معنى النَّصر والهزيمة في 'عمود السحاب'!

"النَّصر" و"الهزيمة" هما من مفردات كل حرب، أيْ كل صراع بالحديد والنار؛ وإنَّ من الأهمية بمكان أنْ نتعرَّف معنى كليهما في حرب "عمود السحاب"، بتسميتها الإسرائيلية، والتي شنَّتها إسرائيل على قطاع غزة، مستخدِمة فيها، حتى الآن، سلاحها الجوِّي.

أوَّلاً، ليس من "إيجابية مُطْلَقَة" لمعنى "النَّصْر"؛ كما ليس من "سلبية مُطْلَقَة" لمعنى "الهزيمة"؛ فثمَّة "نَصْر حقير (دنيء، خسيس، تافه، أحمق، رذيل، ذميم)"، وثمَّة "هزيمة مُشَرِّفَة (مُشَرَّفَة، أَبيَّة، جليلة)"؛ فليس كل انتصارٍ انتصاراً، ولا كل هزيمةٍ هزيمةً. حتى انتهاء الحرب إلى "لا غالب، ولا مغلوب"، بالمعنى العسكري، يمكن، في ظَرْفٍ ما، أنْ نرى فيه، بـ "العَيْن السياسية"، "نصراً" لأحد الطرفين، و"هزيمةً" للآخر.

وحرب إسرائيل على قطاع غزة (الآن) إنَّما هي، في أحد معانيها، حرب "القوي (لا بَلْ الأقوى إقليمياً)" على "الضعيف"؛ ولقد أصاب كبد الحقيقة مَنْ اعتبر عجز "القوي" عن الانتصار هزيمةً له، وعدم انهزام "الضعيف" نصراً له.

وإنَّ أوَّل معنى لـ "الهزيمة" هو "الفشل"، أيْ فشل الذي شَنَّ الحرب وخاضها في الوصول إلى "هدفه"، أكان مُعْلَناً أم مستتراً؛ فَلْنَعُدْ الآن إلى حرب "الرصاص المصبوب" والتي هَدَفَت إلى إصابة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة بعجزٍ دائمٍ (بعضه سياسي السبب) عن ضرب جنوب إسرائيل بالصواريخ (صواريخ القسَّام وأشباهها).

لِنَعُدْ إليها، وإلى هذا الذي هَدَفَت إليه؛ فإنَّ حرب "عمود السحاب" جاءت بـ "الخبر اليقين"، وبما يقيم الدليل (العملي والواقعي) على أنَّ حرب "الرصاص المصبوب" قد انتهت إلى "هزيمة إسرائيلية"، بمعنى ما، وإلاَّ ما معنى أنْ تتمخَّض تلك الحرب عن ترسانة صاروخية فلسطينية أعظم حجماً، وأفضل نوعيةً، وأنْ يَصِل بعض صواريخ المقاوَمة، في حرب "عمود السحاب"، إلى تل أبيب والقدس وهرتسليا؟!

وفي هذه الحرب (حرب "عمود السحاب") ما معنى أنْ يَعْظُم شعور حكومة نتنياهو، كل يوم، لا بَلْ كل ساعة، بالعجز (الذي هو عسكري ـ سياسي في أسبابه) عن الدخول في حرب برية؟!

لكنَّ تعاظُم شعورها بهذا العجز لا يعني أنَّ حكومة نتنياهو لن تُقرِّر أبداً خوض الحرب البرية؛ فإنَّ اشتداد الشعور لديها بعجز الحرب الجوية عن أنْ تعطي من النتائج ما يعود على نتنياهو (وحليفه ليبرمان) بنصرٍ انتخابي مؤزَّر قد يَحْملها على "المجازفة (والمغامرة)"، فتأخذ عن اضطِّرار بـ "أحْلى المُرَّيْن"، ألا وهو الدخول في حرب برية.

حكومة نتنياهو يمكن ويجب أنْ تُهْزَم في حرب "عمود السحاب"؛ والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة يمكن ويجب أنْ تنتصر؛ لكن "كيف (وبأيِّ معنى)"؟

من طريق توصُّل الطرفين إلى "هدنة جديدة"، يلتزمان فيها وَقْفاً تامَّاً للأعمال العسكرية؛ فلا إسرائيل تعتدي عسكرياً على قطاع غزة (بكل ما فيه، وبكل من فيه) ولا المقاومة الفلسطينية تُطْلِق النار على إسرائيل من القطاع، أو عبر الحدود.

وينبغي لاتفاقية الهدنة الجديدة أنْ تأتي دليلاً قوياً على أنَّها نُتاج الجهود والمساعي المصرية في المقام الأوَّل؛ كما ينبغي لهذه "الوساطة المصرية" أنْ تأتي تأكيداً، لا نَفْياً، لانحياز مصر الجديدة إلى الطرف الفلسطيني؛ فلا تناقض بين "مصر الوسيط" و"مصر الحليف للفلسطينيين".

وينبغي لإسرائيل أنْ تنهي حصارها البحري لقطاع غزة؛ أمَّا معابرها البرية مع القطاع فهي حُرَّة في فتحها أو إغلاقها.

وينبغي لمصر أنْ تَفْتَح، وإلى الأبد، معبر رفح، وأنْ تقرِّر مع الطرف الفلسطيني فحسب كل ما يختص بهذا المعبر من أمور؛ فالحدود بين مصر وقطاع غزة هي أمرٌ يخص المصريين والفلسطينيين فحسب.

وفي أمر "الضمانات"، أقول إنَّ مصر مَدْعوَّة إلى أنْ تُفْهِم إسرائيل أنَّ شنها لحرب جديدة على قطاع غزة، أو خرقها لاتفاقية الهدنة، سيضطَّر الحكومة المصرية إلى الدعوة إلى استفتاء شعبي يدلي فيه الناخبون المصريون برأيهم في أمور تخص جوهر وأساس العلاقة بين مصر وإسرائيل؛ فإنَّ تلويح القاهرة بهذا الاستفتاء الشعبي هو خَيْر "الضمانات".

وينبغي لإسرائيل أنْ تَفْهَم اتفاقية الهدنة على أنَّها أمرٌ لا يتعارَض مع أيِّ حراك شعبي فلسطيني سلمي (في الضفة الغربية على وجه الخصوص) يستهدف إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية، وأنْ تفهمها، أيضاً، على أنَّها اتفاقية تشمل جغرافياً قطاع غزة فحسب.

وأحسبُ أنَّ "النِّصْف الآخر" لمعنى "الانتصار الفلسطيني" هو أنْ تُنْجَز "المصالحة" بين "فتح" و"حماس" فوراً؛ وأعني بـ "فوراً" أنْ تُنْجَز هذه "المصالحة" الآن، أو بعد ساعات، أو أيام، من اعتراف الجمعية العمومية للأمم المتحدة بـ "فلسطين" على أنَّها دولة بصفة عضو مراقِب في الأمم المتحدة.

جواد البشيتي