 مليون صوت و45 مقعدًا، إلا أن هذا التفوق لا يبدو أنه كافٍ لقطع الطريق أمام احتمالات خوضه مواجهة سياسية من داخل الإطار نفسه، إذ تشير المؤشرات الأولية إلى وجود محاولات مستترة حينًا، وعلنية حينًا آخر، لسحب البساط من تحت قدميه، أو على الأقل الدخول معه في معركة ليّ أذرع تهدف إلى ضمان مكاسب سياسية خارج حدود الاستحقاق الانتخابي.

وفي الاجتماع الذي عقدته قوى الإطار، بدا واضحا أن الهدف الأساسي هو رسم شكل الحكومة المقبلة وتحديد هوية من سيقودها، في ظل حديث عن ضرورة الالتزام بالتوقيتات الدستورية. غير أن غياب السوداني عن الاجتماع كشف مبكرًا عن وجود فتور، وربما خلافات تستعد للظهور إلى العلن، فقد أكدت مصادر سياسية شاركت في الاجتماع أكدت أن النقاشات شملت مسائل حساسة، أبرزها: توزيع المهام داخل الحكومة الجديدة وفق الوزن الانتخابي ورسم الخطوط العريضة للتحالفات المقبلة وتحديد مصير رئاسة الوزراء بين التجديد للسوداني أو الدفع باسم بديل.

لكنّ المؤشرات أوضحت أن هناك قوى داخل الإطار وخصوصاً ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي لا تبدو مستعدة لمنح السوداني ولاية ثانية دون مقابل سياسي كبير، قد يصل إلى حدود إعادة تشكيل المشهد التنفيذي بما يضمن استعادة نفوذ فقده المالكي تدريجياً منذ سنوات.

ومنحت نتائج الانتخابات السوداني مشروعية سياسية وشعبية لا يمكن الإطاحة بها بسهولة، غير أن الإطار التنسيقي، الذي يمسك بالسلطة منذ سنوات، اعتاد إدارة المشهد عبر التوافقات الداخلية أكثر من الاحتكام للأرقام. ولهذا السبب، يرى مراقبون أن السوداني قد يجد نفسه أمام خيارين صعبين:

1 الخضوع لشروط الإطار مقابل التجديد له، بما يشمل تقديم تنازلات في التعيينات والوزارات السيادية والملفات الأمنية.

2 الدخول في مواجهة مباشرة مع مراكز القوى داخل الإطار، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تهدد موقعه وربما وحدته السياسية.

وسيفتح دخول المالكي على خط الملف الباب أمام تعقيدات أكبر، خصوصاً أنه لا يزال يمتلك نفوذاً لافتاً داخل مؤسسات الدولة، وقواعد اجتماعية تتعامل معه بوصفه اللاعب الأكثر خبرة في تفكيك وتركيب الحكومات.

ويؤكد مطلعون أن الإطار يسعى إلى تشكيل حكومة "مطواعة" تلتزم بالخط السياسي الإقليمي الذي يرسمه محور طهران، في ظل ظروف إقليمية ودولية مضطربة. ولهذا، فإن تجديد الولاية للسوداني لن يكون تلقائيًا، بل مشروطًا بتقديم ضمانات سياسية تتعلق بالسياسات الأمنية، والتعامل مع الوجود الأميركي، والملفات الاقتصادية المرتبطة بإيران.

كما يعمل الإطار على ضمان تشكيل حكومة موحدة في ظاهرها، لكن موزعة النفوذ داخليًا، بحيث تبقى مراكز القوى التقليدية (حزب الدعوة، ومنظمة بدر وعصائب أهل الحق، قادرة على التأثير المباشر في القرار التنفيذي.

وناقش الاجتماع أيضًا مسألة التعامل مع التيار الوطني الشيعي بزعامة مقتدى الصدر الذي قاطع الانتخابات. ورغم أن عودة الصدر إلى المشهد تبدو مستبعدة، إلا أن الإطار يدرك أهمية تحييد تياره ومنع أي تحركات احتجاجية قد تربك المشهد.

وستكون المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الإطار التنسيقي على إدارة خلافاته الداخلية، فبين شرعية السوداني الانتخابية ورغبة أطراف نافذة داخل الإطار في إعادة رسم قواعد اللعبة، يبدو العراق مقبلًا على مفاوضات شاقة، قد تتحول إلى صراع مفتوح على النفوذ والمصالح قبل حسم هوية رئيس الحكومة المقبلة.