مفارقة الثروة والحرمان.. 17 مليون فقير في العراق
بغداد - لم يعد الفقر في العراق مجرّد رقم في تقارير التنمية، بل تحوّل إلى ظاهرة مركبة تكشف عمق الأزمة البنيوية التي يعانيها الاقتصاد والمجتمع على حد سواء. فبينما تسجل المؤشرات الرسمية تحسنًا في معدلات الدخل والإنفاق، تتزايد في المقابل مظاهر الحرمان في التعليم والصحة والبنية التحتية وفرص العمل. إنها مفارقة بلدٍ غني بالنفط، لكنّ مواطنيه يعيشون على حافة الكفاف.
ويُعَدُّ العراق عضوًا مؤسسًا في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) ويحتل المرتبة الخامسة عالميًا من حيث احتياطات النفط المؤكدة، بثروة طائلة كان من شأنها أن تضمن له الريادة الاقتصادية ومستوى رفاه اجتماعي مرتفعًا. لكن المفارقة الصادمة تكمن في أن هذا البلد الغني يعاني من تفشٍّ حاد في الفقر بين سكانه. إن العلَّة الجوهرية التي تقف وراء هذا التناقض الصارخ هي الفساد المستشري الذي اخترق شقًا كبيرًا من النخبة السياسية، إلى جانب نظام المحاصصة الحزبية والطائفية الذي هيمن على المشهد. هذا النظام أدى إلى تغييب كامل لمصلحة الدولة والمواطن، وقَدَّم مصالح المتنفذين وأجنداتهم الخاصة على المصلحة الوطنية العليا. وكنتيجة مباشرة، جاءت نسب الفقر في العراق صادمة، لترسم صورة قاتمة لمستقبل بلد يواجه تحديات داخلية مزمنة، وهو عالق بحكم طبيعته الجغرافية وموقعه الحيوي، بين أزمات إقليمية متلاحقة تضاعف من معاناته وتعقّد من آفاق استقراره وتنميته.
الفقر الهيكلي: الدولة غنية في أرقامها المالية، فقيرة في قدرتها على خلق فرص حياة لائقة
ويظهر أحدث تقرير لوزارة التخطيط العراقية أن نحو 36.8 في المئة من السكان، أي قرابة 17 مليون شخص، يعانون من فقر متعدد الأبعاد يشمل خمسة مؤشرات أساسية: التعليم، الصحة، مستوى المعيشة، العمل، والصدمات الاقتصادية.
هذه النسبة لا تعني فقط أن ربع العراقيين يعيشون تحت خط الدخل، بل أن أكثر من ثلثهم يعانون حرمانًا هيكليًا يمسّ نوعية حياتهم اليومية.
أما فقر الدخل النقدي – الذي يُقاس بمتوسط الإنفاق الشهري – فيبلغ 17.5 في المئة، أي أن نحو خمس العراقيين يعيشون على أقل من 137 ألف دينار شهريًا. المفارقة، كما يوضح الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، أن انخفاض فقر الدخل لا يعكس بالضرورة تحسنًا فعليًا في المعيشة، لأن "الفقر في العراق أصبح يتوارى خلف جدران الخدمات المتداعية والتعليم المتراجع وانعدام العدالة في الفرص".
بيانات البنك الدولي تشير إلى أن نسب الفقر النقدي تراجعت خلال العامين الأخيرين من 24 في المئة إلى 17.5 في المئة، نتيجة توسع برامج الحماية الاجتماعية ودعم البطاقة التموينية. لكن هذا التراجع لم يُترجم إلى تحسن في مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد (M0) الذي لا يزال عند 10.8 في المئة، وهو ما يعكس فشل السياسات الحكومية في تحويل الدعم المالي إلى تحول نوعي في حياة الفقراء.
وما زال نصف أطفال العراق يعانون من حرمانٍ مركب، كما أن نسبة مشاركة النساء في سوق العمل لا تتجاوز 11 في المئة، ما يضيف بعدًا اجتماعيًا وجندريًا للفقر. وبذلك لم يعد الحرمان مجرد مشكلة دخل، بل ظاهرة ممتدة عبر الأجيال، تُعيد إنتاج نفسها في بيئة غير متكافئة.
نصف أطفال العراق يعانون من حرمانٍ مركب
ويرتبط الفقر في العراق ارتباطًا وثيقًا بطبيعة الاقتصاد الريعي الذي يعتمد على النفط كمصدر رئيسي للدخل القومي. فعندما تهبط أسعار النفط، تتراجع قدرة الدولة على تمويل المشاريع والخدمات، ويزداد الاعتماد على التوظيف الحكومي كوسيلة للإعاشة، لا كاستثمار في الإنتاج.
وهذا ما يسميه الاقتصاديون "الفقر الهيكلي"، حيث تبدو الدولة غنية في أرقامها المالية، لكنها فقيرة في قدرتها على خلق فرص حياة لائقة.
وتكشف المقارنات الجغرافية عن تباين حاد بين المحافظات، ففي إقليم كردستان لا تتجاوز نسب الفقر 9 في المئة، بينما تصل في محافظات الجنوب مثل المثنى وذي قار إلى أكثر من الضعف، ما يفضح اختلال التوازن التنموي بين المركز والأطراف، وبين المدن الغنية بالفرص والمناطق الغارقة في التهميش.
التحولات المناخية أضافت طبقة أخرى من التعقيد إلى مشهد الفقر. فموجات الجفاف والتصحر تسببت في انهيار مصادر رزق آلاف المزارعين، ودَفعتهم إلى الهجرة نحو المدن، ما ضاعف الضغط على سوق العمل والخدمات.
دون إصلاحات حقيقية سيظل الفقر يتحول من رقمٍ إلى جيل، ومن أزمةٍ إلى ثقافةٍ اجتماعية
بهذا المعنى، لم يعد الفقر مسألة نقدية فقط، بل قضية بيئية واقتصادية متداخلة، يتغذى فيها فقدان الموارد الطبيعية على ضعف الإدارة الحكومية.
ويرى باحثون اجتماعيون أن أخطر ما في الأزمة هو تحوّل الفقر إلى أزمة ثقة بين المواطن والدولة، فحين يعجز النظام العام عن تأمين التعليم والرعاية الصحية والسكن وفرص العمل، يشعر المواطن بأن الدولة فقدت قدرتها على حماية كرامته. إنها لحظة تتجاوز الإحصاءات إلى سؤال العدالة والمساواة: لماذا يعيش المواطن في بلد نفطي في دائرة الحرمان الدائم؟
وتسعى إستراتيجية مكافحة الفقر 2026–2030 إلى خفض النسبة العامة للفقر إلى 8 و9 في المئة عبر الاستثمار في الإسكان والتعليم وتمكين المرأة والتكيّف المناخي. لكنّ المراقبين يشككون في قدرة الحكومة على تحقيق هذا الهدف ما لم تُعالج البيروقراطية والفساد وسوء إدارة الموارد، فمن دون إصلاحات حقيقية في بنية الاقتصاد، سيظل الفقر في العراق يتحول من رقمٍ إلى جيل، ومن أزمةٍ إلى ثقافةٍ اجتماعية.
ويقف العراق اليوم أمام مفترق حاسم: إما أن تُترجم الثروة النفطية إلى تحسن ملموس في حياة الناس، أو تبقى المؤشرات الاقتصادية مجرد واجهة تخفي واقعًا من الجوع والبطالة والمرض في بلادٍ تُنتج ملايين البراميل من النفط يوميًا، فالفقر في العراق، كما يلخّصه أحد الاقتصاديين، "ليس مسألة مال… بل مسألة معنى وعدالة وكرامة".