مسعود ضاهر يقدم مشهدا بانوراميا عن الثقافة العربية في اليابان

الكويت ـ من أحمد فضل شبلول
نماذج ثقافية لأبحاث يابانية متنوعة

قال د. مسعود ضاهر إنه من الصعب جدا فصل الدراسات العربية في اليابان عن الدراسات الإسلامية والدراسات الشرق أوسطية. علما أن الدراسات العلمية في هذا المجال حديثة العهد ولا ترقى إلى أبعد من نهاية الحرب العالمية الثانية.

وذكر أن هناك أسبابا كثيرة كانت وراء دمج تاريخ العرب بتاريخ الشرق الأوسط، والثقافة العربية بالثقافة الإسلامية أو الشرق أوسطية. فالبعد الجغرافي قبل بزوغ فجر الاتصالات الحديثة، البحرية منها والجوية، شكل عائقا كبيرا أمام التواصل الانساني وتطوير العلاقات الاقتصادية بين العرب واليابانيين. فلم تتطور تلك العلاقات بصورة مكثفة إلا بعد اكتشاف النفط وحاجة الاقتصاد الياباني إليه بصورة متزايدة، مما ساعد على توليد المعجزة الاقتصادية اليابانية في ستينيات القرن العشرين والتي تعرضت لأزمة حادة بسبب حظر النفط العربي عام 1973.

وعالجت الدراسة التي قدمها د. ضاهر في إحدى جلسات ملتقى مجلة "العربي" الحادي عشر "الثقافة العربية في المهجر" بالكويت خلال الفترة من 12 ـ 15 مارس/آذار الجاري، نماذج ثقافية لأبحاث يابانية متنوعة ذات أبعاد عربية واضحة. وركزت بشكل خاص على بدايات الاهتمام الياباني المبكر بالتاريخ العربي وبالثقافة العربية. فقد حاولت الامبريالية اليابانية توظيف الاسلام لخدمة مخططاتها العسكرية ونزعتها التوسعية في بلدان آسيوية تضم مجموعات إسلامية كبيرة. فأنشأت مراكز عدة لدراسة الاسلام مع نشر الدعوة إلى تعاون ياباني – إسلامي في مواجهة الاستعمار الأوروبي والأميركي في دول جنوب وشرق آسيا. لكن تلك المراكز أقفلت جميعها بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية ووضعها تحت المظلة الأميركية كدولة منزوعة السلاح ومحرومة من التسلح.

وأوضح صاحب كتاب "النهضة العربية والنهضة اليابانية: تشابه المقدمات واختلاف النتائج" أن اليابان قاومت تحدي الحظر الأميركي فحولت الدراسات العربية والإسلامية والشرق أوسطية فيها إلى دراسات علمية كتبت غالبيتها في النصف الثاني من القرن العشرين. وتحرر الباحثون اليابانيون من التوجهات الإستعمارية السابقة وبات هاجسهم تحويل المراكز التي تعنى بالدراسات العربية في اليابان إلى مراكز علمية للتفاعل الإيجابي والمباشر مع المثقفين العرب ومع الثقافة العربية بأبعادها التاريخية ، والسياسية، والاقتصادية ، والاجتماعية ، والتربوية، والأكاديمية، والفلسفية، والأدبية، والفنية وغيرها. ونجحت تلك المراكز في توليد أجيال متعاقبة من الباحثين اليابانيين المهتمين بدراسة الثقافة العربية عبر دوائرها الثلاث: الثقافات والنظم الاسلامية، والثقافات الشرق أوسطية، والثقافات المتوسطية. واهتم باحثون يابانيون بالثقافة العربية بصفتها مسألة بحثية مستقلة بذاتها.

قدمت دراسة د. مسعود ضاهر (المولود في الشيخ طابا ـ عكار، لبنان الشمالي في عام 1945) تحليلا معمقا لأربعة نماذج يابانية بارزة أثارت نقاشات هامة في اليابان، ومنها ما أثار بعض الاهتمام في العالم العربي.

وأوضح أن تلك النقاشات أسهمت في تعريف اليابانيين بتاريخ العرب، وتراثهم، وثقافتهم، وفنونهم، وآدابهم، وبقضايا التحرر الوطني والاجتماعي في العالم العربي خاصة قضية فلسطين، وبقضايا التنمية البشرية والإقتصادية المستدامة في الدول العربية.

عبدالرحمن الشرقاوي
وذكر أن النماذج المختارة تمثل مناهج معرفية متنوعة لعبت دورا ملحوظا في تطوير وعي اليابانيين بأبرز القضايا العربية المعاصرة، ومنها قضايا نظرية ذات طابع سجالي حول مناهج التاريخ العربي، وملفات توثيقية تضمنتها مجلة "العرب" في اليابان، وسجالات أدبية معمقة أطلقها كتاب نوبوإيكي نوتاهارا: "العرب، وجهة نظر يابانية"، ودراسات يابانية في الأنثروبولوجيا الثقافية عن مصر والعالم العربي.

• دراسات إنطباعية عن شخصيات ودول عربية تستقطب اهتمام اليابانيين

وأشار ضاهر إلى كتاب "إساءة فهم الإسلام" الصادر باليابانية عام 1983 للأستاذ المتميز يوزو الذي أوضح أن بداية تعرف اليابانيين إلى القضايا العربية تعود إلى العام 1884 حين زار جو نيجيما جزيرة سيلان واجتمع بأحمد عرابي، القائد المصري المنفي إليها. وفي عام 1886 زار تاتيكي تاني، وزير الزراعة في حكومة الإمبراطور مايجي، مصر ومن بعدها سيلان للتعرف عن كثب إلى أحوال المجتمع المصري والأسباب الحقيقية لثورة أحمد عرابي. وكانت أبرز ثمارها العلمية أن سكرتيره سانشي توكاي نشر رواية بعنوان: "كاجينو كيغوو، وكان بطلها الرئيسي أحمد عرابي.

وتابع إيتاغاكي: في السنوات التالية زار عرابي في منفاه أكثر من مسؤول ياباني، منهم ضابط الجمارك سائيجي نومورا الذي زاره عام 1888 في طريق عودته من أوروبا. وفي عام 1889 نشر توكاي كتابا بعنوان "بدايات تاريخ مصر الحديث"، فكان باكورة انطباعات شخصية قدمت إلى اليابانيين عن تاريخ أول دولة عربية. ثم تلاحقت الدراسات الانطباعية لدى اليابانيين عن دول عربية أخرى. ففي العام 1912 نشر كوتارو ياماؤكا ذكريات رحلته للحج إلى مكة المكرمة وكانت بعنوان "ذكريات حاج إلى حدود العالم العربي".

عبدالسلام العجيلي
وفي العام 1922 زار الجغرافي الياباني شيغا شيغيتاكا سلطنة عمان. وبصفته رجل دولة ياباني قابل السلطان تيمور بن فيصل بن سعيد في قصره بمسقط. ومنها عبر مناطق الجزيرة العربية إلى العراق ثم فلسطين. ونشر في العام 1926 كتابا تضمن ذكرياته عن تلك الرحلة تحت عنوان "بلدان مجهولة".

كما زار الحاج ياماؤكا مكة برفقة الداعية الإسلامي عبدالرشيد إبراهيم التتري. ثم زار عبدالرشيد لاحقا اليابان لمدة سبعة أشهر في أواخر 1908 ومطالع 1909. وعاد إليها مجددا في العام 1933، وبقي فيها لسنوات طويلة، إلى أن أصبح إماما لمسجد طوكيو الذي أنجز بناؤه في العام 1938. وتعلم اللغة العربية على يديه توشيهيكو إيزوتسو، الذي أصبح واحدا من أبرز الباحثيين اليابانيين في الدراسات الإسلامية.

• إيزوتسو رائد الدراسات الاسلامية المعمقة في اليابان

تميزت اعماله بكثير من الدقة والموضوعية. درس في جامعتي كيو، وطوكيو. مارس التدريس في جامعات يابانية وكندية وإيرانية. كتب دراساته باليابانية والإنكليزية، وكان على معرفة بالعربية، والفرنسية والألمانية. في سنة 1957 ترجم القرآن الكريم من العربية مباشرة إلى اللغة اليابانية، فتميزت ترجمته عن باقي الترجمات التي اعتمدت لغات أخرى غير العربية إلى اليابانية. نشر باللغة الإنكليزية دراسات عدة أبرزها "بنية المصطلحات الأخلاقية في الٌقرآن"، و"مفهوم الإيمان في الدين الإسلامي"، و"المفاهيم الأخلاقية الدينية في القرآن"، و"دراسة مقارنة للمفاهيم الفلسفية المفتاحية في الصوفية والطاوية". هذا بالإضافة إلى دراساته العلمية الكثيرة المنشورة باللغة اليابانية. وأصدر إيزوتسو كتابه" "الله والإنسان في القرآن"، للمرأة الأولى بالإنكليزية عام 1964 بطوكيو، عن معهد جامعة كيو للدراسات الثقافية واللغوية. وبعد تسع سنوات على وفاته عام 1993، صدرت طبعته الثانية بالإنكليزية أيضا في ماليزيا عام 2002. وهي الطبعة التي اعتمدت لترجمة الكتاب إلى العربية مع مراجعة مهمة للباحث الإسلامي فضل الرحمن، كانت قد نشرت في عدد يونيو/حزيران للعام 1966 في مجلة "دراسات إسلامية" في إسلام أباد .

جمال حمدان
وأوضح ضاهر أن الترجمة العربية لكتاب إيزوتسو صدرت بعنوان: "الله والإنسان في القرآن، علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم"، عن منشورات المنظمة العربية للترجمة، بيروت 2007. وتضمن الموضوعات التالية: علم الدلالة في القرآن، المصطلحات المفتاحية القرآنية في التاريخ، البنية الأساسية للرؤية القرآنية للعالم، مفهوم "الله" لدى الوثنيين واليهود والمسيحيين والحنفاء، العلاقة الوجودية بين الله والإنسان، العلاقة التواصلية بين الله والإنسان، الجاهلية والإسلام، العلاقة الأخلاقية بين الله والإسلام. وضمت مكتبة البحث مصادر عربية من الدرجة الأولى دلت على سعة إطلاع المؤلف بالدراسات العربية والإسلامية في تلك الفترة. بالإضافة إلى مصادر ومراجع باللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية واليابانية. وقد وصف فضل الرحمن جهد المؤلف إيزوتسو بقوله: "لا يمثل هذا الكتاب إضافة سارة إلى الأدبيات الموجودة عن الإسلام فقط، بل يقدم مقاربة جديدة لفهم الإسلام، خاصة من قبل غير المسلمين، وهي المقاربة العلم – لغوية".

ويشير عضو الهيئة العلمية لجائزة الشيخ زايد للكتاب إلى أن إيزوتسو كان متعمقا بالدراسات الإسلامية من مختلف جوانبها. وكان لديه تقدير خاص لدى الباحثين اليابانيين الذين اعتبروا دراساته عن الإسلام ركيزة صلبة لولادة تيار من الباحثين المهتمين بالدراسات العربية والإسلامية في اليابان في النصف الثاني من القرن العشرين. تتلمذ عليه جيل كامل من الذين تخصصوا في حقول معينة في تراث وآداب وتاريخ الشعوب العربية والإسلامية. وعالج موضوعات التراث العربي والإسلامي بكثير من الدقة والموضوعية خاصة في تناوله لقضايا دينية ذات طابع خلافي بين علماء المسلمين من جهة، وبين الباحثين في التاريخ الديني من جهة أخرى. لكن معرفة إيزوتسو بالثقافات الآسيوية سهلت عليه سبل إكتساب معرفة عميقة بالثقافة العربية الإسلامية. وكانت لديه خبرة واسعة بعلم الدلالة الأوروبي الذي شكل ركيزة صلبة لتحليل السمات الأساسية للمفاهيم اللغوية ودلالاتها الإجتماعية والثقافية والروحية والصوفية. فكان من رواد التحليل السميولوجي في اليابان. وقد ساعده على تحليل القضايا العربية والإسلامية بأسلوب جديد في مجال رؤية الإنسان لذاته، ولمحيطه العام، وللكون اللامتناهي. واستكشف مستويات عدة للنص اللغوي في القرآن ليقدم دراسة رائدة عن دلالات النص القرآني لم يسبق إليها إلا قلة من الباحثين العرب في مجال التحليل السيميولوجي للنص القرآني.

قضايا نظرية ذات طابع سجالي حول مناهج التاريخ العربي

ويؤكد د. مسعود ضاهر أنه حتى نهاية الحرب العالمية الثانية لم تكن للباحثين اليابانيين معرفة معمقة بتاريخ العالم العربي، وبشكل خاص حركات التحرر التي قادت تباعا إلى إستقلال الدول العربية. وأنه كانت هناك قلة من اليابانيين الذين كتبوا دراسات باليابانية عن منطقة الشرق الأوسط فكان منهم: ريئيتشي غامو، وإئيجيرو ناكانو، وتاكاشي هاياشي، علموا في جامعات طوكيو وأوساكا، وقدموا دراسات عامة عن الهند وإيران والعالم العربي. وكان إلى جانبهم دبلوماسيون يابانيون من أمثال أكيو كاساما، والباحث بالقضايا العربية شوجي تامورا . بالإضافة إلى الباحثين توراؤ كاواساكي، وماساناؤ أوداكا، وتوشيو تادا.

ابراهيم الكوني
وفي الفترة ما بين 1950 - 1973 برز نوع جديد من الباحثين اليابانيين المهتمين بالدراسات العربية. وإتجه بعض الباحثين الجدد لدراسة حركات التحرر في البلدان العربية والأفريقية. كان الإختبار صعبا نظرا لغياب الدراسات العلمية الامبيريقية عن العالم العربي في اليابان. وكان عليهم التعرف بدقة إلى تطور التاريخ العالمي لمعرفة موقع الدول العربية فيه بهدف تعزيز علاقات اليابان معها.

وكانت الكتابة عن الثورة المصرية لعام 1952، ومؤتمر باندونغ، وتأميم قناة السويس، من الأبحاث المهمة التي أثارت اهتمام الرأي العام الياباني فتعاطف مع قضايا العرب والعالم الثالث التحررية.

ويوضح الباحث أن ذلك التعاطف استمر لعقود طويلة. وأرسلت اليابان بعثات علمية متلاحقة إلى مصر، ودول دول عربية وأفريقية للتعاطف مع شعوبها. وفي العام 1958 أسس تاكيو ناكاتاني الجمعية العربية اليابانية. وفي العام 1961 أنشيء مركز اللغة العربية في جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية.

وفي العام 1966 أطلق كيئيتشي كاوامورا، من جامعة واسادا بطوكيو، مشروعا لدراسة تاريخ مصر القديم الذي بدأ تنفيذه عام 1972. وشاركت فيه نخبة من الأساتذة منهم كانئيتشي ناكازيما، وساكوراي كيوهيكو، وساكوجي يوشيمورا. وفي خريف 1968 تأسس مشروع "دراسات معمقة حول الإسلام والتحديث". وفي إطاره دعي المؤرخ المصري محمد أنيس، من جامعة القاهرة، لإلقاء محاضرات عن تاريخ العرب. آنذاك، كانت الأفكار الماركسية في فهم التاريخ تستقطب المثقفين في اليابان وخارجها. وكان المؤرخون الماركسيون اليابانيون ينعتون نظام الحكم في اليابان بالفاشية اليابانية. وركزوا في دراساتهم على حركات التحرر الوطني، والتحديث السليم، والديموقراطية، وشرعية الثورة الاجتماعية، ورفض كل أشكال التسلط السياسي.

يوسف ادريس
ويتابع الباحث أن مؤرخي تلك الحقبة تأثروا بدراسات المؤرخ الماركسي بوكورو إيغوتشي (1911-1988) الذي رفض المركزية الاوروبية كمنهجية وحيدة لكتابة وتحليل التاريخي العالمي. وشدد على دور حركات التحرر الوطني في مختلف دول العالم. وحلل بعض قضايا التاريخ العرب بصورة معمقة . ونشر دراسة هامة باليابانية عن إتفاقية سايكس – بيكو في مجلة العالم الإسلامي. وأدان سياسة اليابان الامبريالية تجاه دول الجوار الاسيوية، ونبه إلى مخاطر تضخيم النزعة القومية الهادفة إلى السيطرة على قوميات أخرى.

وخلال عامي 1959 -1960 كتب إيغوتشي مقالات مجد فيها السياسة الخارجية المصرية التي تبنت شعار الحياد الإيجابي على المستوى الكوني. واشاد بتأميم قناة السويس، وندد بالتحالف الأميركي - الياباني بعد توقيع اتفاقية 1960 التي وضعت اليابان تحت الحماية الأميركية. وبرزت قضايا سجالية هامة في اليابان عن التاريخ العربي بشكل خاص بعد صدور كتاب مشترك للمؤرخ الاقتصادي الاجتماعي سن إئيكي ناكاؤكا بالإشتراك مع المؤرخ السياسي يوزو إيتاغاكي وكان بعنوان: "تاريخ العرب الحديث والمعاصر"، الصادر باليابانية عام 1959. وتضمن تحليلا معمقا للهجمة الامبريالية الأوروبية على العالم العربي منذ القرن التاسع عشر، ولا يزال العرب يعانون من نتائجها السلبية حتى الآن. وقدم دراسات مفصلة عن واقع العالم العربي المعاصر مع التركيز بشكل أساسي على الثورة المصرية لعام 1952 وتأثيراتها على الدول العربية الأخرى.

كما نشر إيتاغاكي الكثير من المقالات عن القضية الفلسطينية خاصة بعد ولادة منظمة التحرير الفلسطينية عام 1965. ولا يزال يلعب دورا بارزا في تعريف اليابانيين بالقضايا العربية العادلة.

ملفات توثيقية لمجلة "العرب" اليابانية عن العالم العربي

هي مجلة فصلية تصدرها الجمعية اليابانية العربية. تأسست في أيلول 1958 لتعنى بالقضايا العربية بشكل خاص. صدر العدد الأول منها في يوليو/تموز 1964، وما زالت تصدر حتى الآن بتمويل من شركة النفط اليابانية، وهي صغيرة الحجم وتوزيعها محدود جدا في أوساط اليابانيين المهتمين بقضايا النفط. فكان الهدف منها متابعة ما يجري في الدول العربية عبر مقالات صحفية إعلامية غير موثقة وغير معمقة في غالب الأحيان. والغاية من إصدارها هو تسليط الضوء على انتاج النفط العربي بالدرجة الأولى، ومتابعة الأحداث في الدول النفطية العربية والشرق أوسطية لتجنب آثارها السلبية على الإقتصاد الياباني على غرار الأزمة التي حلت باليابان بعد حظر النفط العربي عام 1973.

عبدالرحمن منيف
أصدرت المجلة 138 عددا حتى سبتمبر/أيلول العام 2011. وكتبت الغالبية الساحقة من مقالاتها وتقاريرها الصحفية باللغة اليابانية مع عدد محدود جدا من التقارير القصيرة المنشورة باللغة العربية.

نوتاهارا رائد الدراسات اليابانية المنشورة باللغة العربية

يندرج كتاب المستعرب الياباني الكبير نوبوإيكي نوتاهارا: "العرب، وجهة نظر يابانية" ضمن سجالات أدبية معمقة نشرها باللغة العربية عام 2003. فلاقى صدى كبيرا في الأوساط العربية واليابانية. وقد أمضى المؤلف فترات طويلة في الريف المصري حيث تعرف إلى حياة الفلاحين وعاداتهم وتقاليدهم. ومن الكتب المهمة التي أثرت في تكوينه الثقافي رواية "الأرض" لعبدالرحمن الشرقاوي، و"شخصية مصر" لجمال حمدان. قرأ أعمالا كثيرة ليوسف إدريس، وصنع الله إبراهيم، ويحي الطاهر عبدالله، وحسين فوزي، ويحي حقي وغيرهم. واقام صداقات حميمة مع عدد من الأدباء والفنانين والباحثين المصريين والعرب. ثم توجه لدراسة البادية فكانت له رحلة إلى حضرموت، ورحلات إلى البادية السورية وغيرها من البوادي العربية. وجد في البادية ثقافة أخرى لا يعرفها اليابانيون، وذلك لسبب بسيط أنه لا توجد لديهم بادية في اليابان. أقام مع البدو في سوريا وفي مصر ومع الفلاحين، وبدأ يبحث عن روايات تتحدث عن البدو لترجمتها إلى اليابانية. تعرف إلى إنتاج عبدالسلام العجيلي، وروايات عبدالرحمن منيف، خاصة "مدن الملح". أخيرا وجد ضالته في الكاتب الليبي إبراهيم الكوني الذي ينتمي إلى قبيلة "الطوارق" الليبية.

قرر بذل قصارى جهده لدراسة أعماله وتقديمه إلى القاريء الياباني، بترجمة ودراسة. أما لماذا إنتقل من المدن والأرياف إلى الصحراء فلأسباب يعتبرها محض ذاتية وإرادية. "فالصحراء، حسب قوله، تنحت الروح وتدبغ الجلد وتدمر الوعي بالوقت والفراغ. وهي مكان الوحدة، لكن الوحدة هذه تختلف جذريا عن مفهوم الوحدة في اليابان حيث المكان يكتظ بالينابيع والخمائل. نحن نحتاج إلى قوة الروح لكي نتحمل الوحدة في الصحراء. الصحراء مكان العقيدة بإمتياز. فمن لم يجد عقيدة في أي مكان فإنه يستطيع أن يجدها في الصحراء. في البادية، يملأ الله وجود المكان. لذلك لا يشكر البدو المضيف من أجل الماء والنار والطعام لأنهم يعتبرونها ملكا لله".

ويوضح د. مسعود ضاهر أن نوتاهارا أمضى أربعين سنة في تعلم وتدريس العربية. ترجم الكثير من الروايات العربية إلى اليابانية بعد أن قام بزيارات عدة إلى عدد من الدول العربية. وصف تجربته الأدبية بقوله: "كتبت عما خبرته وشاهدته بملء إرادتي. زرت الأماكن التي أردت، ودققت باب البيت الذي أردت زيارته. لكن ما كتبته باليابانية والعربية هنا لا يعطي صورة كاملة ولا منظمة عن البلدان العربية. فما قدمته لا يمثل سوى وجهة نظر شخصية وصغيرة حول بعض البلدان العربية. وعزائي أنني كنت صادقا في ما كتبت، وأنني أعتبر أن ما قدمته في هذا الكتاب هو بمثابة رد الجميل لأصدقائي من العرب. إن قدرتي على قراءة الأدب العربي الحديث هي متعتي الشخصية. وهي نوع من الإمتياز الشخصي الذي حصلت عليه لأن قلة فقط من اليابانيين تحصلت على تلك المتعة وذاك الإمتياز. وبعد متعة القراءة جاءت متعة الترجمة. فإخترت ما ترجمته وفق اهتمام شخصي بالدرجة الأولى، وقبل الإهتمام بما يريد الجمهور الياباني. فكل ما قمت به كان بمثابة تجربة شخصية أملتها رغبتي الذاتية وبمحض إختياري".

محمد شكري
ترجم إلى اليابانية رواية "الأرض" لعبدالرحمن الشرقاوي عام 1979، و"أرخص ليالي" عام 1980، ورواية "الحرام" عام 1984، و"العسكري الأسود" عام 1990، و"تلك الرائحة" عام 1993، و"بيت من لحم"، و"حادثة شرف"، و"الخبز الحافي"، وكثير غيرها. واهتم بترجمة روايات يوسف إدريس الذي جسد بأسلوبه الرائع عادات فلاحي مصر وتقاليدهم. وأعجب كثيرا بروايات إبراهيم الكوني التي تجسد روح الصحراء العربية وعادات البدو. كما اهتم بأدب السجون ودرّس طلابه كتاب "رسائل السجن" لعبداللطيف اللعبي. ترجم رواية "الوباء" للكاتب السوري هاني الراهب التي تقدم نموذجا مهما عن أساليب القمع الثقافي في العالم العربي.

نوه في كتاباته النقدية بالكتاب العرب الذين تميزوا بمواقف ثابتة ومبدئية من أمثال الشاعر علي الجندي، والروائي حيدر حيدر، والروائي إميل حبيبي، ومحمد شكري. أسلوبه مميز في الترجمة المتأنية. إذ لم يكن مستعجلا لإنجاز الترجمة قبل زيارة الأماكن التي حصلت فيها أحداث الروايات. فيتفحصها بدقة، ويطوف في أرجاء البلد يلتقي الأدباء فيه، ويسعى للتعرف إلى حياة الناس اليومية بصورة مباشرة،وعلى نطاق واسع.

ويستعرض في بحثه د. مسعود ضاهر كتبا يابانية أخرى ومؤلفين آخرين، من امثال: ناغاساوا صاحب كتاب "مصر الحديثة بعيون يابانية" حيث يرسم أنثروبولوجيا الثقافة العربية في اليابان. ويرى الباحث أن كتاب ناغاساوا قدم نموذجا بحثيا متقدما للتعريف بالثقافة العربية في اليابان. ويعتبر بحق في طليعة الدراسات اليابانية التي أحاطت بجوانب معمقة من الثقافة العربية مع التعريف بنخب ثقافية عربية متميزة. فقد عاش المؤلف في العالم العربي لسنوات عدة، وأتقن اللغة العربية إلى جانب لغات عالمية. وتعرف إلى المجتمعات العربية بشكل عياني مباشر، فكتب عن تاريخها، وتراثها، وثقافاتها، واقتصادها، ومثقفيها، وحركاتها الاجتماعية.

غير أن الباحث د. مسعود ضاهر يؤكد أن حضور الثقافة العربية في اليابان لا يزال ضعيفا بالقياس إلى إنتشارها الواسع في الغرب، بجناحيه الأوروبي والأميركي. وبما أن الباحث الياباني حديث العهد بالثقافة العربية، فهي تنتشر فقط في أوساط ضيقة من النخب الثقافية وسط جمهور ياباني لا يعرف إلا القليل عن العرب وثقافتهم، ولأسباب ذاتية وموضوعية، ولا تزال قضايا العرب التاريخية الكبرى، ومكونات الثقافة العربية، ومشكلاتها، وجمالياتها، ضبابية لدى الجمهور الياباني الواسع.