ملف هانيبال القذافي.. الشرق يتحرك بإنسانية والدبيبة يوظف الأزمة سياسيا

حكومة شرق ليبيا تسعى لحماية هانيبال القذافي وحكومة الغرب المنتهية ولايتها تبحث عن مكسب سياسي.

بيروت - يشهد ملف هانيبال القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، منعطفاً جديداً بعد أكثر من عقد على احتجازه في لبنان، إثر تحركات متزامنة من الحكومتين الليبيتين في طرابلس وطبرق، ما أعاد القضية إلى صدارة المشهد السياسي والقانوني في البلدين، وربطها مجدداً بالملف التاريخي لاختفاء الإمام موسى الصدر.

والقضية التي بدت لسنوات طي النسيان عادت لتتحول إلى ورقة ضغط سياسية في خضمّ التنافس بين حكومتي الشرق والغرب في ليبيا، وسط تساؤلات حول دوافع هذا التحرك المتأخر، وما إذا كان يعكس رغبة حقيقية في طي صفحة الماضي أم محاولة لاستثمار رمزية عائلة القذافي في الصراع الداخلي على الشرعية.

وتجدد الاهتمام بالقضية بعدما وافق القضاء اللبناني، قبل أسبوعين، على إطلاق سراح هانيبال القذافي مقابل كفالة مالية باهظة بلغت 11 مليون دولار، مع قرار بمنعه من السفر. لكن المفاجأة جاءت مع إعلان وصول وفد من حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها برئاسة عبدالحميد الدبيبة إلى بيروت، لعرض تسديد الكفالة نيابة عن عائلة القذافي، في خطوة فُسّرت بأنها محاولة لاستثمار الملف في تعزيز حضور الحكومة أمام الرأي العام الداخلي، وإظهار قدرتها على "حماية المواطنين الليبيين في الخارج"، رغم ما تواجهه من ضغوط محلية ودولية متزايدة للتخلي عن السلطة.

وفي الوقت نفسه، كشفت مصادر مطلعة أن الحكومة المكلفة من البرلمان في طبرق أجرت اتصالات موازية مع السلطات اللبنانية بهدف متابعة القضية من منظور مختلف، قوامه البعد الإنساني والوطني بعيداً عن أي توظيف سياسي، فحكومة الشرق، وفق مقربين منها، تنظر إلى ملف هانيبال القذافي باعتباره قضية إنسانية تتعلق بحقوق مواطن ليبي محتجز منذ أكثر من عشر سنوات دون محاكمة، لا كورقة دعائية أو وسيلة لتسجيل نقاط سياسية في مواجهة خصومها.

وفي هذا السياق، تؤكد أوساط برلمانية في بنغازي أن تحرك الحكومة المكلفة ينبع من التزامها بحماية الليبيين في الخارج، أياً كانت انتماءاتهم أو خلفياتهم، باعتبار ذلك واجباً سيادياً وأخلاقياً قبل أن يكون مكسباً سياسياً.

أما فريق الدفاع عن هانيبال القذافي، فاعتبر الكفالة "تعجيزية وغير منطقية"، مشيراً إلى أن موكله لا يمتلك هذا المبلغ، وأن منعه من السفر "يتناقض مع مبدأ إخلاء السبيل"، خصوصاً بعد سنوات من الاحتجاز دون محاكمة.

موسى الصدر في خلفية المشهد

والتحركات الليبية الأخيرة لم تكن بمعزل عن السياق اللبناني الداخلي، إذ تزامنت مع إعادة فتح ملف اختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه في ليبيا عام 1978، وهو ملف لطالما شكل عقدة في العلاقات بين البلدين.

وتشير مصادر لبنانية إلى أن زيارة الوفد الليبي إلى بيروت لم تقتصر على قضية هانيبال، بل شملت بحث الملف التاريخي مع الجهات القضائية والسياسية اللبنانية، في محاولة لتخفيف التوتر المزمن الذي يحيط به.

ورغم مرور أكثر من أربعة عقود على اختفاء الصدر، لا يزال الملف يُستخدم كورقة ضغط سياسية وشعبية في لبنان، إذ تتمسك عائلته والمراجع الشيعية بضرورة استمرار التحقيق وتحميل النظام الليبي السابق المسؤولية، ما يجعل أي محاولة ليبية للتقارب أو تسوية الملف محفوفة بحساسيات داخلية كبيرة.

وتكشف مواقف الحكومتين الليبيتين عن اختلاف جوهري في المقاربة، فحكومة الدبيبة في طرابلس، التي تواجه انتقادات داخلية وضغوطاً دولية متصاعدة لإنهاء ولايتها، وجدت في قضية هانيبال القذافي فرصة لتوظيف سياسي واضح، فهي تسعى من خلال تدخلها المباشر لشراء الكفالة إلى استقطاب دعم شعبي آخذ في التراجع، وإظهار نفسها كجهة قادرة على "رعاية أبناء ليبيا" في الخارج، رغم أن الهدف الحقيقي، وفق مراقبين، لا يخلو من محاولة تحسين صورتها قبل أي استحقاق سياسي قادم.

وفي المقابل، تتحرك حكومة الشرق من منطلق مغاير، قوامه العمل الهادئ والدبلوماسي لحماية حقوق المواطنين الليبيين في الخارج من دون إثارة إعلامية، أو محاولة استغلال القضية في الصراع الداخلي.

وتعتبر أن الدفاع عن القذافي الابن لا يعني تبرئة الماضي، بل احترام مبادئ العدالة والكرامة الإنسانية التي تقتضي إنهاء احتجاز طويل دون محاكمة عادلة.

مآلات محتملة

ويُجمع مراقبون على أن مصير هانيبال القذافي لن يُحسم قريباً، فالقضية تتجاوز بعدها القانوني إلى حسابات سياسية معقدة بين بيروت وطرابلس الغرب، وبين الأطراف الليبية المتنازعة نفسها، فلبنان يجد نفسه بين ضغوط داخلية من عائلات ضحايا قضية الصدر، ورغبة في طي صفحة قديمة تحولت إلى عبء سياسي، بينما تسعى ليبيا، بشقيها الغربي والشرقي، إلى توظيف الملف أو معالجته كلّ وفق رؤيته ومصالحه.

وفي ظل غياب تسوية شاملة لملف الصدر، ووجود قوى لبنانية مؤثرة ترفض أي تنازل في هذا الإطار، تبدو فرص الإفراج الفعلي عن هانيبال القذافي محدودة في المدى القريب، رغم الضجة الإعلامية والسياسية المحيطة بالقضية.

لكن ما هو مؤكد أن تحرك الحكومتين الليبيتين، رغم اختلاف منطلقاتهما، أعاد قضية القذافي الابن إلى الضوء، وجعلها مرآة تعكس عمق الانقسام الليبي بين سلطة ترى في الملف ورقة نفوذ سياسي، وأخرى تتعامل معه كقضية إنسانية تستحق الإنصاف بعيداً عن المزايدات.