معارضو حزب الله من الشيعة مرتاحون لقرار تصنيفه إرهابيا

خطوة متأخرة أفضل من ألا تأتي أبدا

بيروت ـ ترى المعارضة الشيعية اللبنانية أن اعتبار دول الخليج ودول عربية حزب الله منظمة إرهابية يشكّل تطورا نوعيا في الساحة اللبنانية واستجابة مهمة وإن كانت متأخرة لخطاب هذه المعارضة التي لطالما دعت الدول المؤثرة ومنها السعودية للتعامل بحزم ووضوح مع حزب الله لمقاومة تغوّله ووقف التعامل معه بصفته حالة تمثيلية قدرية (لشيعة لبنان) لا طائل من مواجهتها.

ويقول مراقبون إن هذا القرار الذي جاء متأخرا هو أفضل من ألا يأتي ابدا، ومن شأنه ان يرفع الكثير من العتب عن المملكة العربية السعودية التي تأخرت في البدء بتصحيح علاقتها مع لبنان، ومع مختلف الطيف السياسي والديني الذي يتنازع النفوذ فيه.

ويرى عدد من رموز المعارضة الشيعية أن قرار تصنيف حزب الله إرهابيا خليجيا وعربيا هو "تفريق رسمي علني من قبل البيئة العربية بين الشيعة العرب وشيعة إيران"، وهو خطوة مهمة لتخفض حدة الاحتقان الطائفي السني الشيعي في المنطقة، نحو حصر المعركة المقبلة في عنوانها الحقيقي "عربي إيراني" بالأساس.

ويقول مراقبون إن المعارضة الشيعية عانت من عزلتين مختلفتين، عزلة عن عامة الشيعة الملتفّين بقوة حول ما يطلق عليه بالثنائي الشيعي، حزب الله بقيادة نصرالله وحركة أمل بقيادة رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، وعزلة أخرى من خصوم حزب الله في لبنان، لا سيما المتجمعين تحت سقف "14 آذار".

لكن الإشكالية الأعقد هي التي واجهت مكونات المعارضة الشيعية لحزب الله مع السعودية ذلك أن الرياض، والتي استثمرت الكثير في دعم حلفائها في لبنان، وفي مقدمهم تيار المستقبل وأحزاب مسيحية، لكنها لم تعر حالة الاعتراض الشيعي الأهمية الضرورية، مقابل الإمكانات الهائلة التي يتمتّع بها حزب الله.

ويقود زعماء المعارضة الشيعية لحزب الله شريحة واسعة داخل الطائفة الشيعية تعارض حزب الله بشكل حاد.

وبرزت المعارضة الشيعية لحزب الله طيلة الحقبة الماضية بصمودها والاستمرار في إعلاء صوتها، واعتراضها ضد ممارسات حزب الله عبر التأكيد على دعم الجيش والدولة المدنية.

وبعد انطلاق الثورة السورية تحرّكت المعارضة الشيعية من خلال الشيخ صبحي الطفيلي، الأمين العام السابق لحزب الله، والذي جاهر باستنكار مشاركة حزب الله في سوريا والتحرك لتوعية حزب الله والرأي العام الشيعي.

كما اصدر الشيخان المرجع محمد حسن الأمين وهاني فحص اللذان وثيقة سياسية وفكرية حول الموقف الشيعي من تورط حزب الله في سوريا.

ضحايا الإيمان بوطن ودولة

وتعرضت رموز المعارضة الشيعية نتيجة لمواقفها من حزب الله لحملات التخوين من وسائل اعلام قريبة من حزب الله. ورغم ذلك لا أحد التفت اليها لدعمها واحتضانها مثلما حصل لعلي الأمين مفتي صور الذي تمّ إخراجه من مقره وإبعاده.

ويقول العلامة السيّد علي الأمين في تصريح لصحيفة "العرب" اللندية متحدثا عن طبيعة علاقة الشيعة العرب مع أوطانهم ومع إيران، إن "الموقف السياسي المعتمد عندنا على الموقف الفقهي أن الشيعة في أوطانهم جزء لا يتجزأ من شعوبهم، ولا يجوز أن تكون لهم مشاريعهم السياسية الخاصة، ولا يجوز أن يكون لهم ارتباط خارج أوطانهم على حسابها (...) والعلاقات في رأينا بين الدول يجب أن تكون من دولة لدولة. فشيعة الكويت هم كويتيون قبل أن يكونوا شيعة، وكذلك في لبنان والبحرين والسعودية وغيرها، ومشروعهم السياسي يجب أن يكون مشروع وطنهم وشعبهم، وأن يكون منبثقا من مصلحة وطنهم، وليس من مصلحة طائفية أو مذهبية، ولا يصح الارتباط بمشاريع خارجية".

ولطالما كال حزب الله النعوت تلو النعوت للأصوات الشيعية المعارضة التي تضم أسماء لشخصيات معتبرة في الساحة اللبنانية وتجاهر علنا برفضها لتوجهات حسن نصرالله في علاقته بلبنان وارتباطاته بإيران، مقللة من أهمية جهدها ووقع مسعاها في التأثير على شيعة لبنان ومن ثمة توجيههم لخدم وطنهم لبنان قبل أي أجندا أخرى خارجة عن نطاقه.

وتتهم أوساط حزب الله أصحاب هذا الاعتراض بأنهم ليسوا شيعة أو أنهم شيعة السعودية والقاعدة. ونعتهم حسن نصرالله أمين عام حزب الله نفسه، بأنهم شيعة السفارة في إشارة للسفارة الأميركية في بيروت.

ويعبّر الباحث السياسي حارث سليمان عن عتب على السياسة السعودية مذكّرا بسلسلة من الحلقات التي أوصلت الأمور في لبنان إلى مآلاتها الراهنة.

ويعتبر سليمان "أنه، وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فإن مجمل السياسات السعودية التي تم تنفيذها من قبل تيار المستقبل وبعض قوى 14 آذار، سواء هذه القوى كانت تريد هذه الخيارات أو كانت تنفّذ بطلب سعودي، كانت أيضا لا تستشعر الخطر الحقيقي من هذه السياسات ومن تنامي حزب الله في لبنان".

ويذكّر الدكتور سليمان، وهو أيضا عضو اللجنة التنفيذية في حركة التجدد الديمقراطي، بـ"التسوية التي عقدت عام 2005 مع حزب الله، فأصبح الحزب شريكا في الحكومة، وهو لم يدخلها أيّام الوصاية السورية.. كان هذا برضى سعودي إيراني وبرضى 14 آذار". ويضيف سليمان أنه "أتت محطة التحالف الرباعي بعد ذلك، والذي عمليا استبعد المكوّن الشيعي الذي شارك في ثورة الأرز وفي انتفاضة 14 آذار، وذهب للاعتراف بحزب الله وحركة أمل بأنها يمثلان كل الشيعة.. مما جعل حزب الله يستطيع التحدث باسم طائفة بأكملها وأن يتمترس داخل هذه الطائفة ويجعلها له غطاء، ليس سياسيا، وإنما غطاء مذهبيا".

وعلى هذا الاساس يرى سليمان أن "السعودية محقّة في تقديرها وتوصيفها للخطر الإيراني على المنطقة، ومحقّة في مجابهة هذا الخطر في كل الأماكن، سواء في اليمن أو في سوريا أو في العراق.. الخ. لكن السّياسة السعودية قبل \'عاصفة الحزم\' كانت قد أدارت الظهر لهذا الخطر الإيراني في مواقع عديدة، لا سيما في العراق في مواجهة ما كان يسمّى بالتواطؤ الأميركي الإيراني في العراق، وتمّ تسليم العراق إلى إيران لقمة سائغة بعد احتلاله من قبل الأميركيين. ثم أخطأت في سياستها اللبنانية، بمعنى أن الوصاية السورية التي فرضت على لبنان خلال ثلاثين سنة كانت تتمتع برضى سعودي، ما مكّن إيران وسوريا من بناء منظومة كبيرة عسكرية سياسية إعلامية جماهيرية جعلت من حزب الله رقما صعبا في الساحة اللبنانية".

ويشاطر مصطفى فحص نجل العلامة اللبناني الراحل السيّد هاني فحص سليمان في كلامه ويقول "تأخرت الرياض عن العراق عشر سنوات، وهذه السياسات جعلته بيد طهران.. تأخرت الرياض عشر سنوات عن دعم وتطمين واستقطاب المعارضة الشيعية في لبنان فدفعت الشيعة بأن يكونوا الآن في غالبيتهم بيد حزب الله وطهران".

ويخفّف فحص من وطأة هذا العتب مضيفا "أنا لا ألوم المملكة ولا ألوم الشّيعة المعارضين لكنّي أعتقد أنه المملكة لم يكن لديها مشروع، حتى للسنّة سابقا ليكون لديها مشروع للشيعة في لبنان. ورأينا في السنوات الأخيرة ما جرى للحالة الداخلية لتحالف 14 آذار وتيار المستقبل، وكم تمّ إضعاف سعد الحريري لدرجة إشاعة أنه غير مرغوب فيه في الرياض".

خلل ميزان القوى يعرض لبنان للخطر

ويلاحظ سليمان بأنه أصبح يرى اليوم في لبنان "استفاقة من سياسة أدارت الظهر لهذا الخطر.. النهج الجديد اليوم يريد أن يحمّل لبنان وزر هذه السياسة.. في الحقيقة وصل لبنان إلى هنا لأن هناك خللا في ميزان القوى وليس هناك توازن سياسي وعسكري واستراتيجي في لبنان، بين حزب الله وحلفائه والقوى المناهضة له.. لذلك فإن الوعي بخطورة حزب الله والنفوذ الإيراني يتطلب إعادة النظر بالسياسات التي أوصلتنا إلى هنا.. ما يتطلب وضع مشروع سياسي وخطة حقيقية عربية لتعديل ميزان القوى الداخلي في لبنان وفي الثورة السورية وتعديل ميزان القوى الإقليمي".

ويرشح من كلام سليمان ما يفيد أن حالة المعارضة الشيعية في لبنان تحتاج إلى دعم واحتضان وسقف عربي إذا ما أريد لها أن تقاوم الهيمنة الإيرانية على الشيعة في لبنان.

ويرى سليمان إن إمكانات حزب الله "لا تقتصر على الدعم الإيراني الكبير، بل أيضا على إمكانات الدولة اللبنانية، ذلك أن الوزارات والمؤسسات تُسخّر لتأمين خدمات يجيّرها الحزب داخل الطائفة الشيعية لتحسين وضعه واستدرار عطف الناس عليه. واستطاع الحزب أن يحوّل مال البلديات إلى مال سياسي وزعه على محاسيبه وفي سبيل خططه السياسية والانتخابية، حتى أن إحدى المؤسسات الأميركية كانت تموّل مشاريع لصالح بلديات يسيطر عليها حزب الله".

وبدوره يطالب مصطفى فحص وهو واحد من الأصوات العالية المعارضة لحزب الله تماما مثلما كان والده "بتصحيح العلاقة بين الشّيعة ودولهم الوطنية.. حقّ المواطنة هو حقّ للجميع.. هناك دائما قلق شيعي مردّه أن دولنا الوطنية فشلت في احتواء مكوّناتها، وهذا السبب وفّر موطئ قدم لطهران لتتغلغل في كثير من الدول العربية حيث العلاقة متوتّرة بين الدولة وبين الشيعة".

ويضيف فحص "الآن لا بد للأمور أن تتغير.. السعودية مطالبة بأن تحمي جبهتها وبأن لا يذهب الكلام إلى صراع سنّي شيعي وأن يكون الكلام هو صراع عربي إيراني.. فعندما يكون الصراع عربيا إيرانيا يتيح ذلك للمملكة أن تتكلم باسم جميع المكونات العربية الإسلامية والمسيحية وتدافع عنها".

ويقول العلامة علي الأمين إن "ولاية الفقيه السياسية برأينا ليست عابرة للحدود والقارات، بل هي ضمن الأراضي الإيرانية فقط. وليس لإيران ولاية على الشيعة في أيّ دولة أخرى، إنها ولاية على مواطنيها، فالولي الفقيه إذا اختاره الشعب في إيران حاكما، تكون ولايته على الشعب الذي اختاره. أما نحن الشيعة في لبنان والكويت والعراق والبحرين والسعودية فلم نختره حاكما، نحن اخترنا أنظمتنا السياسية وحكوماتنا والولاية علينا هي لهذه الأنظمة وللحكومات.. وليس علينا أيّ ولاية من إيران وحاكمها".

ويرى فحص أنه "على السعودية أن تدعم المعتدلين من السنّة كما الشيعة، ولا خيار أمامها إلا دعم الاعتدال والقيام بخطوات جبارة وجريئة في البحرين وفي السعودية وفي أيّ مكان عربي من أجل دعم الاعتدال الشيعي في هذه المنطقة، وإلا فإنّ هناك مزيدا من التأزم ومن الصائدين في الماء العكر الذين سيستغلون هذه الظروف ضد المملكة لتتحول الأزمة إلى سنية شيعية وليست عربية إيرانية، وهذا ما يريح طهران ويدفع كل الشيعة إلى حضنها".