منتديان سعوديان يكرمان عثمان موافي بالإسكندرية

كتب ـ أحمد فضل شبلول
واحد من القدوة

إلى الإسكندرية انتقلت إثنينية النعيم الثقافية، ومنتدى الدكتور نبيل المحيش الثقافي بالمملكة العربية السعودية، لتكرم عالما من علماء كلية الآداب في النقد والدراسات الأدبية، بالتعاون مع جامعة الإسكندرية، هو الأستاذ الدكتور عثمان موافي الذي تخرج في قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية عام 1963 وحصل على درجة الماجستير عام 1967 والدكتوراه عام 1970، وتدرج في وظائفه ومناصبه العملية والإدارية، وحصل على تقدير وتكريم جهات علمية كثيرة، آخرها حصوله على الجائزة التقديرية لجامعة الإسكندرية في مايو/آيار 2006.
وقعت فعاليات التكريم والندوة العلمية الأحد بالقاعة الرئيسية لكلية الآداب، وحضرها رئيس جامعة الإسكندرية أ. د. حسن ندير خيرالله، وعميد كلية الآداب د. جمال محمود حجر، مع الأديب السعودي محمد صالح النعيم (صاحب إثنينية النعيم الثقافية بالأحساء) ود. نبيل المحيش (راعي منتدى المحيش الثقافي) إلى جانب عدد كبير من أعضاء هيئة التدريس بكليتي الآداب والتربية بجامعة الإسكندرية وجامعات مصرية وسعودية أخرى. واحد من القدوة بدأ حفل التكريم الذي قدمه د. محمد مصطفى أبوشوارب بكلمة د. حسن ندير رئيس جامعة الإسكندرية بالإشادة بدور كلية الآداب باعتبارها، مع كلية العلوم، الدعامة الرئيسية للجامعة. وأشار إلى مستوى التواصل الثقافي والحضاري بيننا وبين إثنينية النعيم ومنتدى المحيش الثقافي.
وأشاد بالمكرَّم د. عثمان موافي ، فهو رجل سمح الطبع، نقي السريرة، جم التواضع، يتسامى عن الدنايا.
أما د. جمال حجر عميد كلية الآداب، فقد قال عن المكرم "إنه واحد من هؤلاء القدوة، لذا فإنني منحاز إليه."، ثم تحدث عن نشأة المكرم في أسرة أزهرية الثقافة، تقدس العلم، وأشار إلى أنه تتلمذ على يد الأساتذة: محمد خلف الله أحمد، ود. طه حسين، ود. محمد حسين، ود. حسن ظاظا، ود. محمد زكي العشماوي، ود. محمد ثابت الفندي، ود. عبدالعزيز سالم، وغيرهم.
ثم أوضح أن د. عثمان موافي تحمل قسطا من المسئولية الإدارية بالكلية من خلال رئاسته لقسم اللغة العربية، وقسم المسرح، وقسم الدراسات العليا والبحوث.
وأشاد بأثنينية النعيم الثقافية التي تأسست عام 2001 في الأحساء بالسعودية، ومنتدى المحيس الثقافي الذي تأسس عام 2003، ويرعاه د. نبيل المحيش أستاذ الأدب والشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وذلك لاحتفائه المستمر بالأدباء والكتاب والمثقفين ليس في السعودية فحسب ولكن في الوطن العربي. قوي الحجة يرتاد آفاق قضايا جديدة تحدث بعد ذلك د. محمد عبده محجوب أستاذ الأنثروبولوجي وعميد كلية الآداب الأسبق، فقال عن عثمان موافي إنه السهل الممتنع، ومع ذلك فهو قوي الحجة، قوي الشكيمة. يبتسم لكي يمتص ويفاجئ المحاور والمجادل بالحجة القوية. نبرات صوته هادئة ولكن حين يحتد بالحق يحسب له حساب. وفي الوقت نفسه يجيد الممازحة.
وهو يعد أبا مثاليا للطالب ومثلا للنظام والضبط، وشارك في تنظيم الكثير من المؤتمرات الدولية، وكان ناجحا وموفقا في هذا العمل.
وهو يرتاد آفاق قضايا جديدة على الساحة الجامعية أو في الحرم الجامعي، وأسهم في تطوير مجلة "كلية الآداب"، وأصدر أعدادا كاملة عن المؤتمرات والندوات الدولية، كما شارك في الأيام الثقافية للشعوب، مثل أيام الثقافة السعودية والكويتية والهندية والتشيكية، بالإضافة إلى أولاد علي.
وعثمان موافي واحد من الرجال الذين ينطلقون من المبدأ، ولا يُشترى أبدا. الأدب العربي وحضارة البحر المتوسط تحدث بعد ذلك صاحب الإثنينية الأديب السعودي محمد صالح النعيم، فأوضح أن مؤلفات د. عثمان موافي منحتنا نظريات نقدية جديدة، مكنت الباحثين من بعده لقراءة جديدة لأدبنا القديم، فضلا عن اهتمامه بالأدب العربي وحضارة البحر المتوسط، ومنهج محمد مندور في دراسة الأدب وفنونه، كما كتب عن طه حسين، ومحمد حسين هيكل، وتوفيق الحكيم، وغيرهم.
وأضاف النعيم أن جامعات عربية عدة استعانت بالدكتور عثمان موافي لتطوير مناهج الدراسات العليا بها، مثل جامعة الإمارات، وجامعة قطر، وجامعة الملك سعود، بالإضافة إلى جامعة الإسكندرية.
أما د. حسن السعدي وكيل كلية الآداب فلا يستغرب أن تجتمع عدة مؤسسات علمية لتكريم د. عثمان موافي وقال له "أنت لم تتغير إنسانا وإن ارتقى مدارك العلم أستاذا."
وأكد على مقولة أن الرجل سهل ممتنع، وكتابه "منهج النقد التاريخي الإسلامي" يضيف بعدا أكثر عمقا عندما يأتي من أستاذ للأدب.
فضلا عن أنه لا يُرى إلا في مواضع الخير لتلاميذه وزملائه وأساتذته. وحدة ثقافية د. نبيل المحيش راعي منتدى المحيش الثقافي بالأحساء، أوضح أن المكرم عضو تحكيم في جائزة الملك فيصل العالمية، وأن هذه الاحتفالية تدل على وحدة ثقافية بين أجزاء وطننا العربي بعامة، وبين مصر والمملكة العربية السعودية بصفة خاصة.
أما د. فوزي عيسى رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، فقال "أشعر بالفخر ونحن نكرم هذا العالم الذي يعد امتدادا للأساتذة العظام الذين أنجبهم قسم اللغة العربية بالكلية."
ويتذكر د. فوزي عيسى مناقشة المكرم لرسالة الدكتوراه عام 1970 وكان يناقشها د. شوقي ضيف، وكان الطالب يدافع فيها عن آرائه العلمية باعتزاز وقدرة علمية، وهو رجل لم تغيره المناصب على مدى السنوات الطويلة السابقة، وأن اسمه لا يتردد في مصر وحدها، وإنما يتردد في العالم العربي كله. وهو مخلص لمنهجه ومخلص لأبحاثه.
وأوضح د. عيسى أن المكرم أصَّل كثيرا من القضايا والنظريات النقدية، وأنه لا يتعصب للقديم، ولا يعادي الجديد، وإنما هو موضوعي في كل كتاباته. اضبط ساعتك على موعد محاضراته وأشار إلى أنك تستطيع أن تضبط ساعتك بالدقيقة على موعد محاضراته، وهو لا يتغيب عن مجلس من مجالس القسم أبدا، ويدلي بآرائه فيما يفيد مصلحة القسم، فهو رجل ينتمي إلى زمن جميل نعتز به. وأن تكريمه تكريم لكل قيمة علمية جليلة.
ثم أشار إلى الإثنينية والمنتدى، وأننا أحوج ما نكون إلى الوحدة الثقافية. ففي زمن التشرذم والتقزم السياسي يكون لهذا التكريم معناه ومغزاه، فهو تكريم لكل مثقف وأديب عربي بغض النظر عن مكان هذا الأديب.
أما د. محمد زكريا عناني الذي زامل المكرم أكثر من 50 سنة، فقد تحدث عن عثمان موافي زميلا وطالبا وأستاذا وناقدا ومحاضرا من الطراز الأول. وأنه عُرف بدماثة الخلق والطبيعة المعطاء. يقترب من الآخرين دون أن يتفانى فيهم، ويتفانوا فيه، فله ذاته الكامنة التي تأبى أن تنفتح بما يجاوز الخطوط.
وأشار د. عناني إلى أن هذه الندوة القيمة تدل على أن ما بيننا من روابط أكبر من أي شيء يمكن أن يفرق بيننا.
بعد ذلك أشار رئيس جامعة الإسكندرية د. حسن ندير إلى اعتذار د. عبدالله التطاوي (نائب رئيس جامعة القاهرة) عن عدم الحضور لمشاركته في احتفالات مئوية جامعة القاهرة في نفس توقيت ندوة تكريم د. عثمان موافي. لمسة وفاء للأساتذة وفي نهاية الجلسة الافتتاحية لندوة التكريم تحدث المكرم د. عثمان موافي فشكر الكلية التي ينتمي إليها، وشكر قسم اللغة العربية، وشكر الحضور ومن احتفى به كل هذا الاحتفاء.
ثم تحدث في لمسة وفاء نادرة عن أساتذته الذين يعتبرهم من جيل ندر أن نجد لها مثيلا وعلى رأسهم د. طه حسين المؤسس الحقيقي لجامعة الإسكندرية، ولكلية الآداب بها.
وقال عثمان موافي "تتلمذت على جيل تلاميذ طه حسين، وتعلمت منهم الخلق قبل العلم، وإن كان هناك فضل في شخصي فيعود لهؤلاء الأساتذة في قسم اللغة العربية، وأيضا الأساتذة في الأقسام الأخرى، مثل محمد ثابت الفندي وسامي النشار والسروجي وسعد زغلول عبدالحميد وعبدالعزيز سالم في قسم الفلسفة وقسم التاريخ والأقسام الأخرى بكلية الآداب، فمثل هؤلاء زرعوا فيَّ القيم والمثل ولا أنساهم أبدا."
ثم أشار إلى مكوناته الثقافية منذ أن كان تلميذا في مدارس المنصورة، ودور العائلة في هذه المكونات، إلى أن أتى إلى الإسكندرية والتقى بعلمائها ورموزها الثقافية.
***
بعد استراحة قصيرة بدأت الجلسة العلمية الأولى في يوم تكريم العالم د. عثمان موافي، ورأسها د. فوزي أمين، وفيها تحدثت د. ناهد شعراوي عن نظرية الأدب للدكتور عثمان موافي ـ قراءة نقدية، واستعرضت خلال ورقتها كتاب "من قضايا الشعر والنثر في الأدب العربي القديم، وأن د. موافي استكمل بحثه في الأدب العربي الحديث، وفيه يذهب د. موافي إلى أن النثر تعبير شعري استقل عن الشعر في وقت من الأوقات، وأصبحت له سمات خاصة وإيقاع خاص، فأصبح النثر موزونا بغير أوزان الشعر.
وأوضحت شعراوي أن الجزء التطبيقي جاء معززا ومكملا للجزء النظري. أعلام التراث النقدي د. ورد مكاوي عزب تحدثت عن دراسات عثمان موافي عن أعلام التراث النقدي عند العرب واتخذت من ابن سلام الجمحي نموذجا، من خلال طبقات فحول الشعراء.
وأوضحت أن موافي يقوم بنقد كل الكتب التي ألفت قبله في هذا الموضوع، منصفا من كتبوا، ذاكرا ما لهم وما عليهم، بعيدا عن التعصب متوخيا العدل والصدق، مع اهتمامه بالجانب التطبيقي إلى جانب النظري، مهتما بتحليل وتفسير النصوص، باذلا طاقة كبرى في تقديم تراثنا النقدي.
وتضيف د. ورد أن موافي عالج قضية الانتحال عند ابن سلام الجمحي، وأنه لم ينحُ منحى تأثريا، فلم يتأثر بمن كتب عن ابن سلام من قبل، وإنما اتخذ طريقا آخر، فعارض ووافق، ولم يغمط هؤلاء حقوقهم. حلقة من حلقات تقدير العلماء د. أحمد درويش قدم قراءة في قضية الخصومة بين القدماء والمحدثين، ولكنه أشار في مقدمة حديثه إلى أن هذا اللقاء وهذا التكريم حلقة من حلقات تقدير العلماء في عالم أصبح لا يفسح للمعرفة مكانا كبيرا، ونحن من خلاله نكرم علماء الإسكندرية جميعا. وأضاف إلى أنه إذا كانت السياسة قد وقعت في فخاخ التجزيئ، فإن المعرفة والثقافة تتخذ منحى التجميع.
ثم طرح سؤاله عن القدماء والمحدثين، قائلا: قدماء بالنسبة لمن، ومحدثون بالنسبة لمن؟ ثم أوضح أن الدين كان بمعزل عن الشعر في العصور الإسلامية الأولى.
وأوضح أنه عندما تزيد حدة أو درجة الحداثة، يزيد الحنين الشديد إلى التراث وإلى القدم، وعندما تزداد الأمور عن الحد المعقول للصراع الإيجابي والحوار الخلاق، فإن كفة القديم تنتفض. وعندما يرفع بعض أنصار الحداثة لواء القطيعة مع التراث، فتكون القطيعة عنهم، فهم يطيرون بجناح واحد. الأدب المقارن والتوثيق والتأصيل د. محمد عبدالحميد خليفة، قدم ورقة عن مفهوم الأدب المقارن عند د. عثمان موافي، مشيرا إلى الجهد غير القليل الذي فجر قضايا نقدية تستأهل التوقف عندها، ووضع أيدينا على مناطق تحقق فيها الالتقاء بين العربي والأجنبي.
وتحدث د. أحمد سليم عبدالوهاب عن التوثيق والتأصيل في منحى الناقد عثمان موافي، وقال إنه بحث في محبة المكرم، ثم توقف عند كتاب "منهج النقد التاريخي الإسلامي"، وكتاب "مناهج النقد الأدبي والدراسات الأدبية" للمكرم.
بعد ذلك قدم مداخلاتهم وتعليقاتهم كل من: د. سعد أبوالرضا، ود. نبيل المحيش، وسمير فراج، ود. بسيم عبدالعظيم.
***
الجلسة العلمية الثانية عقدت مساء بالقاعة الرئيسية بكلية الآداب ورأسها د. أحمد درويش، وتحدث فيها د. ربيع عبدالعزيز الأستاذ بكلية التربية جامعة الملك فيصل بالسعودية، عن المنهج النفسي والإفراط في تطبيقه، وأن المنهج النقدي الذي اتبعه د. عثمان موافي هو المنهج بحق، وأوضح أن هناك الاتجاه الذاتي الذي يتأسس على الذوق، والاتجاه الموضوعي وفيه يتجرد الناقد من انطباعاته وآرائه الشخصية، وهناك الرؤية الشمولية وموضوعية التعاطي. الاعتماد على المنهج النفسي لا يفي بالغرض ثم تحدث د. بهاء حسب الله من كلية الآداب جامعة حلوان عن رؤية د. عثمان موافي للمنهج النقدي النفسي بين التنظير والتطبيق، وأوضح أن الاعتماد على المنهج النفسي وحده لا يفي بالغرض المطلوب، حيث إنه لا يتناول سوى بعض جوانب من العمل الأدبي، وخاصة تلك التي تتعلق بدلالات نفسية، مغفلا جوانب أخرى مثل قيمته الفنية والجمالية.
وتحدثت د. سحر شريف من كلية الآداب ـ جامعة الإسكندرية عن موسيقى الشعر عند عثمان موافي والنقاد القدامى والمحدثين، مسجلة موقف موافي من قضية شغلت أذهان النقد العربي القديم والحديث والمعاصر، ولا تزال تشغله، وهي قضية موسيقى الشعر، وتوقفت عند كتابه "من قضايا الشعر والنثر" بجزأيه.
واختارت د. نادية لطفي ناصر، من الجامعة العربية المفتوحة بالمملكة العربية السعودية، الحديث عن النظرية النقدية المعاصرة عند د. عثمان موافي، عاقدة مقارنة بين تي إس إليوت وعثمان موافي. طاو ثلاث والإشارة والعبارة وقدم د. فتحي علي عبده من كلية الآداب جامعة المنوفية بحثا بعنوان "الكرم المستحيل وثنائية الطاعة والعصيان" عن قصيدة الحطيئة "وطاو ثلاث"، وكيف نقرأ النص الأدبي، وأهدى بحثه للدكتور عثمان موافي. وأوضح الباحث أن النقد الأدبي نص لغوي في المقام الأول.
أما د. فاروق أحمد مصطفى، من قسم الأنثروبوجي، فتحدث عن أن اللغة مفتاح الثقافة، ولولا اللغة ما كانت هناك حضارة إنسانية، كما تحدث عن التوازن المطلوب بين الإشارة والعبارة.
***
وفي الختام شكر د. جمال حجر عميد الكلية، المؤسستين "إثنينية النعيم الثقافية"، و"منتدى الدكتور نبيل المحيش الثقافي" اللذين شاركا بكل حب في تلك الندوة العلمية، وأشار في توصيات الندوة إلى حرصها على إقامة الندوات التكريمية للإعلام والمفكرين والمتميزين. وأن يأخذ التكريم الطابع الأكاديمي العلمي بما يتناسب ومستوى المناسبة الأكاديمية. ندوة لتكريم الإثنينية والمنتدى كما أوصت الندوة بعقد ندوة خاصة لتكريم الإثنينية ومنتدى المحيش، وبيان دورهما في خدمة الأدب العربي والثقافة العربية، على أن يكون ذلك خلال العام الدراسي القادم.
وتختتم الندوة العلمية التي أقيمت لتكريم الدكتور عثمان موافي بإهداء ميدالية كلية الآداب لكل من الدكتور نبيل المحيش، والأديب محمد صالح النعيم.
جدير بالذكر أن الإثنينية والمنتدى قاما بتكريم الشاعر الكبير فاروق شوشة، بالتعاون مع المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، قبل أيام من تكريم د. عثمان موافي. أحمد فضل شبلول ـ الإسكندرية