مكون أساسي للبطاريات درعا طبيعيا يحمي البشر من الخرف!

دراسة ثورية من هارفارد تكشف أن نقص الليثيوم الطبيعي في الدماغ هو 'الزناد' الأول لمرض ألزهايمر قبل ظهور أعراضه بسنوات طويلة.

لندن  – في كشف علمي قد يغير مسار الطب العصبي لعقود قادمة، أعلنت فرق بحثية من جامعة هارفارد ومستشفى "ماكلين" عن نتائج دراسة رائدة تثبت أن عنصر الليثيوم ليس مجرد عقار كيميائي خارجي، بل هو مكون طبيعي أساسي في الدماغ البشري يلعب دوراً حاسماً في الحماية من التدهور المعرفي ومرض ألزهايمر.

نقطة تحول في لغز ألزهايمر

لسنوات طويلة، ظل مرض ألزهايمر عصياً على الفهم الكامل، حيث ركزت معظم الأبحاث على تراكم بروتينات "الأميلويد" و"التاو" كسبب رئيسي للمرض. إلا أن هذه الدراسة الجديدة، التي اعتمدت على تقنيات فيزياء نووية متقدمة لرسم خرائط العناصر الدقيقة داخل الخلايا، تقلب الآية؛ فهي تشير إلى أن "فقدان الدفاعات الطبيعية" – وتحديداً عنصر الليثيوم – قد يكون هو الشرارة الأولى التي تسمح لتلك البروتينات السامة بالفتك بالدماغ.

ووفقاً للتقرير الصادر عن دورية ACS Central Science العلمية والمبني على أبحاث مكثفة في مختبرات هارفارد، فإن الليثيوم يتواجد بتركيزات محددة في أدمغة الأصحاء، وتحديداً في منطقة "الحصين" (Hippocampus) المسؤولة عن الذاكرة طويلة الأمد وتجهيز العواطف.

ما يميز هذه الدراسة عن سابقاتها هو استخدام تقنية "تصوير الانبعاث النيتروني" (Neutron Capture Imaging). هذه التقنية سمحت للعلماء لأول مرة برؤية توزيع الليثيوم الطبيعي (Endogenous Lithium) داخل الأنسجة البشرية بدقة متناهية.

وتعليقاً على ذلك، أفاد الباحثون المشاركون في الدراسة بأن النتائج كانت "صادمة". فقد أظهرت المقارنات بين أدمغة الأصحاء وأدمغة المصابين بألزهايمر وجود فجوة هائلة؛ حيث تعاني أدمغة المرضى من نقص حاد في هذا العنصر في المناطق الحيوية قبل سنوات من ظهور أول عرض لفقدان الذاكرة. ويقول الدكتور توماس جينكس، أحد كبار الباحثين في المشروع: "نحن لا نتحدث عن أثر جانبي للمرض، بل نتحدث عن انهيار في نظام الحماية الكيميائي الحيوي الذي يسبق الوفاة العصبية".

الآلية العلمية: كيف يحمي الليثيوم الدماغ؟

شرح التقرير المعمق الآلية الكيميائية لهذا الاكتشاف؛ حيث يعمل الليثيوم كمثبط طبيعي لإنزيم يسمى "جلايكوجين سينثيز كينيز-3" (GSK-3). في الحالة الطبيعية، يبقي الليثيوم هذا الإنزيم تحت السيطرة، مما يمنع حدوث الالتهابات العصبية ويحافظ على استقرار الهيكل الخلوي.

حارس البوابة

وعندما تنخفض مستويات الليثيوم الطبيعي في الدماغ – لأسباب قد تتعلق بالوراثة أو عوامل بيئية لم تُحدد بدقة بعد – ينشط إنزيم (GSK-3) بشكل مفرط. هذا النشاط الزائد هو ما يؤدي في النهاية إلى "فسفرة" بروتين التاو وتراكم الأميلويد، وهي العلامات المميزة لألزهايمر. وبذلك، تضع الدراسة الليثيوم في مكانة "حارس البوابة" الذي يؤدي غيابه إلى فتح الباب أمام التدمير الذاتي للخلايا العصبية.

يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام ثلاثة مسارات ثورية ستغير شكل الرعاية الصحية:

أولاً: التشخيص المبكر (Pre-symptomatic Diagnosis): يتوقع المحللون الطبيعون تطوير اختبارات مسح ذري أو فحوصات للسائل الشوكي قادرة على قياس مستويات الليثيوم في الدماغ. إذا تم رصد انخفاض في هذا العنصر لدى الأشخاص في الأربعينيات أو الخمسينيات من عمرهم، فقد يمنح ذلك الأطباء نافذة زمنية تصل إلى 15 عاماً للتدخل قبل وقوع التلف الدائم.

ثانياً: استراتيجية "الجرعات المجهرية" (Micro-dosing): على عكس استخدام الليثيوم في الطب النفسي لعلاج الاضطراب ثنائي القطب، والذي يتطلب جرعات عالية قد تكون سامة، تقترح الدراسة الجديدة استخدام جرعات ضئيلة جداً (ميكرو) تهدف فقط إلى تعويض "النقص الطبيعي" واستعادة التوازن البيولوجي، وهو ما يقلل الآثار الجانبية إلى الصفر تقريباً.

ثالثاً: استعادة القدرات الإدراكية: ألمحت الدراسة إلى إمكانية "ترميم" الروابط العصبية. ففي التجارب المخبرية، أدى رفع مستويات الليثيوم إلى تحفيز نمو عوامل عصبية مثل (BDNF)، وهو بروتين يساعد في إصلاح الخلايا التالفة، مما يعطي أملاً ليس فقط في وقف الزحف المأساوي للمرض، بل في استعادة بعض الوظائف المفقودة.

التحديات والاستجابة العالمية

رغم التفاؤل الكبير، حذر خبراء الصحة من "الاندفاع العشوائي" لاستخدام المكملات التي تحتوي على الليثيوم دون إشراف طبي دقيق، مؤكدين أن الحاجة ملحة الآن لإجراء تجارب سريرية واسعة النطاق لتحديد "المستوى الذهبي" لليثيوم الذي يحتاجه كل فرد بناءً على بصمته الكيميائية.

وفي سياق متصل، بدأت شركات الأدوية الكبرى بالفعل في مراجعة محافظها الاستثمارية، حيث يتوقع المحللون في "وول ستريت" تحولاً في الاستثمارات من الأدوية التقليدية التي تهاجم "الأميلويد" (والتي شهدت إخفاقات عديدة وتكلفة باهظة) نحو أبحاث التوازن المعدني والطب الدقيق.

وبحلول نهاية عام 2025، يبرز هذا الاكتشاف كأحد أهم الإنجازات العلمية في القرن الحادي والعشرين. فإذا ثبتت هذه النتائج في التجارب البشرية القادمة، فإننا لا نتحدث فقط عن علاج لمرض واحد، بل عن فهم جديد تماماً لكيفية شيخوخة الدماغ البشري، مما قد يجعل من "ألزهايمر" مرضاً يمكن الوقاية منه تماماً، تماماً كما يتم التحكم في ضغط الدم اليوم.