مسعود بارزاني من مقاتل في الجبال إلى مهندس التوازن بين أربيل وبغداد
أربيل – مع اقتراب موعد الانتخابات العراقية في 11 نوفمبر/تشرين الثاني، يطلّ مجدداً اسم مسعود بارزاني، أحد أبرز الشخصيات الكردية في تاريخ العراق الحديث، بوصفه رمزا للتجربة السياسية الكردية وعرّاب مشروعها في الحكم الذاتي والاستقرار الإقليمي.
ورغم ابتعاده عن المناصب الرسمية منذ سنوات، لا يزال بارزاني، الزعيم التاريخي للحزب الديمقراطي الكردستاني، يرسم ملامح السياسة في إقليم كردستان ويوجه دفة المشهد من وراء الكواليس، محتفظاً بمكانته وهيبته بين الأوساط الشعبية والسياسية على حد سواء.
ويدعو الحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادته الفكرية والسياسية، إلى مشاركة واسعة في الانتخابات، باعتبارها فرصة لتقوية الموقف الكردي في مفاوضات تقاسم الموارد والنفط والميزانية مع الحكومة المركزية في بغداد.
نشأ مسعود بارزاني في بيئة مشبعة بروح المقاومة، فوالده، الملا مصطفى بارزاني، مؤسس الحركة الكردية المعاصرة، أورثه حلم الدفاع عن الهوية والحقوق الكردية. حمل مسعود السلاح شاباً ضد حكم صدام حسين، قبل أن يتحول لاحقاً إلى مفاوض سياسي يجيد قراءة موازين القوى والتعامل مع التحولات الإقليمية.
تميزت مسيرته بالبراغماتية والهدوء والقدرة على المناورة في الأوقات الحرجة، وهي صفات سمحت له بالحفاظ على الكيان الكردي وسط عواصف السياسة العراقية. وبعد الانتفاضة الكردية عام 1991، أسهم بارزاني في تأسيس أول إدارة كردية ذاتية، مهّدت لولادة كيان سياسي متماسك في شمال العراق، سرعان ما أصبح ملاذاً آمناً واستثمارياً بعد سقوط النظام السابق عام 2003.
من السلاح إلى السياسة
قاد بارزاني البشمركة في مواجهة نظام صدام، ثم في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى جانب قوات بغداد، ليصبح أحد أعمدة الأمن القومي العراقي في فترات الأزمات. وفي الوقت ذاته، عُرف بدفاعه المستمر عن مبدأ التفاهم مع بغداد، رغم الخلافات المزمنة حول ملف النفط والميزانية.
وفي عام 2017، قاد استفتاءً على استقلال الإقليم رأى فيه خطوة رمزية لتثبيت حق تقرير المصير، رغم ما أثاره من ردود فعل قوية من الحكومة المركزية والمجتمع الدولي. وبرغم العاصفة السياسية التي أعقبت الاستفتاء، حافظ بارزاني على موقعه كزعيم وطني، مفضلاً الانسحاب من الواجهة التنفيذية لإفساح المجال أمام جيل جديد من القيادات الكردية، دون أن يتخلى عن دوره التوجيهي.
اليوم، في أواخر السبعينات من عمره، لا يزال مسعود بارزاني يحظى باحترام واسع داخل الإقليم وخارجه. يُنظر إليه باعتباره رجل التوازنات الدقيقة بين الطموح الكردي والواقعية السياسية العراقية، وركيزة أساسية لاستقرار كردستان في محيط إقليمي مضطرب.
ومع تجدد الخلافات بين أربيل وبغداد حول تقاسم عائدات النفط وصلاحيات الإقليم، يرى المراقبون أن نتيجة الانتخابات المقبلة ستحدد ملامح المرحلة القادمة، وأن حضور حزب بارزاني القوي في البرلمان العراقي سيعزز موقف الإقليم في مفاوضاته مع المركز.
وبعد أكثر من نصف قرن من النضال السياسي والعسكري، ما زال مسعود بارزاني يجسد في نظر أنصاره معنى القيادة الهادئة التي تمزج بين الصبر والحكمة، وتحافظ على حلم الأكراد بالكرامة والاستقرار وسط عراقٍ يبحث عن توازنه الدائم.