منامات حلمي القاعود

"المنامات" دفقاتٌ فنيَّةٌ شديدة العذوبة، حيث يطالع القارئ كل حلم وكأنه يُشاهد لوحة فنية تضج بالإبداع والجمال.


حنين دائم لا ينقطع إلى عبق الماضي وبساطته، وفي القلب مِن هذه الحالة؛ ثنائية "النهر- القرية"


من بين المنامات، منام يتحدث عن نجيب محفوظ

القاهرة ـ أحدث الإبداعات السردية لللدكتور حلمي محمد القاعود، صدرت عن اتحاد كتاب مصر، في 192 صفحة مِن القطع المتوسط.
هذه الأحلام أو «المنامات»، دفقاتٌ فنيَّةٌ شديدة العذوبة، ليطالع القارئ كل حلم وكأنه يُشاهد لوحة فنية تضج بالإبداع والجمال.
حالة مِن اليقين أو «الوجد الصوفي» تظلل هذه المنامات، حنين دائم لا ينقطع إلى عبق الماضي وبساطته، وفي القلب مِن هذه الحالة؛ ثنائية «النهر- القرية» أو ما يمكن تسميته نسق العشق والحرية الذي يُلح على القاعود فيطغى في أرجاء البناء السردي.
ومن عجبٍ أن نجد بين المنامات، مناما يتحدث عن نجيب محفوظ، فنقرأ في المنام المعنون «نجيب»:
«في هذه الليلة رأيتُ نجيبا في شبابه أو نضجه بمعنى أدق؛ يرتدي حُلة أقرب إلى اللون الأصفر الداكن، كان شعره أسود، ونظارته الملونة تبدو مِن النوع الثمين، والبسمة تعلو شفتيه، وتبدو علامة البهجة على محياه حتى كاد لونه الأسمر يتحول إلى اللون الأحمر.
جلس نجيب على مقهى في المدينة الصغيرة التي أعرفها فوق مقعد متواضع وأمامه طاولة صغيرة، وأشار إليّ لأجلس معه. قلتُ له: 
- سأعود إليكَ بعد قليل، هناك بعض مَن أعرف ينتظرونني منذ مدة لأساعدهم! 
نظر إليّ مبتسما، وكأنه يوافق على ما قُلت.
حين رجعتُ إليه قلت له:
- لن أناقش معك قضايا الفلسفة والسياسة.
قال موافقا:
- حسنا، تكلم بما تريد..
- أريد أن أقول..
وغامت عيناي في الحلم، فلم أرَ الرجلَ أمامي، واستيقظت لأجد جملة شهيرة له في إحدى رواياته تطن في أذني:
- الحُرية! تلك الكلمة الملعونة!
ولم أجد رابطا بين رؤيتي لنجيب وهذه الكلمة».
في هذه اللوحة شديدة التكثيف والتميز، يتماهى الواقع مع المنام، ويلتقي السارد الأشهر «نجيب محفوظ»، مع ساردٍ مِن جيلٍ يليه «حلمي القاعود».
إنَّ «منامات الشيخوخة» علامة مضيئة في السرد العربي الحديث، وتحديدًا في هذا الفن النادر الذي يعتمد على صياغة الأحلام، كما فعل ذلك من قبل «نجيب محفوظ» في «أحلام فترة النقاهة».