معارك المستقبل

يجزم الكثير من الكتاب والمثقفين أنه لكي ينتصرالمصريون في معركتهم ضد التطرف والإرهاب،يجب أن تكون نقطة البداية في إحداث تغيير جذري وجوهري في الثقافة، وأن يتجه التغيير، في كل الأحوال، إلى المستقبل، إلى الأطفال، إلى الأجيال القادمة.. إلى العناصر التي يفترض فيها أن تساهم في صياغة حلمنا الواعد وغدنا الأفضل،فنحن بحاجة إلى أن نلغي نظام الحفظ والتلقين من مناهجنا الدراسية، ونضع بدلا عنه نظاما قائما على العلم والإبداع.

وهذا بالضبط ما لمسه الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال زيارته الأخيرة في ألمانيا والمجر، وهما دولتان علي طرفي نقيض في كل شيء إلا في مسألة العلم والعمل فهما تؤمنان وتسبحان بهما إلى حدب بعيد، إذن لا بد أن تركز المناهج الدراسية على العلوم التطبيقية، والمعامل التجريبية، واستيعاب روح العصر، والتشجيع على المبادرة والإبداع، وخلق الحوافز التي تشجع على الإختراع والإبتكار. ويجب أن يمحى من مناهج التدريس كل الإيماءات التي تروج للخرافة والأوهام والدجل وأن يعود للعلوم العربية صفاؤها ونقاؤها، الذي كان له الفضل الكبير في صناعة النهضة العربية والإسلامية في ظل الخلافة الراشدة وخلال العصرين الأموي والعباسي، خصوصا وأن الانهيار والضعف الحالي، لا يمكن تجاوزهما إلا بأمرين. أولاهما، الدفع بعملية التنمية الإجتماعية والإقتصادية خطوات واسعة وكبيرة، فذلك سيكون حتما عاملا مساعدا لخلق قوى وتقاليد اجتماعية جديدة متجانسة مع المطالب المشروعة لخلق المجتمع الجديد والمتطور. والأمر الثاني هو الإسراع بتوطين العلوم والتكنولوجيا الجديدة بكل تفرعاتها وتشعباتها وإتاحة المجال للفكر لأن يعبر عن نفسه في مناخ صحي، معززا بحرية التعبير واحترام الرأي والرأي الآخر، وفي ظل سيادة القانون الذي يحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ويوضح حقوق وواجبات المواطن، ويحترم فيه استقلال القضاء، ولا تبقى فيه سلطة لأحد، كائنا من كان، فوق القانون.

وعليه فإن الأزمة التي تواجه مصر اليوم، كما يبدو من قراءتها تكمن في معضلتين رئيسيتين، الأولى ثقافية والثانية علمية.

فعلى الجانب الثقافي هناك المشكلة الأبوية للمجتمع، بكل مكوناتها القبلية والطائفية، وما يحمله هذا التركيب المجتمعي من عادات بالية وتقاليد عفا عليها الزمن، وتشكل العناصر مجتمعة سدا منيعا وكاسحا يحول دون كسر العلاقات الإجتماعية القديمة والخروج من شرنقتها. ففي البيت يسود نظام الطاعة بكل قوته وجبروته، وينمو الطفل تابعا فاقدا للإستقلال والإرادة، حيث يكون قد غرست فيه نزعة الإنطوائية والإتكالية وقتلت فيه روح العطاء والإبداع، بعد أن أصبح تابعا بالمطلق لتقاليد منزله وما أن يشب عن الطوق، ويدخل أبواب المدرسة، حتى يواجه بنظام طاعة آخر أقسى وأعتى وأكثر صرامة من ذلك الذي يواجهه في المنزل. إن نظام ومناهج التعليم في مدارسنا لا يختلف كثيرا عن تلك الأعراف والتقاليد التي ينشأ عليها الطفل داخل منزله، والتي تكرس فيه نظام الولاء والتقليد والجمود والطاعة. وهكذا يتكرر الحال، بالنسبة لأجيالنا الجديدة في دورات متعاقبة، وفي إيقاع مستمر يتصف بالفقر والدوران حول نفسه حتي يأكل بعضه بعضا، ولكن التاريخ، يبدو فيه متوقفا، غير قادر على التحرك إلى الأمام. وعند التخرج يواجه جيل المستقبل بحقائق أكثر مرارة وتعقيدا، يدخل ضمنها المحسوبية والواسطة والوجاهة والحسب والنسب.

إذا كان علينا أن نتجاوز واقعنا المزري الراهن، فيجب أن نعترف، دون مواربة ليس فقط بقوة ورسوخ العناصر التي تكرس التطرف والتخلف في مجتمعاتنا وثقافتنا، ولكن أيضا بقوة حراسها والمدافعين عنها.

تلك هي باختصار، البيئة التي يمكن من خلالها أن تتم معالجة هذا الخلل المزمن، وما لم تتوافر مثل هذه البيئة فستبقى الأزمة قائمة ومستعصية، وقديما قال أجدادنا "العقل السليم في الجسم السليم".