مسعود مفتي.. رائد من باكستان 

هند عبدالحليم محفوظ تترجم مجموعة "سالكرة" للكاتب والمفكر الباكستاني مع دراسة لها تحت عنوان "الخطاب القصصي عند مسعود مفتي".
أدب قادر على خلق فضاء خاص به، على غرار باقي الآداب الأسيوية كالأدب الإيراني والتركي والكازاخي
العلاقة الثنائية والجدلية بين أنا الكاتب والآخر

القاهرة ـ يمكن تصنيف الأدب الباكستاني المعاصر ضمن الآداب التي تتخذ شكل البحث؛ فلأنا الكتابة دائما في بحث مستمر عن مكان وزمان يسمحان لها بخلق هوية جديدة. لذلك فهو أدب شاب، عرف طفرة نوعية في الآونة الأخيرة، نظرا لبروزه كأدب له خصوصياته من الجماليات والأسلوب والغنى اللغوي والثقافي. الشيء الذي جعل منه أدبا قادرا على خلق فضاء خاص به، على غرار باقي الآداب الأسيوية كالأدب الإيراني والتركي والكازاخي.
وقد صدر مؤخراً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ترجمة عربية لقصص الكاتب والمفكر الباكستاني مسعود مفتي تحت عنوان "الخطاب القصصي عند مسعود مفتي .. مجموعة سالكرة (عيد الميلاد) نموذجاً" للدكتورة هند عبدالحليم محفوظ مدرس اللغة الأردية وآدابها بكلية البنات جامعة الأزهر، وتشمل الدراسة قصص المجموعة مع ترجمة نصوص المجموعة، 
ومسعود مفتي من مواليد عام 1934، وهو كاتب ذو نزعة إنسانية وفكر شرقي، لأنه سجل معاناة شعبة، وتتقاطع في أدبه كل الاتجاهات الأدبية الكلاسيكية والرومانسية، وهو من المؤمنين بنظرية الفن للحياة، حيث يؤكد على ارتباط الأدب بالواقع. ويعد مسعود مفتي رائد القصيدة والأدب الباكستاني المعاصر والحديث. فالتجربة الأدبية التي راكمها، جعلت منه أحد مؤسسي الأدب الباكستاني المعاصر، باعتباره أدبا شابا يتطور بسرعة، منفتحا على الحوار الثقافي وتعدد اللغات والحضارات.
العلاقة الثنائية والجدلية بين أنا الكاتب والآخر. هذه الثنائية هي بالأساس مرآة معكوسة حيث تنكشف صورة الأنا الكاتبة من خلال الآخر، والعكس صحيح؛ فالآخر يأخذ شكلا ومكانا داخل النص السردي من خلال خطاب الأنا، تستلهم أحداثها من الواقع المعاش والذي يعتبر جزءا مهما من الأنا الكاتبة. أي أنها روايات تحاول في مجملها رصد الواقع المعاش وتقاسم المعاناة الجماعية مع المتلقي عن طريق تجارب فردية لشخصيات تائهة في فضاء السرد. 

من الأدب الباكستاني
لا يكتب من أجل نفسه

في قصة "فرست كلاس (الدرجة الأولى)" يناقش الكاتب العلاقات غير الشرعية في الغرب التي تمارس بدون قيود أو رقابة، مما أسهم في إضفاء المزيد من الخواء والملل والرتابة على أسلوب الحياة هناك. وخالج بعضهم هناك الشعور بمراجعة النفس، ولا نقول جلد الذات، ومن ثم قرروا شد الرحال إلى عالم الشرق الروحاني، ربما يجدون الحل لأزمتهم الروحية بين أحضانه. فيقول الكاتب على لسان الشاب الدنماركي: ".. أنت تعلم أن الدنمارك يطلق عليها أرض العشق المباح أليس كذلك؟ لقد كان هناك الكثير من المشاركين في إحدى الحفلات الجنسية، وقد اندمج الجميع بعضهم مع البعض تقريباً، لكني شعرت بالملل وجلست في بعض الجوانب".
كما يناقش مسعود مفتي في قصة "عيد الميلاد" سر تقدم المجتمع الياباني، ويلقي أضوء على عناصر المعجزة اليابانية، ويفسر سر صعود اليابان وتقدمها، بسبب انتشار ثقافة العمل التطوعي، والدور الفعال لمنظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى انتشار ثقافة التسامح الديني وقبول الآخر والتعايش بين أصحاب الديانات المختلفة فيقول السارد على لسان الرجل المسن عن أبرز شيء نال إعجابه في اليابان؟ فقال: هذا التنوع الديني قد أعجبني عن أي شيء آخر .. انظر هناك ترى ثلاث معابد كبرى تجسد ثلاث شعائر دينية".
فشخصيات مسعود مفتي مثلا، يتواجدون دائما في مكان متحرك، حيث تتشكل هوياتهم انطلاقا من التفاعل مع الشخصيات الأخرى. فهذه الأخيرة تكتشف نفسها من خلال الكلام وتبني لنفسها هوية جديدة تحمل صفات وركائز الزمكان الذي تتوحد فيه. فالانفتاح على الآخر يساعد على الوصل إلى الهوية.
وفي قصة "الصومعة" يناقش مسعود مفتي ضرورة إحياء التراث في زحام المتغيرات الثقافية المعاصرة، خاصة منها ما ينذر بتهديد الثقافات الوطنية والإقليمية ومحاولة تهميشها أمام ثقافة العولمة، خاصة في ظل تطلع الأمم الغربية إلى الاستيلاء على هذا التراث بثمن بخس من أجل التربح المادي والمعنوي أيضاً. فقدم الكاتب في هذه القصة جانباً من الهوس الغربي بآثار الشرق من خلال رحلة قام بها مجموعة من خبراء الآثار الأجانب الذين جاءوا على متن طائرة خاصة من أقصى الأرض للحصول على صومعة أثرية عمرها خمسة آلاف عام، رغم أنها مهشمة - إن لم تكن مفتتة تماماً - لكنهم استطاعوا ترميمها وإعادتها إلى صورتها الأصلية ونجحوا في سبك أجزائها مرة أخرى. فيقول الكاتب على لسان أكبر عمال الحفر سناً: "إن أمر هؤلاء الرجال عجيب .. يأتون على متن طائرة خاصة من أجل مشاهدة صومعة قديمة، وينفقون المزيد من الروبيات".
كما ناقش الكتاب في قصة "السوق العالمي" قضية الجبر والاختيار وهل الإنسان مخير أم مسير، وانتهى  إلى أن الإنسان مسير في أغلب أحواله، ضارباً المثل بحال الدمية المنحوتة من الطباشير على هيئة رجل يلهو بها ابنه الصغير كيفما يشاء.
لا يكتب مسعود مفتي من أجل نفسه، بل من أجل الآخر، من أجل الإنسانية، لأن المعاناة موجودة في كل مكان وزمان وليس فقط في باكستان. ومن ثم فإن تجانس الأنا الكاتبة مع الآخر يتحقق، لأن العلاقة التي تربط بينهما مبنية على الحاجة والتكامل؛ فكل عنصر يحتاج إلى الآخر ليتخذ لنفسه هوية معينة، ولا يمكن أن يكتمل عنصر إلا بتواجد الآخر بطريقة مباشرة أو ضمنية، مثلما كتب آرتر رامبو، أي أن الأنا قبل كل شيء هي آخر.