ملجأ العامرية... الجريمة وبارومتر السياسة!

في يوم 13-2-1991 اقدم الجيش الاميركي، الذي كان يشن حربه على العراق، تحت مسمى قوات التحالف الدولي او "عاصفة الصحراء" على ارتكاب جريمة نكراء قلّما شهد العالم مثيلا لها، عندما استهدفت احدى طائراته المقاتلة ملجأ العامرية المكتظ بالنساء والاطفال في بغداد بقنبلة اعدت خصيصا لاختراق الحصون المنيعة، او لهذا الملجأ بالتحديد، كما تحدث مسؤولون اميركيون لاحقا.

لقد كنت في ذلك اليوم المشؤوم عسكريا، في وحدتي المتواجدة في المنطقة الواقعة بين ام قصر والفاو، اتابع مع زملائي اخبار الحرب، عندما سمعنا بالجريمة من خلال الراديو الذي كان الوسيلة الوحيدة التي تربطنا بالعالم، وقتذاك، حيث كنا في ذروة قلقنا على بلادنا التي كنا نرى الاعداد الهائلة من الطائرات الحربية المحملة بادوات الفتك والدمار تتجه الى مدنها من الجنوب لتقتل اهلنا، وتدمر ما بناه شعبنا بعرقه وكفاحه طيلة عقود من الزمن وتحيله الى ركام، على الرغم من ان قرار مجلس الامن الدولي لم يطلب تدمير العراق وانما اجاز للقوات المتحالفة اخراج الجيش العراقي من الكويت، لانه ليس من مهمة الامم المتحدة تدمير الدول بل مساعدتها على الخروج من ازماتها، في اطار رسالتها التي اقيمت من اجلها، وليس خلق مأساة من اجل انهاء مأساة، وليس الانتقام بل الاصلاح، او هكذا فهمنا مما قراناه عن هذه المنظمة الدولية العظيمة التي وللاسف الشديد ما زالت تقع تحت سطوة الكبار وتحديدا الولايات المتحدة، ولم تصل الى المرحلة التي يتمناها الاحرار والمتنورون في العالم، ممن يحلمون ويسعون الى عالم متصالح ومتسالم يسعى الى البناء والاخاء بين الشعوب، لاسيما ان العالم عاش وعرف ويلات الحروب التي كانت بمثابة دروس كبيرة يجب ان يتعلم منها الجميع.

لقد ضج الاعلام (الاذاعي) الذي كنا نتابعه وقتذاك بالحدث الذي هز الضمير العالمي ولم يملك قادة الحلف العسكري الشرير وهم يواجهون الحقيقة المتمثلة بقصف الملجأ المدني الا ببضعة عبارات اسف عابرة، بعد ان اخذت الفضائيات العالمية التي كانت تنقل اخبار الحرب من العراق الى العالم تبث صور الجريمة النكراء، واخراج الجثث المتفحمة من الملجأ في ذلك اليوم المأساوي، وقد ظلت تلك الجريمة حديث المنظمات الانسانية في العالم وموضع اهتمامها وملاحقة مرتكبيها، عند كل ذكرى تمر، لكن هذا الاهتمام تراجع ثم اختفى بعد احتلال العراق، الذي تحول كله تقريبا الى ملجا العامرية، بعد ان ادخل الاميركان قطعان القتلة والمجرمين ليفتكوا به، بعد ان دمروا الدولة واشاعوا الخراب في كل زاوية من زواياه، الا ان السبب الاهم لتغييب جريمة ملجا العامرية، التي هي من دون ادنى شك جريمة مشخصة ومعروفة وفاعلوها معروفون ايضا بأسمائهم ومواقعهم، يبقى سياسيا بامتياز او انه يخضع لمعطيات اللعبة السياسية واستحقاقاتها المرحلية.

ان ما يؤسف له حقا، ان الاعلام (العراقي) بعد الاحتلال، ولو ليس كله، لم يكلف نفسه للوقوف عند تلك الجريمة بالاستذكار، طيلة السنين التي مرت وكأن الابرياء الذين صهرت اجسادهم الة الدمار الاميركية في تلك الفاجعة، ليسوا ابناءنا واهلنا، بل يرى البعض ان فاجعة ملجا العامرية تعد جزءا من التراث السياسي للمرحلة السابقة ومن متبنياتها التي استخدمت لاغراض سياسية من اجل استدرار العطف الدولي، وحتى ان صح هذا فلا يعني ان الجريمة لم تقع. ومن هذه الرؤية القاصرة والخالية من الوفاء لاولئك الشهداء المظلومين، يتجنب البعض الحديث عن تلك المأساة وعدم احيائها ولو باستذكار اعلامي عابر، وان هناك من لا يريد ان يدين اميركا ابدا او يقر بارتكابها جرائم بحق العراقيين، بمعنى اوضح ان بارومتر السياسة هو الذي يتحكم بالمواقف "الانسانية" عند البعض لانها للاستعراض ولم تكن انعكاسا صادقا لموقف حقيقي ينتصر للقيم الانسانية او يجسدها بتجرد بعيدا عن السياسة واهوائها.

ان شهداء ملجا العامرية وكل شهدائنا الذين سقطوا على ايدي الاميركان والارهاب بمختلف مسمياته والذي جلبوه معهم، او اصطنعوه لخلق فتنة طائفية تمزق بلادنا، التي بدءوا رحلتهم التدميرية معها منذ حربهم تلك، هم شهداء هذا الوطن الذي علينا ان لا ننساهم او نصنفهم تحت أي مسمى سياسي او جهوي وهذه مهمتنا الوطنية التي علينا ان لا نتنازل عنها ابدا.