معركة التراث.. بين جورج طرابيشي وحسن حنفي

موقف حسن حنفي من العقلانية المعتزلة لا يعني التماهي المطلق، وإنما التنمية والتطوير بحسب حاجات وملابسات عصرنا.
الخطأ الأكبر يقع عند رصد طرابيشي للتناقضات في بعض المفاهيم الأساسية كمفهوم الوحي والموقف من المنهج التاريخي
نقد حسن حنفي للمنهج التاريخي هو نقد للمنهج الوصفي الخارجي للأحداث الفكرية دون استنباط دلالتها الباطنية
نقد طرابيشي يغلب عليه الهجوم الشخصي بهدف الغلبة

د. هند عبدالحليم محفوظ

نعرض هنا لمعركة شهيرة وقعت بين المفكر السوري الراحل جورج طرابيشي، والمفكر المصري حسن حنفي عن إشكالية التراث، ويغلب على نقد طرابيشي الهجوم الشخصي بهدف الغلبة. فأول ما يلفت النظر في كتابات حسن حنفي – على حد قول جورج طرابيشي – هو قدرة كاتبها شبه اللامحدودة على مناقضة نفسها. فهو لا يضع قضية إلا لينفيها، ولا يبدي رأياً إلا ليقول عكسه.
إن التناقضات أو وحدة الأضداد هي المناخ العام الذي تسبح فيه كتابات حسن حنفي، بل هي التي تصنع وحدة شخصية حسن حنفي ككاتب ومفكر، فحسن حنفي يفكر بواسطة المتناقضات. 
ويضيف طرابيشي: على أننا لا نجد هذا التناقض أو التضاد فقط بين مؤلف وآخر أو بين طور سابق وطور لاحق من أطوار التطور الفكري، بل كذلك بين فصول الكتاب الواحد، أحياناُ بين صفحات الفصل الواحد دون أي اعتبار للفاصل الزمني. فهناك تناقضات في مختلف مواقفه الفكرية، سواء في الموقف المنهجي أو الموقف من القضايا أو الموقف من الوقائع أو النصوص أو الأشخاص. 
والمنهج الذي اختاره طرابيشي للكشف عن تناقضات حسن حنفي هو منهج المقابلة، أي مقابلة نص بنص في إطار قضية محددة.
ويرى الناقد الراحل محمود أمين العالم أنه في ضوء المنطق الصوري من الطبيعي أن يبدو التعارض صارخاً، ولكننا لو وضعنا النصين في إطار السياق العام لفكر حسن حنفي – مهما كان اتفاقنا أو اختلافنا معه – فلربما أفضى هذا إلى تفسير التناقض بينهما نفسيراً مختلفاً لا يتضمن الحكم بعصابية هذا الفكر أو فصاميته كما ينتهي تحليل طرابيشي له، ومع ذلك وفي إطار المنطق الصوري نفسه، قد نجد في الأحكام بالتناقض بين بعض النصوص أخطاء في الفهم وربما في النقل.

الغريب أن يطلق طرابيشي على هذا التمرد المطلق بل الانقلاب الكوبرنيقي الشامل، اسم الترميم النرجسي

ويورد محمود أمين العالم مثالين:
الأول: يسوق طرابيشي عبارة من كتاب حسن حنفي "في الفكر الغربي المعاصر" يقول: "التاريخ تغير وتقدم وارتقاء،  والوحي لا تقدم فيه"، ليقابلها بعبارة أخرى أخرى مناقضة تماماً تقول: "الوحي هو عامل التقدم"، من كتابه المترجم عن ليسنج وهو "تربية الجنس البشري".
ونعود للعبارة الأولى، فنجد أن العبارة ليست لحسن حنفي، وإنما نجدها في سياق عرض حسن حنفي لفلسفة أونامونو، وهو بغير شك خطأ في النقل، فالعبارة يمكن أن تنسب لفكر حسن حنفي.
والمثال الثاني: يشير فيه طرابيشي إلى تناقض – على حد تعبيره – يصعق صعقاً في تقييم الواقعة الواحدة، والحكم عليها من حلقة واحدة بالإيجاب والسلب بين دفتي كتاب واحد. وهو قول صاحب كتاب "من العقيدة إلى الثورة": "إن علم الكلام عندنا لا يقابل تماماً علم اللاهوت في الحضارة الغربية. 
ويقول في الكتاب نفسه: "والحقيقة أن علم الكلام عند القدماء علم لاهوتي بالمعنى المسيحي أي نظرية في الله".
ويرى العالم أن القراءة المدققة تكشف عن أن العبارة الأولى تعبر مفهوم علم الكلام "عندنا" أي عند حسن حنفي، على حين أن العبارة الثانية تعبر عن مفهوم علم الكلام عند القدماء فهناك اختلاف بين منظور حسن حنفي لعلم الكلام ومنظور القدماء. 
لكن الخطأ الأكبر يقع عند رصد طرابيشي للتناقضات في بعض المفاهيم الأساسية كمفهوم الوحي والموقف من المنهج التاريخي، والأثر والتأثير والموقف من التراث، والموقف من الحضارة الغربية. ومفهوم الوحي من أكثر المفاهيم التباساً وتعقيداً وإشكالية في فلسفة حسن حنفي. فالوحي عنده يجمع في وحدة واحدة، بين تعاليه أي ارتباطه وصدوره من المقدس وطابعه الماهوتي المطلق، وبين طابعه العقلاني الواقعي. وهو بهذا التناقض التكويني يشكل جوهر السعي الفكري لحسن حنفي لأنسنة العقيدة. إنه لا يقطع الحبل السري بين المتعالي والواقعي، بين الإلهي والإنساني، بين التراث والتجديد. ولهذا ليس ثمة تناقض بين الوحي والعقل، وبين الوحي والتاريخ، وبين الوحي والواقع، ولهذا فالوحي لا يتحدد بالنص الثابت وحده أو بالنقل، بل هو الماهوي والمتجاوز في آن واحد. على أن حسن حنفي في تعابيره المتناثرة يستخدم في كثير من الأحيان الوحي بمفهومه الاصطلاحي التقليدي وأحياناً أخرى بمفهومه الحنفي الخاص. 

Battle of Heritage
جورج طرابيشي

ونقد حسن حنفي للمنهج التاريخي متناقض في نظر طرابيشي مع موقفه من الوعي التاريخي ودعوته إليه ونقده لتراثنا القديم لفقدانه الرؤية التاريخية. وطرابيشي يعد هذا فضيحة منطقية، وهذا صحيح من ناحية المنطق الصوري الذي يتبنى طرابيشي منهجه. 
والواقع أن نقد حسن حنفي للمنهج التاريخي هو نقد للمنهج الوصفي الخارجي للأحداث الفكرية دون استنباط دلالتها الباطنية، وهو نقد – من وجهة نظر محمود أمين العالم – للمنهج التاريخي وليس نقداً لتاريخية الظواهر وتاريخية الوعي. أو بتعبير آخر هو نقد للمنهج الإخباري الوصفي لا لتاريخية الحركة الصراعية للأحداث. ولهذا نراه يقول: "فإذا كان الهدف من الأخبار هو ايصال المعاني، فإن المعاني لا توجد في الوقائع التاريخية، بل توجد حيث توجد الوقائع في النفس، ليس المطلوب الآن هو الإخبار بل اكتشاف تصورات العالم في علومنا القديمة التي تحدد نظرتنا إلى واقعنا المعاصر.
وبنطبق الأمر نفسه على مسألة الأثر والتأثر. فهو لا ينكرهما كحقيقتين فاعلتين كما يتصور طرابيشي، ولكنه ينكر ما يتضمنانه من مفهوم استتباعي عند بعض المستشرقين، وبالتحديد استتباع الحضارة العربية الإسلامية للحضارة اليونانية من مدخل الأثر والتأثير. وحسن حنفي لا يستبعد التأثير إذا جاء – كما يقول – على نحو يتفق مع طبيعة الحضارة التي تتلقى هذا التأثير. أي هو ينكر الوقوف عند التأثير الخارجي في تفسير الظواهر الحضارية الداخلية، لهذا نراه يقول: "إن الحضارة الإسلامية قادرة على تمثل ثقافات الشعوب المجاورة ووضعها في قالبها"، لكنه يرفض منهج الأثر والتأثر، الذي يهدف أساساً – كما يقول – إلى القضاء على أصالة الحضارات وقدرتها على التمثيل والتعبير والخلق وإلى القضاء على الظواهر المستقلة وإلى إرجاع كل شيء إلى مصادر خارجية ومن ثم يقضي على فعل الروح وعمل الذهن وهذا ما يهدف إليه المستشرق الغربي.
ليس ثمة تناقض إذن بين إنكاره للتأثر بمعنى الاستتباع وترحيبه به بمعنى التمثل والاستفادة. وبهذا يزول ركن آخر من أركان التناقضات التي أقام طرابيشي عليها حكمه بالعصابية الحنفية.
والتراث عند حسن حنفي هو جوهر الهوية الذاتية وهو مصدر القوة الرئيسة للأمة، وهو لا يزال المخزون النفسي عند الجماهير القادر على بعثها وإقالتها من عثرتها، وتحقيق دورة جديدة للتاريخ الإنساني.
لكن هذا التراث عند حسن حنفي – من ناحية أخرى – هو مصدر الجمود والتخلف والتحجر الماضوي بل مصدر الهزائم وخاصة هزيمة 1967 . على أن حسن حنفي يميز في الحقيقة في تراث الماضي بين تراث السلطة والحكام وتراث المعارضة والثوار، ويسعى إلى تنمية وتطوير الجانب الثوري من التراث في مشروعه الحضاري التنويري. إذ يبرز وجه نقدي حاد وعنيف لحضارة الذات يجريه حسن حنفي على مختلف جوانب التراث وخاصة في جانبه الفلسفي، إلا أن هذا الموقف النقدي نفسه للتراث سرعان ما يتخذ طابعاً مثنوياً على حد تعبير طرابيشي. يقوم على الإحياء والتمويت. فهناك جوانب في التراث لا بد من إحيائها وهناك جوانب أخرى لا بد من إماتتها، فهناك اليسار واليمين، وهناك التقدمية والمحافظة.
ويتوقف محمود أمين العالم عند ما يسميه طرابيشي دراما المعتزلة والأشاعرة في فكر حسن حنفي. فالمعتزلة في هذا الفكر تمثل ظاهرة إيجابية على حين أن الأشاعرة تمثل ظاهرة سلبية. ولهذا يذهب حسن حنفي إلى حد التماهي مع المعتزلة لتطوير اتجاهها تطويراً ثورياً من أجل إقامة لاهوت شامل للثورة. على أن طرابيشي يجد في هذا الموقف مغالاة عصابية في تقييم المعتزلة، لهذا فبالرغم من الطابع العقلاني لهذا التقييم، فإنه يتضمن طابعاً نكوصياً إلى عصر ذهبي قديم يزدوج بطابع هلوسي لا يقيم وزناً للواقع.
هذا مع أن موقف حسن حنفي من العقلانية المعتزلة لا يعني التماهي المطلق، وإنما التنمية والتطوير بحسب حاجات وملابسات عصرنا. 

Battle of Heritage
محمود أمين العالم

وبهذا يتحول نقد التراث إلى تأكيد الطابع النكوصي له، ويظل التجديد معلقاً، ويبرز من جديد التناقض بين التراث والتجديد، فكيف يمكن لحسن حنفي تجاوز هذا؟ وهنا يتحقق طور جديد في فكر حسن حنفي، هو التمرد المطلق الحاسم على التراث، والتحرر من الأسر الحضاري التراثي جملة والانطلاق لتأسيس حضارة إنسانية جديدة.
ويتبين طرابيشي هذا الطور الجديد الذي لا يعد تمرداً على كل الاتجاهات السلفية وعلى المرحلة التراثية فحسب، بل كذلك على المنهجية التحليلية النفسية لطرابيشي نفسه الذي يفسر كل منطلقات حسن حنفي الفكرية بالعصابية النكوصية. ولهذا يسعى طرابيشي إلى تفسيرها بما لا يخرجها عن منهجيته التحليلية، وذلك بالاستعانة بما يكاد أن يكون حكاية أسطورية! فنقد حسن حنفي نقداً عنيفاً للتراث الذي هو بمثابة الأب، يفضي به إلى محاولة الالتجاء إلى الأصل، أي إلى الدين نفسه. 
إنه يعود إلى الاندماج في المركز الأحادي، في التراث البدئي، تراث اليقين المطلق، تراث الماهيات لا الوقائع، تراث الأم، وبهذا يتم الاندماج وذوبان الشخصية تماماً، وهذا الذوبان يدفع إلى التمرد من جديد، وهو تمرد على الأم، على المصدر الديني البدئي، يأخذ شكلاً كلياً. 
وهكذا يحدث الانقلاب الكوبرنيقي – على حد تعبير طربيشي نفسه – الذي تخرج به الذات متمردة على المركز والنص والتراث معاً، مندفعة إلى تحقيق ذاتها المستقلة. والغريب أن يطلق طرابيشي على هذا التمرد المطلق بل الانقلاب الكوبرنيقي الشامل، اسم الترميم النرجسي. هو نرجسي لدورانه حول ذاته. أما القول بترميميته فهو في الحقيقة أضأل من أن يعبر عن صورة التمرد الجارف المطلق التي يصفها طرابيشي نفسه.