مصر على فوّهة بركان الانتخابات

بقلم: حسن الحسن

نجح حسني مبارك رغم هرمه (77 سنة) واتساع حدة انتقاده من شعبه وتردي الأوضاع وانحدارها بشكلٍ متسارعٍ في مصر، في إقناع الإدارة الأميركية بضرورة ترشيح نفسه لمرة خامسة، وبالتالي بقائه على سدة هرم السلطة. وكانت واشنطن قد أبدت بعض التردد اتجاهه في البداية، في ظل تصاعد النقمة عليها في العالم الإسلامي، بسبب ممارساتها الوحشية في العراق وأفغانستان وانحيازها المزمن لـ"إسرائيل" واحتضانها للطغاة والحكام المستبدين.
جاءت هذه الموافقة بعد أن تقاطر رجالاتُ مبارك تباعاً إلى واشنطن، رئيس جهاز المخابرات ورئيس الوزراء ورئيس مكتبه السياسي، في حملة مكثفة لإقناع الإدارة الأميركية بحاجتها لمبارك لمتابعة دوره في المنطقة، ما حدا بالأخيرة إلى تعديل لهجتها وخفض حدة انتقادها له ولنظامه، بل وكيل شيءٍ من المديح له والحديث عن أنّ مبارك بدأ يخطو قدماً في درب الإصلاح، عقب التعديل الشكلي لمادة الانتخابات الرئاسية في الدستور، ذلك، الذي يُعتبر وجوده وعدمه سيان في العالم الثالث بشكلٍ عام.
ومع تراكم الأزمات في مصر على كافّة الأصعدة، فإنّ قرار ترشيح مبارك جاء ليبلغ بها الذروة، ليغذي حالة اليأس والإحباط التي تعتري شريحة كبيرة من المواطنين، وليؤجج حالة هيجان عند شريحةٍ أخرى، الأمر الذي يهدد الاستقرار الذي طالما اتخذه النظام ذريعةً لاستمراره، حيث يصبح جيل الشباب أكثر قابلية على تجنيدهم في عمليات مسلحة، تتقصد الانتقام من النظام والنيل من كل ما يمثله من تبعية مقيتة للغرب، وعلى رأسها السياح والسفارات.
صحيحٌ أنّ النظام لا يأبه كثيراً بالقوى السياسية المناوئة له، لعجزها عن تغييره في الوقت الحالي، سواء بسبب تدجينه لها، أو بسبب ذهنيتها المرتبكة وطبيعة تركيبتها الفوضوية، إضافة إلى عدم تبنيها رؤية مبدأية متكاملة واضحة - فضلاً عن أنّ بعضها مجرد معارضة مصطنعة، إلا أن تلك القوى قد كسرت حاجز الخوف وبدأت تهاجم السلطة بشكلٍ غير مسبوق، فقد افتتح مجدي حسين أمين عام حزب العمل الهجوم على ترشيح مبارك في مقالة له يقول فيها: "لن نكون أمة تستحق الحياة اذا سمحنا لهذا المستبد الخائن أن يحكمنا 6 سنوات أخرى". ما يعني أنّ قوى المعارضة باتت قادرة على أن تخطو قدماً باتجاه تجييش الرأي العام ضد النظام، بخاصةٍ مع استمرار اشتعال قضايا الأمة في أكثر من مكان، كفلسطين والعراق، إلى جانب تأزم القضايا الداخلية الكثيرة وتفاقمها، بسبب إهمال النظام أو معالجته الخاطئة لها، ما شدّ الخناق على المجتمع وجعله يدور في حلقةٍٍ مفرغة، منتظراً بما تبقى له من صبرٍ القشة التي تقصم ظهر البعير.
وهكذا يأتي إصرار النظام على تجديد رئاسة حسني مبارك لمصر، ليوصد أبواب التغيير الملح فيها، وليصل بالدولة والمجتمع وكافة فاعلياته إلى طريقٍ مسدود، معتمداً على قوة أجهزته الأمنية وعلى احتضان الولايات المتحدة له، التي تعتبر مصر بنظامها الحالي حجر الزاوية في تنفيذ مخططاتها في العالم العربي، ليستبعد النظام بذلك الإصرار الكثير من الخيارات التي كان ممكناً أن تنفس الرأي العام ولو إلى حين.
ولذلك فإنّ خطوة النظام على فرض مبارك، قد تكون من نوع ذلك الخطأ القاتل الذي ارتكبه النظام السوري، عندما أصرّ في ظل معارضة محمومةٍ على التمديد لإميل لحود الرئيس اللبناني رغم أنف الجميع، غير آبهٍ بحالة الاحتقان التي وصل إليها المجتمع اللبناني والقوى السياسية فيه، ما فجّر الأوضاع تماماً مع اغتيال الحريري، فانقلبت الأمور على رأس النظام السوري، ليجرجر جيشه إلى ما وراء الحدود بسرعة البرق، وليصبح لبنان منطقة محظورة عليه بعد أن كان مستباحاً له.
ومع الأخذ بعين الاعتبار الفوارق بين واقع مصر وسوريا ولبنان، إلاّ أنّ مصر لن تقوى كثيراً على تحمل نظام مبارك لفترة خامسة، وإنّ عاصفةً قد تهب لتقلب ظهر المجن للنظام المصري عند أول خطأ نوعي ترتكبه زعاماته، وما أكثرها، في منطقة مؤهلة للانفجار في كل لحظة، لما يسودها من استبداد وظلم فاحش، ولما يعمّها من اضطرابٍ وقلقٍ طال أمده، حيث القهر والتعذيب والفقر والإفقار والفساد والإفساد هم العنوان العريض للسياسات المنهجية في العالم الإسلامي.
وفي ظلّ استلاب إرادة الأمة، وغياب قدرتها على الاختيار أو اتخاذ قرار، ومع انهيار كافة الخيارات التي تطرح نظرياتٍ من قبيل: الإصلاح التدريجي والجزئي وبناء الجسور مع الأنظمة القابعة في العالم الإسلامي، الذي ما زالت تتحكم فيه القوى الاستعمارية بشكلٍ صلفٍ ومهينٍ، بل ومباشرٍ في أكثر الأحيان، في ظل ذلك، ينكشف الواقع المأساوي الذي تحياه الأمة بشكله المقزز، وتنجلي حقيقة أنه لا وزن ولا اعتبار لها ولا لرغباتها أو مصالحها، فضلاً عن استمرار تهميش إسلامها وعزله عن التأثير المباشر في حياتها.
لذلك بات واضحاً أنّه لا بد من تَحرُكٍ قوى الأمة الحقيقية في مصر وغيرها لتحرير إرادتها، فهل يلعب الجيش في مصر هذا الدور بشكلٍ نظيفٍ هذه المرة، بعد أن تمّ تهميش وتهشيم قوى الأمة الأخرى، ليحسم الصراع لصالح الأمة بحق، وليعتقها من عبوديتها وتسلط الغرب عليها!؟ أم سينتظر حتى تدخل البلاد في صراعٍ دامٍ من قبيل ذلك الذي وقع في الجزائر، أم أنه سيبقى غير مبالٍ بانتظار المطرقة الأميركية لتفكيكه وإهانته كما فعلت مع جيش العراق أمام أعين الناس. حسن الحسن
نائب ممثل حزب التحرير في المملكة المتحدة a_l_hasan@yahoo.dk